الإصلاح الإقتصادي معنية به وزارات المال والتجارة والصناعة، في حال كان هؤلاء الوزراء مختصين في علوم الاقتصاد والسوق ولهم تجربتهم المعتبرة في المجال، من أمثال الدكتور إبراهيم البدوي وآخرين تضج بهم ساحات البنوك والمنظمات الدولية وبيوت المال العالمية، وهذا الإصلاح لن يتم إلا بمنح الوزير والوزارة المختصة كامل التخويل والصلاحية للعمل في إطار اختصاصه وإختصاصها، وليس كما كان يمارس في العهد البائد وبداية هذا الزمان الثوري من اختلاط للحابل بالنابل، فرئيس الجمهورية المقبورة امتلك بنكاً مركزياً موازياً لبنك السودان في قصره يختزن العملة الصعبة فيه ويكتنز الذهب، وامتاز عهده المباد بتفشي ظاهرة التجنيب التي أظهرت الحكومة السابقة بمظهر السارق لمال الشعب، المجاهر بذلك تحت هذه المسميات (التجنيب) والمزيف لدور الوزارات المختصة والسالب لولايتها على المال العام، وقد شهد عصر الكيزان عدد مهول من المؤتمرات الاقتصادية المشابهة لكنها لم تحل المشكلة.

السيطرة على تدفقات النقد يقوم بها بنك السودان المركزي وقوانينه الصارمة تحصر تداول النقد الأجنبي والمحلي عبر قنواته المعهودة المتمثلة في البنوك والصرافات، وتعتبر تجارة العملة في السوق السوداء من المحرمات في البلدان والدول ذات السيادة والأحترام، حيث لا يصرح ولا يسمح لفرد بأن يتجول وسط الأسواق بحزم وكتل من النقود المحلية والأجنبية يتعامل بها وكأنه بنك متجول، ما يحدث اليوم هو الفوضى بعينها وضياع هيبة وسيادة الدولة بوجود أكثر من رأس لنظام الحكم، ولا يدري الناس لمن تؤول شئون الحكم والتحكم في القرارات المصيرية للبلد، تلاحظ هذا في السياسة الخارجية حيث انقسام الحاكمين حول أطروحة التطبيع مع الكيان الصهيوني، فالإصلاح الاقتصادي لن يكون إلا عبر منظومة حكم منسجمة فيما بين مكوناتها، وهذه المؤتمرات لن تفكك القبضة الحديدية للمؤسسات الأمنية على منظومة الصناعات الدفاعية.
ألإنتاج ومدخلاته وزيادة محصوله لا يحتاج إلى مؤتمرين يقضون النهارات بالليالي يكررون ما قال به فلاسفة الاقتصاد على مر العصور، وإنما يكون بالذهاب إلى مناطق إنتاج الثروة الحيوانية وحل مشكلة الراعي و رعيته و توفير أسباب استقراره حتى يرفد سوق المويلح بالسمين من الخراف والأبقار والإبل، و ترحيل مصانع الألبان والأجبان واللحوم من الكدرو- بحري لتستقر بنيالا وبابنوسة وعد الفرسان حيث قلة تكلفة الإنتاج، وذات الإهتمام يجب أن يذهب للشمالية حيث انتاج القمح وللشرق لتشييد مصانع تعليب الفاكهة وتصديرها، فمشكلتنا الاقتصادية لا تحل من داخل صالات قاعة الصداقة ولا عبر الحديث المرسل والمضخم الذي اعتاد عليه السياسيون، فاقتصاد السودان له مؤسسات قديمة خرّبها العاطلون بجعل أبوابها مشرعة للسماسرة والمرابين وتجار العملة، أوصدوا هذه الأبواب وافتحوا باب الصدق والأمانة تزول وتذوب الأزمة.
ألمحاربون للتجارة الحلال موجودون داخل قاعة المؤتمر القاصد لحل المعضلة المالية، يتلونون مع كل الحكومات وينتهزون الفرص لكسب الشرعية وهم أس الداء وأساس البلاء، إنّهم لا يشبهون وجه هذا المواطن الكادح ولم يعش أحدهم يوماً جائعاً أو راقداً على الرصيف، واجب حكومة الثورة إن أرادت خير شعبها أن تكنس مصاصي دماء الفقراء المنتجين، و تغلق قنوات الفساد المؤسس والموروث منذ العهود الكثيرة المتراكمة والبائدة، ففي عصر الثورة نريد للمنتج الحقيقي أن يقود عمليتي الانتاج والبيع بنفسه وأن لا تكون هنالك شركات هلامية مستهبلة ترمي عليه (تراب القروش) لتأخذ منه منتوجه الرأسمالي العالمي (الصمغ) لتبيعه مقابل العملات الدولارية والأسترلينية، نريد اقتصاداً منصفاً وعادلاً يقوم برفع مستوى عيش المنتج و يسعى لأستقراره وليس ذلك الأقتصاد الذي يصرف على العاطل آكل الفول في أم بدة ويتخلى عن الزارع والراعي المنتج في تمبول والقضارف.
ألمجتمعون من أجل الخروج بتوصيات مكرورة أقول لهم: أنشطة التجارة والزراعة والصناعة ليست بحاجة إلى هذا التضخيم وميادينها معلومة، أنزلوا إلى سوحها وغبّروا أرجلكم مع المزارعين والرعاة وادعموا مدخلات انتاجهم تتفجر الأرض تحت أقدامكم رخاءًا وسخاءًا اقتصادياً لا حدود له، وأما التجار الحقيقيون تجدونهم بأسواق الأبيض والجنينة وبورتسودان ودنقلا، غربلوا السوق العربي والأفرنجي وأم درمان المكدس بالعاطلين الذين يضاربون في السكر والشاي والصابون والدواء وكل السلع الأساسية، فلا يعقل أن تتحول الخرطوم إلى سوق سوداء لا أخلاق تضبطها ولا قوانين تردعها وتحد من جشع تجارها، وأقصى ما أخشاه أن يصل بها الحال إلى مرحلة إنشاء مراكز لبيع أعضاء ودماء الإنسان، إن لم تعلن في أسواقها الحرب على المرابين والمزايدين و(الكاسرين) للبضائع والمخربين للأقتصاد، وهذه الأزمة المعيشية لا يمكن تجاوزها إلا بتفعيل دور الدواوين الرقابية والمؤسسات الضابطة للجودة الصحية والمحددة للمنفعة التجارية للسلعة المشتراة والمباعة.
ألمؤتمرات التي تعقدها الحكومات المختنقة بمطالب الشارع و(المزنوقة) بهتاف حرية سلام وعدالة، في الغالب يكسوها ويغطي عورتها التحشيد السياسي المفتعل تماماً مثل العملية المفبركة والمستهدفة لموكب سعادة رئيس الوزراء، وتجيء هذه المؤتمرات الحاشدة كتضميد لجراح السياسيين الذين وجدوا أنفسهم على حين غفلة من الزمان أمام مسؤولية إدارة دولة لا خبرة سابقة لهم بها، ومثل هذا المؤتمر الأقتصادي يذكرني بمؤتمر الحوار الوطني الذي عقده الدكتاتور في آخر أيام عهده، فأتى بالوثيقة الوطنية شبيهة الوثيقة الدستورية التي تحمل سمح القول ويخالفها سوء فعل الموقعين عليها.

إسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
26 سبتمبر 2020