قرأت كثيرًا من التعليقات الناقمة على أداء قيادات البلد بدءًا من رئيس المجلس السيادي الفريق البرهان، ونائبه الفريق حميدتي، ومرورًا بأداء رئيسة القضاء، والنائب العام، ووزراء الحكومة الانتقالية من المدنيين المحسوبين على الثورة، والذين يكاد يجمع المحللون على سوء وفساد وقصور بعضهم، بينما يختلفون حول صلاحية البعض الآخر لتولي المناصب العليا، في هذه الحكومة التي ينتظر منها أن تنزل وتطبق على أرض الواقع في سودان ما بعد الثورة، وتحقق آمال وتطلعات مفجري هذه الثورة من الشباب ومن الكنداكات، الذين ضحوا في سبيلها بالغالي والرخيص، ودفعوا مهرها بأرواحهم، ودمائهم، وأعراضهم.
ومن هنا طرأ السؤال في ذهني، كيف نعرف وكيف نفرق بين الوزير النزيه، والوزير الكاذب، الذي لا تهمه إلا مصالحه الخاصة وأطماعه، ويحرص على الوصول لمبتغاه على حساب الشعب وثورته، ولا يألو جهدًا، في سبيل تحقيق ما دفعه وحفزه لتقدم الصفوف واحتلال المنصب؟!


واسمحوا بأن أقتطف الإجابة مما كتبه الأستاذ محمود محمد طه في كتابه الأم (الرسالة الثانية من الإسلام):
(.. حسنا!! قالوا أن المسيح قد قال يوما لتلاميذه : ((احذروا الأنبياء الكذبة !!)) قالوا: ((كيف نعرفهم ؟؟)).. قال: ((بثمارهم تعرفونهم)).


(بثمارهم تعرفونهم)! هذا إذن هو المعيار الذي لن يخذلنا إن قمنا باستخدامه لتمييز الوزير الصالح من الوزير الطالح. فلقد مرت هذه الحكومة الانتقالية بمنعرجات ومطبات كبيرة، كانت أبرزها وضوحًا تجاوزات الجناح العسكري، ومحاولاته العديدة، والمستمرة، لعرقلة تقدم المسيرة نحو التحول الديمقراطي، وترسيخ الحكم المدني، وتنزيل أهداف الثورة، بتطبيق الحرية، والسلام، والعدالة على أرض السودان. ولم بعد خافيًا أن الفريقين، البرهان وحميدتي، لا يترددان مطلقًا في تمزيق وتجاوز الوثيقة الدستورية، وخرق أهم بنودها، ومحاولة الالتفاف عليها بكل السبل، لضمان أن يظل الحال كما كان عليه في عهد الظلام البائد، وضمان أمان وسلامة البشير المخلوع، وعدم محاسبته، ولا محاسبة أعوانه وزبانيته. بل حماية وتهريب من تطوله الاتهامات وتلاحقه يد العدالة منهم، للحد الذي بلغ توجيه النائب العام صراحة بإطلاق سراحه، لتسهيل هروبه!
وغير ذلك شهدنا من حلقات السلسلة الطويلة من مخالفات واضحة للجميع، بلغت درجك ارتكاب الخيانة الوطنية العظمى بالتواطؤ مع المخابرات المصرية ضد السودان، وهم أكبر الطامعين في ثرواتنا، واراضينا، ومياهنا! كما ظهر بما لا يدع مجالا للشك، مدى حرص الجناح العسكري على إفشال الحكومة الانتقالية، و تعويق مسيرتها.


الوزراء المدنيون الذين تسنموا مناصبهم الرفيعة في هذه الحكومة الانتقالية هم بالطبع أكثر الناس دراية بكل تفاصيل هذا الواقع المزري. فماذا فعلوا؟! وما هو المتوقع من الوزير صادق الإيمان بالثورة وأهدافها أن يفعل في مثل هذا الوضع المائل؟!
في الإجابة على هذا السؤال سنرى ثمار الوزراء المدنيين التي يجب أن نعرفهم بها! فإن كان من بينهم وزيرًا صادقًا ونزيهًا، لكنا سمعنا صوته العالي احتجاجًا على كل تفاصيل هذه المآسي، والجرائم العظمى، التي تتوالى وتفتر مشاهدها أمام عينيه، أو كنا رأينا سعيه لتغيير المنكر، إما باستقالته، أي (بيده)، أو بإعلان موقفه الرافض بقوة، أي (بلسانه)، أو برفضه للتعيين وزيرًا في حكومة يعلم بتفاصيل فسادها، أي (بقلبه)، وبدون حاجة حتى لأن يعلن بيان أسبابه، (وهذا أضعف الإيمان)!


هل رأينا أيًا من هذه الثمار؟! وهل رأينا منهم من قدم استقالته معللة باستحالة عمله لتحقيق أهداف الثورة في هذا المناخ الفاسد؟! وهل، على الأقل، سمعنا صوتهم احتجاجًا، أو سمعنا إصرارهم على رفض أي من تفاصيل الحال المائل التي لا تحصى ولا تعد؟!
كلا، ثم كلا!
إذن لماذا هم متشبثون بالمناصب ولماذا هم حريصون و يستميتون من أجل التنصيب، في حكومة يعلمون سلفًا، بأن القابض على مفاصلها، هو نفسه المتحكم في ثروات البلاد عبر شركات الجيش والأمن، الفريقان البرهان وحميدتي، قادة الجناح العسكري، المكون من بعض أهم أعضاء لجنة البشير الأمنية؟!


هذه إذن هي ثمارهم التي بها نعرفهم. فالرجل النزيه لا يجالس القاتل السفاح، ولا يقترب من الفاسد والسفيه، دعكم من أن يقبل بالعمل تحت إمرته، ليسهل له فساده، بأن يشاركه فيه، أو حتى ولو كان بالتواطؤ معه بالصمت عن قول كلمة الحق، وهو يعلم أن أعظم الجهاد هو أن تقول كلمة الحق أمام سلطان جائر، وأن أقل الإيمان هو أن تغير المنكر بقلبك، وهو الذي يقتضيه، مثلًا، أن يرفض التعيين من البداية!
فكما قال نبينا الكريم، عليه الصلاة وأتم التسليم: (..فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ..)!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////