غواية العنوان أحيانا، تكون جاذبة، واحيانا صادمة، كما هي في حال عنوان هذا المقال.. فالعذرية التي نعرفها في أدبياتنا واستخداماتها الثقافية ،ترتبط دائما بالمرأة والشرف وبالجنس، لأننا نجعل من المرأة ،في هذه البيئة التخيلية، هي محور اهتماماتنا ،ويفكر الرجل الشرقي في الجنس بنحو( 34) مرة في اليوم، بحسب دراسة علمية لجامعة أوهايو الأمريكية.
كذلك فقد ( العذرية) تعني عندنا ( غياب غشاء البكارة) ولم تعد البنت بكرا...ولكنني في هذا المقال ، فسوف استخدم الكلمة او المصطلح في معناه الاوسع ،بالمعني الاصطلاحي في اللغة ،والأخلاقي في السلوك الانساني...فنقول مثلا( ظلت شباك الفريق عذراء حتي نهاية المباراة) بمعني لم يصيبها هدف...و( ارض عذراء) ،بمعني لم تطأها قدم أو استصلاح زراعي، أو نقول( الغابة أو الطبيعة العذراء) بمعني لم تصلها يد القطع أو التخريب بعد...وهكذا...
وكلمة ( عذراء) مرادفة لكلمة ( البتول) والسيد المسيح كان بتولا،وكذلك أمه مريم، فقد عاشا وماتا دون ان يتلوثا بالخطايا والأثام،فرحلا عن عالمنا طاهرين.
: وعندما نقول أن الشعب السوداني ،أو المجتمع السوداني، او الزول السوداني، او الشخصية السودانية، لا فرق، فأننا نعني بذلك أنها قد فقدت فطرتها السليمة ،وطبيعتها السمحة وأخلاقها الحميدة التي أشتهرت بها..ولكنها تفتقدها الان..فأصبحت ( ملوثة) بالمكر والخداع والأنانية وحب الذات والكذب وعدم المصداقية في القول والفعل،بل وأصبح فاقدا للمسئولية والحس الوطني وسلوكيات دخيلة لم تكن معروفة في الأجيال السابقة.
لقد أصبحت الحنية والشوق الي الماضي ،أمنية يتحسر علي ضياعها أبناء الاجيال البكر الماضية،بل وحتي أبناء الجيل الحالي ويتحسرون علي حالهم وهم يسمعون عبر القصص من كبارهم او عبر ما يسمعونه او يشاهدونه عبر وسائل الاعلام عن ذلك الماضي الجميل،كيف كان حال السودان في ذلك الوقت، كيف كان الناس يتعاملون بأدب وتهذيب واحترام، كيف كانوا يتأنقون في اللبس والأكل والشرب وحينما يسافرون..كيف كان حال التلاميذ والمدارس والمعلمون...وكيف كانت المشافي والأطباء والممرضون...وكيف كان يتصرف القادة السياسيين وفي سلوكهم قدوة يقلدها الأخرون...وكيف...وكيف....وكيف..فهل فقدت الأرض والبيئة السودانية عذريتها ولم تعد بكرا عندما نقارن حالنا اليوم بما كان عليه الأولون؟
صحيح ، تلك أمة قد خلت، والماضي لن يعود، ولهذا يركز الفلاسفة دائما علي أهم مبحث من مباحث الفلسفة وهو ( مبحث الأخلاق)..الذي يركز علي سلوك الانسان بما هو انسان،ومهما فقدت البشرية من عذريتها ،بسبب المتغيرات الحياتية الكثيرة، فهي قادرة علي الامساك بانسانيتها وجذورها وارثها التأريخي، فهل لازلنا ممسكين بانسانيتنا وجذورنا...أم أننا قد فقدنا فعلا ( عذريتنا) بالكامل ، وأصبحنا فعلا مجتمعا فاقد لعذريته ولم يعد بكرا ؟
د.فراج الشيخ الفزاري
f.4u4f@ hotmail.com