ربما بسبب خلفيته كإنسان بسيط ومباشر و"زول خلا" لم يعتاد على البرتوكولات والمجاملات، أجد أن الجنرال حميدتي أقرب العسكر إلى نفسي. لأنك تستطيع أن تقرأ داخله بسهوله ولا يرهقك لتعرف ما يفكر فيه وكيف يفكر. وإن كان يحاول في مفاصل الكلام الحار أن يُبدي شيئاً من المداورة، ولكن مداوراته رغم ذلك تبدو واضحة لبساطتها، لأنها أحياناً "مطاعنة" وتلميحاً واضحاً، أقرب إلى "إياك أعني فاسمع يا جاره". وهذه صفة لا أحبها فيه، لأنها تأتي دائماً في سياق يتطلب التوضيح والتصريح لا الغمز والتلميح.

بالأمس القريب انتشر له شريط فيديو أخذت رابطه من موقع سودانايل، استأنف فيه حملة الجنرال البرهان الشعواء على الحرية والتغيير دون أن يسميها، وحمَّلها "بلاوي" ما يحدث، وكان يقصدها بقوله أن التمكين بكل "تم تبديله بتمكين أشد"، وأن الحكم لابد يكون لجميع الشعب السوداني، وأن "السودان غير مسجل كشهادة بحث لشخص".
وفي التفاتة "ذكية" قصد منها كسب ود الشباب، ودق إسفين بينهم وبين الحرية والتغيير طالب بمشاركة "شباب الثورة الحقيقيين" في السلطة.
وكأن العسكر تركوا هامشاً لمجلس الوزراء نفسه – دع الحرية والتغيير – ليحكم!.
بل ذهب أبعد من البرهان وكباشي بتخوينه لهم واتهامهم بسوء النية والقصد قائلاً بأن الأمور وضحت "لنا" (للعسكر يعني) خلال فترة ال14 شهرا ووضح لنا من هو السيء ومن هو الذي يسعى لتدمير البلد موضحا أن" الكيمان قد فُرزت".
وإن حاول – بذكاء أيضاً – أن لا يفقد ودّ العسكر مع "بعض" مكونات الحرية والتغيير ممن يودّوهم ويلتقون معهم في الرؤية والتفكير. ولتوسيع فتق نسيج وحدتهم الذي يعاني أصلاً من الفتوق بقوله: ان حديثي هذا ليس تعميما لأن هناك مجموعة من الحرية والتغيير وطنية وقلبها على البلد.
وأظنه في هاتين النقطتين كان أكثر ذكاء وحصافة من البرهان الذي مثل مظفر النواب في وترياته "لم يستثن أحداً"، قاطعاً خيوطه مع الجميع، في الحكومة وفي حاضنتها السياسية معاً.
ولا تدري من يقصد حميدتي بقوله أن البلد ليس لديها مشكلة موارد بل مشكلة بشر حاقد وسياسات تدمر في البلد؟.
هل يقصد بالحاقدين على البلد الحكومة المدنية؟ أم الحرية والتغيير؟ أم يقصد فلول الكيزان؟. (بالطبع لا يمكن أن يشمل هذا التوصيف المكون العسكري الذي يسيطر على أموال وثروات البلد، بما في ذلك هو شخصياً !!).
ألم نقل بأنه يتعمد اللمز والغمز و"المطاعنة" والتلميح و"يشويش" على من يستمع إليه؟!.
على كل حال لقد بشر مشكوراً حميدتي الناس خلال مخاطبته "مناسبة اجتماعية" بمحلية أمدرمان (1) بأنه لن يكون هناك انقلاب "لا من الجيش ولا من الدعم السريع" والشرطة ولا الأمن.
كما طمأنهم بأنهم (العسكر بالطبع) لن يجاملوا أحد بعد اليوم وسيوضحون للشعب من يدمر ومن يخرب ومن يفسد ويجد السجن أمامه (2).
ومرة أخرى ندخل معه في المنطقة الرمادية ونفقها الضبابي دون أن نعرف عن من يتحدث !!.
ولكن لمن يتوهمون، أو يوهمون أنفسهم، أو يريدون إيهامنا. ولمن يروجون الإشاعات عن خلاف بين فصيلي العسكر: البرهان/ حميدتي، عليهم أن يتأكدوا بأنهما يفكران بنفس الطريقة ويتحدثان بلسان واحد، ويسعان إلى ذات الهدف.
ما يثير الغرابة والدهشة لحد الضحك هو ما ساقه كل منهما من مبررات لتوسله التطبيع مع إسرائيل، المتفق عليه بينهما. وكل واحد منهما يحتكم إلى خلفيته الثقافية والاجتماعية.
- ففي حين برر البرهان ضرورة التطبيع مع إسرائيل بأسباب اقتصادية، على اعتبار أن التطبيع سيحل كافة أزمتنا الاقتصادية، ويحقق التنمية المستدامة التي نحلم بها، ويفتح أبواب الرزق تجري تحت أرجلنا أنهاراً، ويجعلنا في سعة من العيش.
- قال حميدتي في تسجيله أن مشايخ وعلماء دين نصحوا الحكومة بالتطبيع مع إسرائيل، وأكد أنهم لن يتركوا طريق لمساعدة البلاد وتحقيق مصالحها قائلا: أنا هنا بقول ليكم كلام ما في زول بقولو، الشيوخ كلهم قالوا طبعوا مع إسرائيل عشان تكونوا عارفين”.
و"إنهم لن يتركوا طريق لمساعدة البلاد وتحقيق مصالحها" تعني حرفياً:
"يعني أنحنا مطبعين مطبعين".
وهذا منتهى السخف: أن يصبح ملف علاقات السودان الخارجية بيد من يسمون بالعلماء ورجال الدين !!.
لماذا لا تنصبون أحد هؤلاء المشايخ رئيساً للدولة ومرجعية عليا لها ؟!.
ولن تكونوا بذلك بدعاً بين الدول والشعوب، فلكم في إيران قدوة.

هوامش
(1) هذه المناسبة تذكَّرني بمناسبة الحتانة وأبطالها. ولا أدري لماذا يختارون "المناسبات الاجتماعية" بالذات لطرح قضايا الوطن الاستراتيجية، وفتح ملفات الخلاف بين مؤسسات الدولة ؟!!.
(2) نفس هذا الوعيد سمعناه من قبل وهو يتحدث عن الفاسدين ومهربي الذهب والمتاجرون بالعملة، وأيضاً دون أن يسمي أحداً ممن قال أنهم معروفون لهم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.