ملاحظات نقدية حول ورقة د. آدم حريكة وآخرون مقدمة للمؤتمر الاقتصادي بعنوان:

الرؤى ، والتحديات واولويات التنمية لحكومة الفترة الانتقالية نحو دولة ديمقراطية حديثة ، وفق مشروع نهضوى متكامل"
مقدم المذكرة: د. عباس عبد الكريم
يتم التركيز فى هذه المذكرة على النواحي الفكرية للورقة.


الملاحظة الاولى: إختلاط الادوار
وضع د. حريكة الورقة التى تقدم بها ضمن الاوراق الرسمية ، جنبا الى جنب مع خطة وزارة المالية وخطة قحت !! صفة د. حريكة انه مستشار ، والورقة مقدمة ، كما هو مذكور ، الى مكتب رئيس مجلس الوزراء. إذا كان الوضع كذلك ، وإذا لم يبت فى الورقة ، فباى صفه توضع الورقة ضمن الاوراق الرسمية (وهى مقدمة من افراد). وإذا تم تبنى الورقة فمن الواجب ان تصدر من الجهة التى قدمت لها. أن وظيفة مستشار قاصرة على التعامل مع الجهة التى يعمل/تعمل لديها وليس للمستشار أي دور في الواجهة.


الملاحظة الثانية: اين الثورة فى الورقة
القارئ لا يشعر نهائيا بان الورقة مقدمة في فترة ثورة على نظام شمولي كليبتوقراطى (Kleptocratic) . باستثناء إشارة سطحية للوثيقة الدستورية وللفترة الانتقالية ، تم تجاهل تام لمطالب الثورة ، كما انه لم تتم الاشارة او الاشادة بتضحيات الثوار البتة. فى اعتقادى ان هذه الورقة كان يمكن ان تقدم فى عام 2018 ، 2015 ‘ 2006.... وليست فى هذه اللحظة الفارقة فى تاريخ البلاد.


الملاحظة الثالثة: منشأ المعضلة الاقتصادية التى تواجهه المرحلة الحالية
تشير الورقة فى أكثر من موقع ان المعضلة الاقتصادية فى الدولة "منشأها اخفاق كل لحكومات السابقة منذ الاستقلال !!! بمعنى آخر انها لا ترى ان المعضلة الاقتصادية التى التى تواجهها حكومة الثورة تكمن فى الدمار الشامل الذى احدثه النظام الاستبدادى الفاسد، وليس تحطيم اجهزة الدولة ، وليس تحطيم المشاريع الوطنية الكبرى (مشروع الجزيرة مثلا) ، وليس الفساد والسرقة وتهريب الاموال ، وليس بناء امبراطوريات اقتصادية عسكرية ، ليست خصخصة مشاريع حكومية ناجحة وبيعها دون قيمتها....إذا كانت المشكلة التى تواجهها حكومة الثورة منشأها عام 1956 ، فان الورقة تقدم "فكره تحليلية" لمعضلة الدولة الاقتصادية لم يأتى بها حتى حزب المؤتمر الوطنى والذى قطعا سيحتضنها مسرورا!!!


الملاحظة الرابعة: المهمة الرئيسية للدولة التنموية فى مفهوم الورقة
"تمثل التنافسية حجر الزاوية فى برنامج واهداف الدولة التنموية ، وتحديد مسئولية الحكومة والقطاع الخاص وكل مكونات المجتمع" (ص 20).
ياللهول:
تحولت فكرة الدول التنموية الى ركيزة اساسية للاقتصاد "النيوليبرالى". اى تنافسية يمكن ان تحدث بدون إحراز تكافؤ للفرص ؟ اى تنافسية بدون القضاء على الفقر؟ اى تنافسية بدون القضاء على 40% من الامية وسط السكان؟ اى تنافسية والملايين يعيشون فى تشرد ويعانون من ويلات الحرب وآثارها؟ اى تنافسية مع بطالة واسعة خصوصا وسط النساء والشباب؟ اى تنافسية والدولة والاقتصاد فى حالة حطام كامل؟
المطلوب من د. حريكة وشركاه ان يطرحوا تاطير نظرى جديد اما للدولة التنموية ، او للاقتصاد النيوليبرالى (ما تم طرحه فى الورقة يمكن وصفه بانه محاولة زواج لا يرضى بها أي من الطرفين).

 

الملاحظة الخامسة: تخفيض الانفاق الحكومى
باتباع كاثوليكى لوصفات الليبرالية الحديثة "تدخل حكومى اقل ، قطاع خاص أكثر" ، والمطالبة بتقليص الانفاق الحكومى (وذلك لتحجيم دورها ولتخفيض الضرائب على الاعمال). حقا مدهش ان تطالب الورقة بخفض الانفاق الحكومى (وليس بإعادة هيكلته) !!!. كيف تنادى بتقليص الانفاق الحكومى فى ظل دولة تنموية تسعى لتنمية اقتصادية اجتماعية تنهض بكل الناس وتضعهم فى وضع يمكنهم من تفجير طاقاتهم ، وزيادة قدراتهم وفرصهم وتحقيق خياراتهم. حقا مدهش كذلك ان تقترح الورقة تخفيض الانفاق الحكومى وفى آخرها تدعو على نحو واضح بان التخطيط سيكون دليل الحكومة وتدعو لقيام مجلس اعلى للتخطيط ، والسؤال الملح هنا: لمن تخطط الدولة ، وكيف تسهم فى دعم التخطيط إذا تم تقليص مواردها؟

 

الملاحظة السادسة: اولويات التنمية
"اولويات التنمية فى سودان بعد الثورة هى نفس اولويات التنمية ما قبل الثورة" ، عجبا!!! وكأنما التغيير الذي حدث لا يحدث تغييرا فى التوجه التنموى. وتم حصر الاولويات فى الورقة فى ، اولا: الثبت والتركيز الاقتصادى (سياسات مالية ونقدية)، ثانيا: التحول الهيكلى ، ثالثا: إزالة العوائق والتشوهات ( إجراءات قانونية ، ونظم لمحاربة الفساد)، رابعا: تنمية المهارات وراس المال البشرى.
وهنا نجد الخلط بين الادوات والوسائل والتنظيم وبين غاية واوليات التنمية. اولويات التنمية هى القضاء على الفقر وتطوير القدرات وتعظيم الفرص للسماح للناس باختيار الحياة التى يريدوا ان يعيشوها. الوسائل والنظم والادوات هى لتسهيل الوصول لذلك.
الجدير بالاشارة ان القضاء على الفقر لم توليه الورقة اى اهتمام ضمن الاهداف والسياسات التى تدعو لها ، بالرغم من كون القضاء على الفقر والجوع هما الهدفين رقم (1) و (2) فى اهداف التنمية المستدامة العالمية (2030)، حيث انه تم عرض رسم بيانى لها فى الورقة دون منحها أي اعتبار في التحليل.


الملاحظة السابعة: تحرير التجارة الخارجية
"ستركز رؤيتنا للتجارة الخارجية على تحرير التجارة الخارجية لتحقيق عدد من الاهداف المرتبطة بالتحول الهيكلى مثل زيادة الانتاجية عبر تعريض انتاجنا المحلى للمنافسة الخارجيه وسياسات الابتكار والتعليم" (ص 29).
هذا ما ينادى به فكر اجماع واشنطن والذي لم تنتهجه أي دولة من الدول المتقدمة اقتصاديا فى بداية نهضتها ولا تحافظ عليه حينما يتم تهديد تنافسيتها (ترمب والصين). الانفتاح على السوق العالمى لم يصبح خيارا بل ضرورة ، ولكن لايمكن فتح السوق الداخلى للمنافسة الخارجية دون شروط . تجارب دول شرق اسيا فيها الكثير من مما يمكن تعلمه. ولا مجال للخوض فى ذلك هنا الان. فالانفتاح يجب ان يكون مشروطا بظروف وحاجات الاقتصاد المحلى . وتوفير الحماية والدعم للانتج المحلى يجب ان ترتبطبالتزام المنتجين بزيادة الانتاجية على نحو مستمر. وكذلك يجب توفير الحماية لقوت الشعب من التصدير حيث لا يمكن ان ترتفع الاسعار المحلية لمستوى اسعار الصادر فى بلد مستوى دخل الفرد فيها يساوى 5-10% من دخل الفرد فى الدول التى يتم التصدير اليها.

 

الملاحظة الثامنة: احزمة واقطاب النمو
تم وضع اقتراح بما يسمى احزمة واقطاب النمو يتم تقسيم السودان فيها على مناطق مرتبطه بنوع/انواع معينة من الانشطة الاقتصادية.
اولا: هنالك تغول فى خيارات تقسيم سياسى ليس من شأن المفكر الاقتصادى. ثانيا: الانشطة المقترحة لا تستند على اى معلومات او دراسات ، وانما وليدة ذهن الكاتب فقط. كان يكفي الاشارة الى ضرورة القيام بدراسات تسهم فى وضع خيارات تنموية يختارها سكان الاقاليم وفق فهمهم هم لأولوياتهم واحتياجاتهم.

• قد بكون من المناسب إنھاء ھذه المذكرة باقتباس من اقتصادي أسترالي، قال في عام 2015 : "الليبرالية الجديدة تضع الأسواق والشركات قبل المجتمع والمصلحة العامة. ھذا ھو السبب في أنه بعد 23ً عاما متتالية من النمو الاقتصادي، ھناك شعور واسع الانتشار بأن الاقتصاد یعمل من أجل عدد قلیل من المحظوظين على حساب الكثرة الغالبة.’’

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.