فيروس كوفيد 19 الذي اجتاح العالم من مدينة ووهان الصينية كعاصفة هوجاء عابرة للقارات، ما زال صداها وبدايات موجتها الثانية تدق أبواب بعض الدول الأوربية بكل عنف. ما لم يتطرق له الكثيرون عن طبيعة هذا الفيروس، هو انه في أغلب الأحيان ينتقي من يقتل بعناية، خاصة المسنين وأصحاب البشرة غير البيضاء ومن أصول مهاجرة وذوي الدخل المحدود والفقراء، مثلما شاهدنا في بريطانيا وأمريكا علي وجه الخصوص. بوادر الموجة الثانية سارعت وتيرة الحاجة وحفزت الشركات لانتاج لقاح يحمي البشر في الشهور القادمة. لكن هنالك اسئلة جوهرية لابد من طرحها خاصة وسط مواطني الدول متوسطة وضعيفة الدخل. كم من الوقت يستغرق انتاج مئات الملايين بل مليارات الجرعات حتي تصل لمواطني هذه الدول؟ ومن الذي يكون بيده توزيع اللقاح؟ وهل تكون الأولوية للأشخاص الأكثر عرضة والدول الأكثر حوجة، أم للدول المنتجة والأكثر ثراءً؟

في خضم هذا السباق وصلت خمس شركات في الدل الغنية التي يقودها البحث العلمي والمعرفة وأسست شركات أدوية عملاقة مرحلة التجارب السريرية الأخيرة. وبدأت تتأهب لعرض نتائج تجاربها للمؤسسات العلمية للتحقق من سلامة انتائجها للترخيص والتوزيع بنهاية العام. بالطبع تسعي هذه الشركات في الحصول علي الأرباح الطائلة ورفع أسهمها في أسواق الأوراق المالية العالمية لتبطبين جيوب مساهميها بالمال.

لقاح أكسفورد، بريطانيا
تم ابتكاره في جامعة أكسفورد وبدأت تجاربه بالتعاون مع شركة أسترازينيكا (البريطانية السويدية) لإنتاجه. أجريت التجارب السريرية الأخيرة في بريطانيا وجنوب أفريقيا والبرازيل ويتوقع التصديق علي اللقاح بنهاية هذا العام. طلبت بريطانيا 100 مليون جرعة وأمريكا 300 مليون بواقع 4 دولار أمريكي للجرعة الواحدة. وبالطبع سوف تحصل جنوب افريقيا والبرازيل علي اللقاح لمشاركتهما في التجارب.

لقاح موديرنا، أمريكا
يختلف هذا اللقاح في تركيبه الجزيئي عن لقاح أكسفورد ويعطي في جرعتين. استقطبت الشركة حوالي 20 ألف متطوع للتجارب السريرية للجرعة الأولي و10 ألف متطوع لتجارب الجرعة الثانية، و يتوقع ظهور نتائج كل التجارب السريرية بنهاية العام الحالي. طلبت أمريكا 100 مليون جرعة بسعر تفضيلي بواقع دولار ونصف للجرعة الواحدة، أما السعر الذي أعلنته الشركة للجرعتين يتراوح بين 32-37 دولار.

لقاح بيونتيك، ألمانيا
هذا اللقاح ينتج بالتعاون مع شركة فايزر الأمريكية، والآن في مرحلة استقطاب 30 ألف متطوع أمريكي للتجارب السريرية الأخيرة بنهاية هذا الشهر، لكن هذه االشركة لديها لقاح آخر جاهز للاستخدام وفي مرحلة الحصول علي الترخيص بنهاية العام الحالي. طلبت بريطانيا 30 مليون جرعة كما طلبت أمريكا 100 مليون جرعة بواقع 20 دولار للجرعة الواحدة.

لقاح سبوتنيك-5 ، معهد جماليا للبحوث، روسيا
أعلن الرئيس الروسي بوتين الشهر الماضي أن معهد جماليا للبحوث بالتعاون مع وزارة الدفاع بصدد انتاج مليار جرعة من اللقاح الروسي ستكون جاهزة قريباً. وفي الاسبوع الثاني من سبتمبر أعلنت وكالة تاس أن الدفعة الأولي من اللقاح بدأ استخدامها للمدنيين في القطاعات الرئيسية. نشرت بعض نتائج التجارب السريرية للقاح الروسي في دورية لانسيت العلمية البريطانية وقوبلت بانتقاد، لسبب أن طريقة تجاربها السريرية لم تتبع المعايير العلمية الصارمة. طلبت المكسيك 32 مليون جرعة والهند 100 مليون جرعة وكازاخستان 2 مليون جرعة، وللآن لم يعلن عن سعر الجرعة الواحدة.

لقاح سينوفاك بيوتيك، الصين
بدأت الصين التجارب الأولية في عدة لقاحات، لكن أقربها للانتاج لقاح شركة سينوفاك التي اجرت التجارب الأولية علي 750 متطوع وأظهرت نتائج جيدة. كما بدأت التجارب السريرية الأخيرة في اندونيسيا والبرازيل ولكن السلطات الصينية وافقت علي الأستخدام الإضطراري المحدود للقاح. طلبت أندونيسيا 40 مليون جرعة، لكن حتي الآن لم يعلن عن سعر الجرعة الواحدة.

في خضم هذا السباق لإنتاج اللقاح والتبعات الصحية والإقتصادية والإجتماعية التي خلفها هذا الفيروس يزداد التنافس حدة كل يوم بين الشركات والدول، وبين قطاعات السكان داخل الدولة الواحدة. بالطبع الدول التي استثمرت في البحث العلمي وإنشاء الشركات العملاقة يكون لها الأولوية في الحصول علي اللقاح وتطعيم سكانها. تخشي منظمة الصحة العالمية من سيطرة الدول المنتجة علي توزيع اللقاح وبالتالي يكون بمقدورها أن تحرم بعض الدول لأسباب سياسية أو مالية وهكذا يموت الأشخاص الأكثر عرضة للاصابة في الدول الفقيرة.

آلية كوفاكس، منظمة الصحة العالمية
أنشأت منظمة الصحة العالمية آلية كوفاكس التي تهدف للاسراع في انتاج لقاح لكل الدول وذلك بدعم البحث العلمي والتصنيع وشراء وتوزيع 2 مليار جرعة بعدالة بنهاية عام 2021. توزع الجرعات بنسبة 20% من تعداد سكان الدولة الواحدة في المرحلة الأولي، ثم لكل السكان في المرحلة الثانية. إنضمت لآلية كوفاكس 156 دولة، يقطنها 64% من سكان العالم، من بينها 64 دولة عالية الدخل مثل الاتحاد الأوروبي والباقي 92 دولة متوسطة وضعيفة الدخل. تسعي هذه الآلية للحصول علي 38 مليار دولار ولكنها حصلت حتي الآن علي 3 مليار فقط لتبدأ في تحديد لقاحات مبشرة من مجموع 200 نوع في مرحلة التجارب الأولية او ما قبل السريرية.

رغم الفرح والتفاؤل بقدوم اللقاح في مطلع العام لكن يبقي السؤال الشخصي المهم، أين موقعك من الشركات أعلاه ومن الدول التي توزع اللقاح؟ وهل تستطيع حماية نفسك من الموجة الثانية قبل انتظار لقاح آلية كوفاكس؟ يبقي الأمل لغالبية سكان هذه الأرض في مبادرة منظمة الصحة العالمية التي تسعي للعدالة بين من يملك ومن لا يملك بالرغم من التحدي الذي يواجهها في استقطاب الدعم المالي الكافي والـتأخر في إنتاج اللقاح لعام أو أكثر. ولكن أن يأتي اللقاح متاخراً خير من أن لا يأتي أبداً.
د. أحمد هاشم، أكاديمي وباحث وسكرتير مؤسسة كردفان للتنمية
www.drahmedhashim.com
www.kordofanonline.com

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.