عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

تعاد علينا مرة أخري مسرحية شماعة وجود السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ نوفمبر 1993م كما شهدناها من قبل جنبا إلى جنب مع مسرحية شماعة المقاطعة الاقتصادية منذ أغسطس 1997م. فقد ظلت حكومة العهد البائد تدمن تعليق خيبتها وفشلها الاقتصادي وتغطية فسادها وجرائمها المالية على الشماعتين طوال السنوات الماضية كلما ضاقت بها الكوارث واستحكمت عليها حلقات الفشل الاقتصادي وفاحت منها رائحة الفساد. وهي في حقيقة الأمر (أي شماعات المقاطعة وقائمة الدول الراعية للإرهاب) بضاعة نعتقد أنها كانت تخص سلطة الإنقاذ الفاسدة لوحدها قبل وبعد ثورة ديسمبر 2019م الخالدة لا ناقة للشعب السوداني فيها ولا جمل. فإذا كانت المقاطعة الاقتصادية وقائمة الدول الراعية للإرهاب تمثلان لمجرمي السلطة البائدة عقبة عطلت كثير من مصالحهم الضيقة (وانعكست آثارها السلبية على الشعب كما كانوا يدَّعون) فهم لوحدهم الذين دفعوا البلاد إلى أسبابها ومسالكها بتبنيهم مشروع وهمي متصادم مع حقائق الحياة (لا يمت لواقع البلاد وثقافة الشعب بصلة) فهم وحدهم الذين يتحملون نتائجها أمام الشعب وأمام العالم والإنسانية جمعاء.
ولكن هل كانت المقاطعة الاقتصادية وقائمة الدول الراعية للإرهاب سببا في تردي الأحوال الاقتصادية وفي عزلة البنوك السودانية عن النظام المصرفي العالمي كما كان يحاول أذيال النظام البائد وأبواقه الفارغة تمريره على الناس؟
فالعقوبات الاقتصادية التي تم فرضها على السودان في أغسطس 1997م قد تم الغائها في أكتوبر 2017م من قبل السلطات الأمريكية ورغم ذلك ظلت البنوك السودانية إلى يومنا هذا في عزلتها، وظلت خزائنها خالية من النقد الأجنبي، وواصل الاقتصاد السوداني مسيرة التدهور المستمر وبشكل متسارع يتهدده الفشل التام والسقوط الوشيك في الهاوية. يحدث ذلك برغم حملات التكبير والتهليل التي ملأت بها أبواق السلطة البائدة الدنيا أكاذيبا وضجيجا إعلاميا غير مسبوقا يبشِّر الناس زورا بأن السودان سيصبح وكأنه أحد الدول العظمي بين ليلة وضحاها بمجرد إلغائها. وعندما تكشفت أكاذيبها لجأت لشماعة قائمة الدول الراعية للإرهاب مدعية بأن رفع العقوبات الاقتصادية لن يكتمل إلا برفع اسم السودان من تلك القائمة اللعينة للدرجة التي صدَّقت فيها كذبتها وروَّجت لها بنفس حملات الضجيج والتضليل الإعلامي السابقة ولكن دون جدوى.
للأسف الشديد تسير الحكومة الانتقالية بشقيها المدني والعسكري حاليا في نفس الاتجاه وبذات منهج الضجيج الإعلامي والتضليل وتضخيم الأمر وكأن حال الاقتصاد السوداني لن يتعافى أو يقف علي رجليه إلا برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وأن أموال الدنيا وكنوزها ستتساقط علي السودان كأمطار الخريف، وأن تدفق العملات الصعبة سيفوق سعة كل خزائن القطاع المالي والمصرفي السوداني، وأن سعر صرف الدولار وغيره من العملات الصعبة مقابل العملة الوطنية سيهوي لمستويات يتساوى أو يقل فيها عن سعر الصرف الرسمي وتختفي بناءً علي ذلك أنشطة السوق الموازي وترتفع القوة الشرائية للجنيه وتتدفق الاستثمارات الأجنبية من كل الدول ويزيد الإنتاج ويصل الاقتصاد مرحلة التوازن ويختفي التضخم دون رجعة وينعم الشعب بالرخاء والرفاهية. بل وتتمادي السلطة الانتقالية بشقيها المدني والعسكري في الشروع للخضوع لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين، وللبيت الأبيض متباهية باستعدادها لتبديد ما يزيد عن 300 مليون دولار أو أكثر من موارد الشعب في سبيل ذلك دون وجه حق ودون أن يكون الشعب السوداني طرفا في جرائم الإرهاب التي ارتكبها النظام البائد مدفوعة في ذلك بدعم مستشاريها الاقتصاديين وبقايا النظام البائد في وزارة المالية وبنك السودان وكل وزارات ومؤسسات القطاع الاقتصادي والمالي والقانوني والدبلوماسي، وأيضا بدعم طفيلية الإنقاذ وتجار المؤتمر الوطني وحلفائهم القدامى والجدد بجانب تجار الحرب وطفيلية القوات النظامية وعلي رأسهم جنرالات المكون العسكري.
وسيدرك السودانيون سريعا وخلال فترة وجيزة جدا بعد نجاح السلطة السيادية والتنفيذية الانتقالية في رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب بأن الأمر لم يكن إلا مجرد شماعة كسابقتها وأن الأحوال الاقتصادية قد ازدادت سوءا، وتكاليف المعيشة وقد أصبحت جحيما لا يطاق. ووقتها سيكتشف السودانيون الثمن الباهظ الذي دفعته الحكومة في سبيل تحقيق ذلك، والتفريط المخزي في السيادة الوطنية وتسليم إدارة أمور البلاد الاقتصادية لصندوق النقد الدولي ومستشاريه. وسيكتشف أيضا أن المستفيد الوحيد من كل ذلك هم طفيلية الإنقاذ بشقيهم المدني والعسكري المتحكمة حاليا في كل الأمور الاقتصادية عبر شبكتها العنكبوتية في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية. فالحقائق المرة التي يجب أن يعرفها الجميع أن المقاطعة الاقتصادية سابقا ووجود اسم السودان حاليا ضمن القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب (إيران، كوريا الشمالية، سوريا، السودان) بريئتان براءة الذئب من دم يوسف برغم آثارهما المعروفة في بعض الجوانب ولكنهما لا يمثلان السبب الرئيسي والجوهري لتدهور الاقتصاد السوداني وفشل القطاع المالي والمصرفي وانهيار قيمة الجنيه السوداني. وتتمثل هذه الحقائق في أن العزلة شبه الكاملة التي يعيشها القطاع المالي والمصرفي السوداني وخاصة البنوك التجارية عن النظام المالي الإقليمي والعالمي وخاصة البنوك الإقليمية والعالمية تنبع من الآتي:
أولا: أن القطاع المالي والمصرفي المحلي قد أغدق في براثن الفشل الذريع نتيجة لسياسة التمكين وخصخصة بنوك القطاع العام لصالح طفيلية الإنقاذ وحلفائهم من الحركة الإسلامية العالمية والتخلص من الكفاءات الوطنية وتفشي واستباحة وسرقة ودائع البنوك وتسخيرها لتمويل طفيلية الإنقاذ وحلفائهم من الرأسمالية التي تعاملت معهم واستفادت منهم، وأيضا لضعف وفشل السلطة الرقابية ممثلة في بنك السودان المركزي والذي شمله التمكين بشكل سافر جدا خاصة في الوظائف القيادية والوسطية وأصبح بكل سياساته وتعليماته مسخرا بالكامل لخدمة مصالح الطبقة الحاكمة.
ثانيا: أن السياسات الاقتصادية الخاطئة للنظام البائد المتمثلة في التمكين وخصخصة الشركات العامة التي كانت تمثل موردا رئيسيا للنقد الأجنبي كمؤسسة الأقطان، شركة الصمغ العربي، شركة الحبوب الزيتية وغيرها. بالإضافة للشركات والمؤسسات الخدمية التي كانت تمثل أيضا موردا هاما للنقد الأجنبي كقطاع الاتصالات، الطيران المدني، هيئة الموانئ البحرية، الخطوط البحرية السودانية وغيرها بالتضافر مع إهمال القطاعات الإنتاجية وإحاطة عملية الصادرات بسلسلة أخطبوطية معقدة من الرسوم والأتوات والإجراءات وشبكات الفساد الإداري في كل الأجهزة المرتبطة بعمليات الصادر قد أسهمت كلها في تجفيف خزائن البنوك السودانية من النقد الأجنبي في الداخل والخارج خاصة لدي شبكة مراسليها بالخارج وبالتالي فقدت مصداقيتها عالميا نتيجة لانعدام أرصدتها من العملات الصعبة في البنوك المراسلة لها بالخارج للدرجة التي أصبحت معها لا تستطيع تغطية قيمة الاعتمادات المستندية أو الحُوالات المصرفية الصادرة عنها وأصبحت مصنفة لدي الكثير من تلك البنوك كحسابات رديئة أو معدومة. بل وقد أصبح بعضها مطالبا بكم طائل من العملات الصعبة وأصبحت حساباتها المفتوحة في البنوك المراسلة بالخارج تشكل عبئا ثقيلا على تلك البنوك الأجنبية المراسلة اضطرت معه الكثير من تلك البنوك اغلاق هذه الحسابات الرديئة والتخلص منها لإيقاف نزيف المصروفات والخسائر التي تتحملها نتيجة إدارتها والتعامل معها. وللأسف وبرغم سقوط النظام البائد فلا يزال هذا الوضع قائما وتجد معظم البنوك التجارية المحلية صعوبة شديدة جدا في الحصول على مراسلين نتيجة لعدم امتلاكها للعملات الصعبة لتغذي حساباتها في الخارج وتكون قادرة للتعامل مع شبكة البنوك الإقليمية والعالمية وهذه هي الحقيقة التي يجب أن يعرفها كل الناس دون أن تنطلي عليهم فريِّة القوي التي تروج لذلك في محاولة منها لإخفاء حقائق واقع الجهاز المصرفي الكارثي. فمن المعروف أن أهم وسائل الدفع في التجارة الخارجية تتم إما بموجب الاعتمادات المستندية أو بموجب خطابات الضمان أو بالحوالات المصرفية ولذلك يقوم كل بنك بتكوين شبكة من البنوك المراسلة له في كل بلد من البلدان الأخرى بموجب اتفاقية يتم بموجبها فتح حساب يتم تغذيته بحد مقبول من العملات الصعبة ليقوم البنك المراسل بقوة هذه العملات الصعبة سداد قيمة الاعتمادات المستندية أو الحوالات المصرفية أو خطابات الضمان الصادرة من البنك المحلي أو تعزيز الاعتمادات الصادرة عنه. فعندما يقوم شخص بتحويل 100 دولار للسعودية أو بريطانيا مثلا عن طريق بنك محلي لا يتم وضع نفس ورقة ال 100 دولار في ظرف وإرسالها (بالبريد الجوي) ولكن يتم تقييدها في حساب المراسل في البنك المحلي المرسل وخصمها لصالح المستفيد من حساب البنك المحلي في البنك المراسل له بالسعودية أو لندن. وبالتالي عندما يكون حساب البنك المحلي خاليا ولا تكون له حسابات بالعملة الصعبة في بنوك خارجية أخري لتغطية قيمة الحوالة فمن البديهي الا يستطيع البنك المراسل تنفيذ الحوالة. وهذا هو ما يحدث على أرض الواقع وليس للأمر أي علاقة بالعقوبات الاقتصادية سابقا أو بقائمة الدول الراعية للإرهاب حاليا.
ولتبسيط العملية ففي حالة الاعتماد المستندي يقوم المستورد السوداني بطلب فتح اعتماد من بنك فيصل مثلا وبناءً علي ذلك يقوم بنك فيصل بإصدار اعتماد مستندي (عبارة عن خطاب محدد فيه مواصفات البضاعة المراد استيرادها والمستندات المطلوبة التي يتم الدفع للمصدِّر أو المستفيد أو البائع بموجبها وتتمثل في الفاتورة وشهادة المنشأ وبوليصة الشحن وشهادة الفحص وقائمة التعبئة وغيرها من المستندات) وذلك عبر البنك المراسل لبنك فيصل في السعودية مثلا حيث يتعهد فيها بنك فيصل بسداد قيمة الاعتماد عند تقديم المستندات المطلوبة بعد فحصها والتأكد من صحتها. ثم يقوم البنك المراسل في السعودية بإضافة تعزيزه للاعتماد إذا طلب منه بنك فيصل ذلك وكان رصيد حساب بنك فيصل طرفه يغطي قيمة الاعتماد. ويقوم من جانبه بإصدار تعزيز للاعتماد مقابل عمولة متفق عليها أي تعهدا إضافيا من جانبه بالسداد نيابة عن بنك فيصل في حالة تقديم المستندات المطلوبة ويقوم بإخطار المستفيد عن طريق البنك الخاص به الذي حدده مسبقا في الفاتورة المبدئية التي سبق وأن أرسلها للمستورد السوداني قبل إصدار الأخير للاعتماد المستندي. أما إذا كان رصيد حساب بنك فيصل في البنك السعودي مثلا لا يغطي قيمة الاعتماد فلن يضيف تعزيزه للاعتماد ويكتفي فقط بإخطار المستفيد عن طريق بنك المستفيد بخطاب الاعتماد دون أي تعهد من جانبه بالسداد ويصبح بالتالي خطاب الاعتماد غير معزز ولكنه (أي البنك السعودي المراسل) سيفقد مصداقيته أمام بنك المستفيد مستقبلا إذا لم يقوم بنك فيصل بسداد قيمة المستندات خاصة إذا تكررت العملية لأكثر من مرة مما يضطر البنك السعودي المراسل لبنك فيصل مستقبلا إغلاق حساب الأخير حفاظا علي سمعته ومطالبته بسداد أي اعتمادات سابقة قام بتغطيتها نيابة عنه مضافا إليها عمولته ومصروفاته وتظهر هذه المبالغ عادة في ميزانية البنك السعودي في جانب الأصول. وكلما طالت مدة تأخير بنك فيصل عن سداد هذه المبالغ كلما تكبد البنك السعودي خسائر مقابلها فإذا بلغت مدة التأخير 91 يوم يصنف الحساب كحساب (دون المستوي) ويتم تكوين مخصص له (أي مخصص ديون مشكوك في تحصيلها لمقابلة الخسارة المحتملة) بحوالي 20% من قيمة المبلغ المستحق تخصم مباشرة من أرباح البنك السعودي المراسل في قائمة الأرباح والخسائر. وإذا بلغت مدة التأخير 181 يوم يتم تصنيف الحساب تصنيف أسوأ كديون (مشكوك في تحصيلها) وتزيد نسبة المخصص عليه إلى 50% من قيمة المبلغ المستحق، أما إذا تجاوزت مدة التأخير حاجز ال 271 يوم يتم تصنيفه كحساب رديء ويؤخذ عليه مخصص 100% (أي يصبح المبلغ المستحق على بنك فيصل كله خسارة تخصم بالكامل في قائمة الأرباح والخسائر الخاصة بالبنك السعودي). ويتم عادة الوصول لقرار إغلاق الحساب عندما يقوم البنك السعودي المراسل باعتبار مستحقاته طرف بنك فيصل كديون معدومة يضطر لشطبها من حساباته بشكل نهائي ويتم تقييدها في قائمة الأرباح والخسائر كخسارة بالكامل وتختفي نهائيا من حسابات البنك المراسل ويصنف بنك فيصل في القائمة المحظورة للبنك المراسل السعودي بسبب التاريخ السيئ للتعامل.
وعادة ما يتم التعامل التجاري الدولي بين بنوك الدول المحترمة ذات الاقتصاديات المستقرة بموجب اعتمادات مستندية لا تحتاج لتعزيز كما يحدث على سبيل المثال بين دول الخليج ودول الإتحاد الأوروبي وأمريكا واليابان والصين وغيرها نتيجة للثقة المتبادلة ولنشاط شبكات البنوك المراسلة بينها ونشاط حركة حسابات كل منها طرف الآخر بالعملات الصعبة. وقد كان السودان أيام عهده الزاهر كذلك في تعاملاته مع البنوك الأجنبية حتى قبل ليلة الانقلاب الغاشم لطغمة الإنقاذ الفاسدة في يونيو 1989م. ولكن في الوقت الحالي قد بلغت أصول البنوك السودانية في الخارج كما في يونيو 2020م حوالي 51 مليار جنيه سوداني ما يعادل 935 مليون دولار حسب بيانات اﻟﻤﻴﺰاﻧﻴﺔ اﻟﻤﻮﺣﺪة ﻟﻠﺒﻨﻮك اﻟﺘﺠﺎرﻳﺔ، يونيو 2020م، (مجلة العرض الاقتصادي والمالي، موقع بنك السودان المركزي، جدول رقم (13 A)، صفحة 26). وهو مبلغ يمثل 10% فقط من قيمة فاتورة الاستيراد البالغة 9.2 مليار دولار. أي أن 90% من قيمة فاتورة الاستيراد يتم تمويلها من السوق الموازي خارج نطاق الجهاز المصرفي. في حين أن صافي أصول البنوك التجارية بلغت سالب (366 مليار جنيه) ما يعادل (6.6 مليار دولار) أي أن البنوك السودانية مجتمعة مطلوبة 6.6 مليار دولار لبنوك بالخارج وأن أصولها الخارجية بما فيها حساباتها لدي المراسلين الخارجيين لا تغطي قيمة التزاماتها في الخارج وهذا لوحده يعتبر سبب كافي جدا لعزوف البنوك الخارجية للتعامل مع البنوك السودانية نهائيا لأنها بكل بساطة بنوك مفلسة وأصولها الخارجية لا تغطي التزاماتها الخارجية.
هذا التدهور في أرصدة حسابات البنوك السودانية في شبكة البنوك المراسلة بالخارج بدأ منذ زمن مبكر من عمر الإنقاذ خاصة خلال التسعينات نتيجة للفساد الشامل الممنهج الذي ضرب القطاع المصرفي، وانهيار الاقتصاد الوطني نتيجة تراكم الدين الداخلي والخارجي وتدهور القطاعات الإنتاجية والخدمية والتمكين وخصخصة مؤسسات القطاع العام ونهبها وزيادة معدلات الإنفاق علي الأمن والحرب والأجهزة الحكومية المترهلة وتراجع الصادرات لمستويات غير مسبوقة مقابل تزايد معدلات الاستيراد وزيادة معدلات التضخم وانهيار قيمة الجنيه السوداني والفساد وغيرها من الجرائم الاقتصادية. ونتيجة لكل ذلك فقد تفشت خلال تلك الفترة ظاهرة شركات الوساطة المملوكة لمنتسبي سلطة الإنقاذ في الخارج التي كانت تقوم بتعزيز الاعتمادات الصادرة من البنوك المحلية عن طريق حساباتها الخاصة في البنوك الخارجية المكتنزة بما تم نهبه من أموال الشعب مقابل عمولات وصفقات لا طائل لها أسهمت بشكل مباشر في رفع تكلفة الواردات وارتفاع أسعار السلع الأساسية المستوردة للمواطن وفي نفس الوقت ضاعفت من ثروات أصحاب هذه الشركات. ومع استمرار مسلسل التدهور الاقتصادي وزيادة معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية امتنعت تلك الشركات المذكورة عن تعزيز الاعتمادات المستندية كما كانت تفعل لأنها أصبحت تجارة كاسدة بالنسبة لها. فلم يعد بمقدور البنوك السودانية فتح اعتمادات أصلا نسبة لاعتماد بنك السودان لكل وسائل الدفع بما في ذلك الدفع بدون تحويل القيمة، فأصبحت تفضل الاحتفاظ بأموالها بالعملات الصعبة في الخارج في شكل ودائع لدي البنوك الخارجية أو استثمارها في مشاريع عقارية في ماليزيا وتركيا وبعض دول الخليج وغيرها من البلدان، فضلا عن تجارة العملة وسط المغتربين، ونشاط السمسرة لدي البنوك الخليجية خاصة بنوك الأوفشور لتمويل استيراد السلع الاستراتيجية بما فيها القمح والبترول عبر صفقات يتم ترتيبها في الخارج عن طريق شركات الوساطة تلك مقابل عمولات لا أنزل الله لها من سلطان.
ثالثا: أحد الأسباب الأخرى التي ساعدت في عزلة البنوك السودانية عن نظيرتها في الخارج هو خروج البنوك الأجنبية التقليدية منذ زمن مبكر عن السودان نتيجة لإعلان النظام المصرفي الإسلامي كنظام وحيد خاصة بعد انفصال جنوب السودان حيث ألغي النظام المصرفي المزدوج بشكل نهائي. فقد سبق وأن خرجت البنوك العالمية الكبرى التي كانت تعمل في السودان مباشرة بعد سياسات التأميم والمصادرة الخاطئة التي طبقها نظام مايو بداية السبعينات. ولكنها سرعان ما عادت مع سياسة الانفتاح الاقتصادي والتوجه نحو الغرب لنظام مايو بعد عام 1971م كبنك أبوظبي الوطني الذي عاد عام 1976م، بنك التجارة والاعتماد الدولي عام 1976م، وسيتي بنك عام 1978م. ثم خرجت هذه البنوك مرة أخري قبيل وبعد إلغاء العمل بنظام سعر الفائدة وأسلمة النظام المصرفي وإعلان قوانين سبتمبر 1983م وصدور قانون المعاملات المدنية لعام 1984م. وبالتالي لن تعود هذه البنوك وغيرها من البنوك التقليدية للعمل في السودان وفقا لقوانين النظام المالي والمصرفي الإسلامي المعمول به حاليا ما لم يتم تعديله ليستوعب النظام المصرفي التقليدي الذي هو النظام الأوسع انتشارا في العالم من حيث حجم الأصول وحجم التداول في عقود سوق رأس المال قصير الأجل بين البنوك وغيرها من المؤسسات المالية والصناديق الاستثمارية والسيادية علي مستوي العالم والذي يتجاوز 16 تريليون دولار أمريكي يوميا (راجع موقع: إنفستوبيدا متوفر علي الرابط https://www.investopedia.com/terms/i/imm.asp تم الدخول في 25 سبتمبر 2020م).
رابعا: هذا الواقع الذي يعيشه القطاع المالي والمصرفي السوداني هو السبب الرئيسي أيضا في توقف الاستثمارات الأجنبية خاصة من دول الاتحاد الأوروبي والبلدان الغربية عموما بما فيها أمريكا خاصة بعد إلغاء العقوبات الاقتصادية عام 2017م والتي تعتمد بشكل رئيسي علي النظام المصرفي التقليدي في كل عملياتها الاستثمارية وأن التعاملات الإسلامية لبعض بنوكها التقليدية تتم عبر نوافذ محدودة جدا لا تمثل شيئا بالنسبة لمجمل تعاملاتها المالية والاستثمارية والمصرفية.
وبالتالي فإن الصورة الوردية التي تروِج لها وترسمها الحكومة الانتقالية بشقيها المدني والعسكري والتضخيم الإعلامي الذي يستصحب ذلك ويجعل الحكومة مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة بل ودفع مبالغ طائلة في سبيل ذلك (برغم أن الوثيقة الموقعة في هذا الشأن حسب تصريح السيد وزير العدل سابقا تنص علي أن السودان ليس له مسئولية قانونية في حادثة المدمرة كول) لن تتحقق وسيدرك الناس عاجلا بأن الأسباب الحقيقية لتدهور الحالة الاقتصادية هي أسباب داخلية لا علاقة لها بقائمة الدول الراعية للإرهاب وأن انتشال البلاد من هذه الحالة الاقتصادية المتدهورة لا يتم بصكوك الغفران الممنوحة من البيت الأبيض أو القروض المشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين أو من أي جهة خارجية وأن الحل موجود بالداخل اعتمادا علي الخيارات الوطنية المعروفة للجميع والتي توصلت إليها قوي الثورة ونصَّت عليها في برنامج السياسات البديلة الذي تم تسليمه للحكومة الانتقالية من أكتوبر 2019م. وسيكتشف السودانيون أن الذين يلهثون ويسيل لعابهم لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بأي ثمن وبأي تبعات هم طفيلية النظام البائد بشقيها العسكري والمدني وحلفائهم القدامى والجدد وأنهم في حقيقة الأمر ينتظرون الاستفادة من دخول الشركات الأمريكية تحديد للسوق السوداني ويتطلعون للحصول علي توكيلاتها التجارية في مختلف المجالات. وليس ببعيد أن تشهد أسواق العاصمة المثلثة قريبا بعد تمزيق قائمة الدول الراعية للإرهاب محلات ماكدونالدز وكنتاكي وتشيلسي بعلاماتها التجارية المعروفة وغيرها من العلامات التجارية الأمريكية المعروفة ترفرف في سماء الخرطوم.

//////////////////////////////////