مَدخَل:

وَدَدتُ لَو أن أَحدَاً غَيرِي، أغنَانِي عَن مَشَقة الرَد عَلي وَرَقَة الدكتور عبد الله حَمدُوك، صَبِيحَة يوم ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م في المؤتمر الإقتصادي الأَوَل، والتي جَاءت حَول الدَولة التَنموية الدِيمُقراطِية، و ذلك لَعَدم تَخصصي في هذا المَجال الدَقِيق، و لِعدَم نَومِي لِمُدة يومين مُتتاليين.

لَكِن، و لِحَساسِية الموضوع، أجِدُ نَفْسِي مُضطراً لِلكِتابة المُختَصَرة، و فِي عُجَالة، حَول هذا المَوضوع الهَام، لَعَله يَكُون في ما أخطَطَت يَمِيني، رأس خِيط لِباحِثين آخرين، و نُور هَادِي لِوَطنِيين دِيمُقراطِيين ثَوريين حَادِبين.

أولاً: مُقَدِمَة:
لقد أخذَت الدُول الغَربية وَقتاً طَويلاً، حتي تَصل الي مَرْحِلة الدِيمقراطِية اللِيبرالية الحَالِية، و ذلك إبتداءاً مِن عَصر النَهضة، و مِروراً بالأصلاح الدِيني، و التنوير، و الثورَات، و الحَداثة، و مَا بَعد الحَداثَة، و الي الآن تَستَشرِف تِلك المُجتمعات الإنسانية فَجراً جَديداً مِن التَطَور و التَقَدُم.

كُل تِلك الحقائق التأريخية المَوضوعِية، جَعلَت بَعض المؤسَسَات الأمَمٍية و الإقليمية و المَراكِز البَحثِية، تُفَكِر في حَرق المَراحِل، و مِن ثَم تَبَنِي نَماذِج و مَشارِيع نَظَرية فِكرية، لِلوِصُول الي دِيمقراطية تنموية في سَنوات وَجِيزة، و التي تَجعَل لُبْ المُشارَكة السِياسِية تَتَمحوَر حَول تَحقِيق أهداف التنمِية في الدولة، و نَتائج ذلك المَنظُور ليس بالصُورة الوَردية كَما يتَوَقَع الكَثيرون.

ثَانِياً: الدِيمقرَاطِية التنمَوِية:
في نَمُوذَج الدِيمقراطية التَنمَوية، تَلعَب الدَولة دَور المُنَظِم و المُتَحَكَم، في عَملية وَضع السِياسَات العَامَة بِواسِطة خُبراء مُتخَصِصِين و مُستشارين، و ذلك في غُرَف مُغلَقَة، و مِن ثَم تَقوم الدَولَة بإشراك جمهور المواطنين الغوغَائيين لاحِقَاً، في عَمَلِية نِقاش تلك السِياسَات المَطبوخَة الجَاهزة، لإضفاء عليها نُوع مِن الشرعِية الشعبية، كمَا يحدُث الآن في المؤتمَر الإقتصادي الشَكْلِي، و الذي تُعتَبَر مُخرجاته جَاهِزة مَن قَبْلَ أن يُعْقَد.

ثَالِثاً: إختِلال الجَوانِب النظَرِية:
الأدبِيات و النظريات الأسَاسِية، التي تُحَاوِل رَبط الدِيمقراطِية بالتنمية أيدولوجِياً و فَكرياً في عَلاقة ثُنَائية، فِيهَا الكَثير مِن أوجُه القُصور و الأخطاء الكَبِيرة، و قَد تَعَرَض لَها كَثير مَن المختَصِين بالنَقْد و التجريح علي مُستَوي العَالَم.

كَان الطَرْح السائد في المَاضِي، يقول بأن الدَيمقراطِية لها عَلاقة إيجابِية بِمستوى التَحديث المُجتمَعِي، و لكَن المَوظفين البيروقراطِيين في المُؤسسات الدُولِية، حَاولوا إستبدال الحَدَاثَة الإنسانية بالتَنمية الإقتِصادِية، كَمَدخَل نَحو التَحوُل الدِيمقراطِي، في مُجتمَعات الدُول النَامِية، و ذلك بَعدَ إنهِيار الإتحاد السُوفِيتي.

قَامَ هؤلاء المُوظَفون البيروقراطِيون، بِخَلق أيدولوجيا جَدِيدَة، تَجعَل الديمقراطِية مُتَغَيِر تَابِع، للمُستوى الهيكلي والمُستوى المُؤسسي ومُستوى الفاعلية الإنسانِية، كَمُتغيرات ثَلاثَة مُستَقِلَة.

إن مُصطَلحات مِثل التَنمِية والدِيمقراطية، فيها كثير مِن الإلتِباس، و مِن المُمكِن أن تَعطي مَعاني مُختلفة في سِياقات مُختلفة، فَعلي سبيل المِثال، قد تَبايَنَت وإختلَفَت مَفاهِيم التَنمية على مَر العقود المَاضية من كَونها مُعادَلة للتحديث الإقتِصادِي، لتَعنِي التغلُب علي عَدم المُساواة الإجتماعية، وإتاحة الفُرَص للأفراد في السُوق، وصُولاً الي الحُكم الرشيد.

كذلك الأمر بالنِسبَة لِمُصطَلَح الدِيمقراطية، و الذي كَان و لا يَزال، مَوضُوع العَديد مِن المُناقشات الفِكرية، عن مَاهية الدِيمقراطية ومَفهومَهَا.

هذا التنوع و الإختِلاف المفاهيمي الكبير، قَد يؤثِر علي نتائج نَظرية الدِيمُقراطية التنموية.

المَنهج البنيوي/الهَيكَلي لِلديمقراطيين التَنمَويين، يَعتمِد علي مَنظور تأريخي في تفسير نجاح أو فَشل العَملية الدِيموقراطية، و يَتجِه الي النَظر في الحَالات التي إستَقَرَت بِها الدِيمقراطية بالفِعل، وبِسَبَب المَدخَل التأريخي فهم يتجنبوا مناقشة الحالات حديثة الدِيمقراطية، والإستثنَاء الوحِيد من هذه الكِتابات هي التى تتناول العَلاقة بين الإصلاح الإقتصادي وتحقيق الدِيموقراطية، لا سيما في البُلدان النَامية التى إستجَابت لِسياسات التكيُف الهَيكلِي التى يَفرِضها صُندوق النقد الدُولي والبَنك الدُولي.

هناك ثَلاث قَضايا، تُعتَبَر مِحور إهتِمام هؤلاء البنيويين الدِيمُقراطِيين التنمويين، و هي المَوقع فى النِظام الإقتِصادى العالمِى، و الطبقة الإجتِماعية، و التَغَيُر في القِيَم الناجِم عَن العوامِل الهيكلِية.

كَما قَال التَحليليون الدِيمقراطِيون التنمويون، أن مُستوى التنمية الإقتِصادِية لَهُ أثر كبير علي الدِيمقراطية، و هو قول مَردود بالإطلاق عِندَ النَظَر الي تَجرُبَة الصِين، و هُناك تساؤل عن مَا هو الهَام فِعلاً في هذه العَلاقة ؟ وما النتائج التي يمكن إستخلاصها مِنها ؟ أو علي الأقل في الجزء المُتَعَلِق بكيفية تحديد المُتغيرات التابِعة والمُستَقِلة.

العَالِم هادينيوس، طَوَر مُتَغيِر مُركَب للديمقراطية كان أكثر شمولاً من المُتغير في الفَرضِيات السابقة، وقَامَ بإختبار ما لا يقل عن 17 مَؤشر، وقد إستَنتَج ان في الوقت الذي تكون فيه مسألة"Well-to-do" على مستوى المقارنة عبر الوطنية أو بين البلدان، ليس العامل الإقتِصادي هو الضروري، ولكن العَوامل الإجتماعية مثل التعليم ومحو الأمية كمُتغيرات مُستَقِلة أقوى، و كَان بَعض البَاحِثين لديهم تَساؤل عن أيهُما أقوى: مُستوى النمُو الإقتِصادي أم مُعدلات التنمية الإقتصادية ؟

إستَنتَج العَالِم بارينغتون، بأن التنمية الإقتصادية الرأسمالية، تَخلق ضَغطاً مُتزايداً من أجل تَحقيق التُحول الدِيمقراطي، عَن طريق تشجيع ظهور طبقة وُسطى مقبولة على نِطاق واسِع جداً لتحقيق الدٍيمقراطية، ومقولته " بدون برجوازية لَن تَحدُث دِيمُقراطِية".

القِوى الإجتماعية أو الطبقات مُتَغِيِر هَام جِداً، حَيثُ يُمكن ان تُوجه الطبقات المُجتمع لِطُرق و وجهات مختلفة، و كان العَالِم موور يَفتَرِض ان الطبقة الوُسطي تتمتع بدرجة من الإستقلال، و ذلك مِن خِلال القُدرَة على تشكيل مَسار التطور السياسى فى هذا الإتجاه أو ذاك.

التجارِب السابقة، أوضَحَت انه لا مَفر مِن أن تختار الطبقة الوُسطى وتُفضل المَسار الدِيمقراطي عن المَسار غَير الدِيمقراطٍي، و لكن الأمر يَتوقَف على كيفية مُواجهتٍها للتحدٍيات التي يُمكن أن تَطرحها العوامِل الهيكلية، كالإقتِصاد مَثلاً.

كَما رَكَزَ العَالِم روشمير علي الدور الذي تَلعَبه الطبقة العَامِلة، في قضِية التحوُل الدِيمُقراطي، بَعدَ أن أكد انه بٍدون الطبقة الوُسطَى هُناك صعوبة في وَضع اللِيبرالية الدِيمقراطية في الأجِندة السِياسِية، ولكِن إضافته تَتَعلق بأن توطيد الدِيمقراطية لَن يَحدُث إلا بَعد قِبول الطبقة العامِلة لِمبادئ الدِيمُقراطِية الدُستُورية.

رابِعَاً: بعض الإستِنتَاجَات:
(1) الدِيموقراطية تَنبع بتعديلات في الطموح على المستوى الأفراد.
(2) الدِيموقراطية لا تنبع مباشرة من التغيرات الإقتصادية، و لكن عبر التحولات فى القِيم الإخلاقية.

إلا إن فكرة التحوُل الدِيموقراطي فى أى مجتمع، هي نتيجة المُتغيرات المَادية والأخلاقية، علي حَد سواء، و هذا يُشير إلي أن ديناميكيات التغيير مَدفُوعة أكثر بالعَوامل الداخلية أكثر من العَوامل الخارجية .

خَامِسَاً: تحرير الخِلاف مع السيد حَمدُوك:
إن أكبر مُشكِلَة لِي مَع الدكتور عبد الله حَمدُوك و مَجمُوعَته الإستِشارِية، هي إستٍبدالهم لِمَشروع الثورة الإجتِمَاعي الإنسَاني، مِنْ حُرية و سَلام و عَدالة، بِمشروع آخر تَنموي دِيمُقراطِي غير مُتَفَق عَليه شَعبِياً و ثَورياً، و مِن ثَم فَرض ذلك المشروع البديل علي الجماهِير الثائرة بَدون تفويض شَعبِي، و بِدون مُصارَحَة الجماهِير عَن طَبيعة المشروع الجدِيد و مَآلاته، بِغض النظر عَن الإختلالات المنهجية و النَظرية في ذلك المشروع التنموي الدِيمُقراطي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.