تناولت جهات كثيرة تعريف عقد الامتياز، وهنالك شبه إجماع بينها في هذا الصدد: على أنه عقد بين طرفين مانح الامتياز والممنوح له، وعادة ما يكون بصيغة عقد تصرف الممنوح له في الشيء الذي يملكه مانح الامتياز، أياً كان هذا الشيء؛ شرط أن يكون مملوك من طرف المانح ملكاً شرعياً غير مخالف للقوانين والأعراف! وبهذا التعريف فإن عقد الامتياز يرتب حقوقاً وواجبات على أطرافه، أشرنا إلى بعضها سابقاً.
وهذا النوع من العقود يكون بموجب اتفاقية تبرم أساساً من قبل الدولة مع المستثمر، محلياً كان أو أجنبياً، شريطة إشراك المجتمع المحلي، إذا كان الامتياز يتعلق باستثمار يؤثر على حياة الناس ونشاطهم البشري، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة! وخلاصة القول إن عقد الامتياز يمكن أن يكون عقداً بسيطاً لتشغيل مرفق ما وإدارته، وقد يكون عقداً سيادياً لاستخراج المعادن والموارد الطبيعية الأخرى وفي هذا الإطار تندرج اتفاقية استخراج السليكون من الرمال البيضاء بمنطقة شمال بارا، بولاية شمال كردفان. وبما أن اتفاق استخراج السليكون، من الرمال البيضاء في منطقة شمال بارا، يعد من عقود الامتياز، فمن الواجب على أطرافه؛ تحديداً المستثمر والجهات الحكومية، مراعاة القوانين والأعراف؛ خاصة تلك التي تتعلق بملكية وحيازة الأراضي واستخدامها، وما يتبع ذلك من حقوق مشروعة للمجتمع المحلي.
وحيث أن هذه الاتفاقية تتعلق بالتعدين أو الاستفادة من الرمال، فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحيازة الأراضي وملكيتها واستغلالها، مقابل قدر من المال للخزينة العامة، ولكن بالضرورة يجب أن ترتب حقوق أخرى ومسؤوليات تجاه المجتمع المحلي. ونستشهد هنا بالوثيقة التي نشرتها الحكومة القائمة في السودان حيث نصت صراحة على نقاط نجملها فيما يلي: إقرار الدولة بالحقوق العرفية للأفراد والجماعات المحلية؛ خاصة الريفية منها، في ملكية الأرض وحيازتها، واستخدامها باعتبار ذلك جزءاً من حقوق الإنسان التي يتوقف عليها ضمان كسب عيشه وبقائه على قيد الحياة. ومن أجل ذلك لابد من وضع سياسة لتشجيع وتطوير الملكية والحيازات؛ لتكون موائمة لأولويات التنمية والاستثمار في كافة المجالات الزراعية والصناعية، مع توفير البنيات التحتية والخدمات الضرورية. ومن جانب آخر، ينبغي إعمال الشفافية والمحاسبة والحوكمة ومراعاة المسؤولية الاجتماعية في كافة المعاملات والاتفاقيات التي تتعلق باستخدامات الأراضي واستغلال الموارد الطبيعية بحيث تكون المجتمعات والحكومات المحلية والولائية شركاء في تنفيذ المشروعات التنموية والاستثمارية، في مراحلها المختلفة. ولهذا لابد من مراجعة كل الاتفاقيات والعقود السابقة التي بموجبها خصصت ملايين الأفدنة من الأراضي بمقابل لا يسمن ولا يغني من جوع. مع العلم بأن الأرض هي رمز للسيادة الوطنية والهوية القومية ومصدر للثروات التي توفر سبل كسب العيش لغالبية سكان الريف السوداني، سيما وأنها منبع هويتهم المحلية ومنها يستمدون كينونتهم وثقافتهم المحلية! وهذا ما جعل اتفاقية السلام الأخيرة، بغض النظر عن وجهة نظر الكثيرين حولها، تخصص حيزاً مقدراً يعالج مسألة الأرض والحواكير في مختلف أقاليم السودان تفادياً لأي مشكلات من شأنها تمزيق النسيج الاجتماعي المحلي أو تعريض المواطنين للنزوح عن مناطق سكناهم.
استناداً إلى ما تقدم من طرح موضوعي ومقبول، يتضح جلياً أن النهضة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والسلام المنشود، لن يتحقق منه شيء إلا إذا تعاملت الجهات المسؤولة مع موضوع الأراضي وحيازتها واستخدامها واستغلال مواردها الطبيعية بقدر من الشفافية والوضوح، بعيداً عن محاولة فرض وجهة النظر الرسمية بالتهديد أو التخوين أو استغلال النفوذ بأي شكل من الأشكال. وتماشياً مع هذا التوجه يجب أن يمتنع الوسطاء والسماسرة وضعاف النفوس، الذين يزينون الباطل للحكام والمستثمرين، ويدعون حيازة ما لا يملكون عرفاً ولا قانوناً، عن التدخل في اتفاقيات الاستثمار أياً كان نوعها أو حجمها أو موضوعها.
وفيما يتعلق باستخراج السليكون من الرمال البيضاء بمنطقة شمال بارا، فإننا فقط نطالب حكومة الولاية بالالتزام بما ورد في الوثيقة المشار إليها؛ لأن المنطقة المذكورة ليست بدعاً من المناطق، بل هي أرض معروفة بأنها ملكية وحيازة عرفية قديمة لمجموعة من الناس الذين توارثوها أباً عن جد. ونعتقد أن الاتفاق الذي وقعته حكومة ولاية شمال كردفان مع بعض المستثمرين لم يمكن خالياً من العيوب ولابد من إعادة النظر فيه من عدة جوانب؛ حتى يحقق مصالح الدولة وحكومة الولاية والمحلية والمجتمع المحلي. نحن الآن نستشرف عهداً جديداً تمثل فيه الأرض مصدراً ليس للثروة فحسب بل أيضاً للسلطة والهوية والتراث، على المستوى الفردي والأسري والمجتمعي والإقليمي والقومي؛ ولهذا فإن أي اتفاق يخل بهذه المصفوفة فهو مرفوض جملة وتفصيلاً.
وتجدر الإشارة، مرة أخرى، أننا لسنا ضد الاستثمار، كما أن السلكيون لا يمكن أن يظل في باطن الأرض إلى الأبد، لكننا وبكل وضوح وشفافية نود من المعنيين بالأمر، من الجهات الرسمية والاستثمارية، أن تنظر بعين الاعتبار لحقوق أهلنا المشروعة فيما يتعلق بالرمال البيضاء في شمال بارا، وهي منطقة واسعة وواعدة بخيرات كثيرة، معدنية وزراعية، وإذا لم يكن ذلك ممكناً، فنحن أولى برمالنا، وارفعوا أيديكم عنها.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////