كان لا بد لي من إتخاذ قراري بالفرار!

وطبعاً سيكون هنالك فرق زمني ما بين إتخاذي القرار بالفرار، وقدرتي على تنفيذه بالفرار فعلاً من (صلاح) ذاك الولد الشقي...
من جانب آخر كان من غير الممكن، لي، مناقشة القرار مع كائن من كان، ولا حتى مع زملائي من الأحصنة التي تعمل معي في الزريبة، ولا حتى (الفرس إحسان) التي كنت أميل لها قلبيَّاً، وأكن لها أرقى المشاعر، وأضع لرأيها ألف حساب... وذلك ببساطة لأن الفرار كان حلاً مخجلاً لما أعانيه، وخيانة لا تقبل تأويلاً، ولا يمكن طلاؤها بالرمادي، تجاه العم (عَشْمِيْق)، والد الصبي الشقي (صلاح)، الذي تسببت تصرفاته معي، للقذف بي إلى إن أحرد حياتي الراهنة، واجتهد في استبدالها بحُريَّةٍ كانت تجاربُ جميع من سبقوني من أسلافي إليها تقول أنها مؤدِّية للتهلكة...
كان العم (عَشْمِيْق) رؤوفاً بي، كما هو حاله مع جميع حيوانات الزريبة من حصين، وحمير، وحتى كلاب الحراسة أو تلك التي تدعى حراسةً، والقطط، والبهائم المُلبنة وغير المُلبنة، من معيز وضان، والتي كانت، كلها مجتمعة، تشكل مجتمعنا في الزريبة.
أما أنا، فقد شاءت إرادة عم (عَشْمِيْق)، بعد الإرادة الإلهية، طبعاً، أن يكون مربطي أمام داره العامر وسط جميع أهل الحي، وليس في الزريبة، لأقضي مسآتي هناك بعيداً عن بني جلدتي من الأحصنة والحمير، محروماً من المُؤانسة معهم، ومع الفرس إحسان على وجه الخصوص... وقريباً من ولده الشقي صلاح، الذي كنت أمثل له، على أحسن الفروض، موضوعاً للتسلية، واللهو، والإستعراض أمام بني جلدته من أهل الحي، وأقرانه اليافعين، واليافعات من الأطفال الفضوليين، العابثين...
وكان رقص صلاح من فوق السرج الموضوع على ظهري يؤلمني، وكان يهمزني بكعب حذائه على جانبي بطني، بطريقة تجعلني أتقافز لا إرادياً، وهو يضحك تلك الضحكات اللاهية التي كانت تشي بمدى سروره وغبطته...
المهم، لم يكن هربي ممكنٌ من بين أيدي العم الحنون عَشْمِيْق، وإني لأذكر كيف كان عَشْمِيْق يمسح ظهري بيديه، وهو يقُول دونما يوجه حديثه لأحد:

- الخيلُ، معقودٌ بنواصِيها الخير، إلى يوم القيامة!

ولذلك فقد رأيت أن أهرب من بين يدي صلاح، في اللحظة بين ما يفك حبل التيل، المربوط إلى الوتد الطويل، من أرجلى، وبين محاولاته لإسراجي... وأعتقد أنها كانت أنسب لحظة فعلاً، لأن الفرار من الزريبة كان سينزل وبالاً على الحيوانات الوادعة هناك، ومن شأنه أن يبدل طمأنينتها جحيماً، ويذهب بسكينتها مع الريح، حيثُ سيستبدل سوط (الفرطوق)، بسياط لا تعرف الهزل أو المزاح من العنج الممسوح بالقُطران.
كانت زريبتنا وادعة أيضا كحيواناتها تماماً... ولم يكن بها منقصات سوى رائحة بول وبعر المعيز، مع إن الشمس، اللاهبة، التي كانت تطل الزريبة جل ساعات النهار كانت تخفف من (تلك الرائحة)... وكانت زيارات موظفي المحلية تنزل علينا برداً، وسلاماً، ونظافة حالما يغادروا الزريبة أو قبيل زيارتهم القادمة، وفي مرّةٍ زار الزريبة وفدٌ صغير من إناس مهندمين، بيض البشرة، وتم أعطاؤنا الأدوية، والمعقِّمات، وبدرة القُراد حالما ذهبوا...
ولكن في المساء كنت أتناول، من مربطي أمام دار العم عَشْمِيْق، علفي في نصف برميل مرفوع عن الأرض مسافة المتر ونصف المتر، ولذلك لم يكن بولي وبعري يخالطان وجبة عشائي، ولذلك فقد كنت أحب العشاء أكثر من الوجبات الأخرى، رغم حالة الجوع التي كانت تنتابني خلال النهارات أثناء العمل، أو بعده في الإستراحات المتقطعة خلال اليوم في الزريبة.
وكم كان يؤسفني أن أغادرها، ولكن صلاحاً لم يدع لي فرصة للتفكير مرتين!
ومع ذلك فقد تأجل هربي لأكثر من مرة، ففي مرَّة أشتط بي الغضب وقررت أن أرمي بصلاح من فوق ظهري، وأن أشرع فوراً في الهرب، ولكن صلاحاً، الممسك بلجامي بقوةٍ لم أتحسب لها، أخذ يُدير رأسي يُمنةً ويسرى، إلى أن سقطتُ، أنا ذاتي، على جنبتي اليمنى...
وعندما ذهب عني الغضب رويدا رويداً، أدركت بوضوح أن علي مواجهة (اللِّجام) أيضاً، وليس السرج، وحبل التيل وحدهما...
وفي ذات مرة، أسرَّت لي الفرس إحسان بأنها حامل مني، وأنها تتوقع أن تضع مهرةً، أو مهر خلال بضعةِ أشهرٍ، ووقفت، أنا، في منتصف المسافة بين الإبتهاج بقدوم المولود، وتعثر خطتي للهرب...

- ولكن، في كل الأحوال، كان على إنتظار قُدُوم طفلي من الفرس الحبيبة إحسان.

كان من أسباب تأجيل الفرار، أيضاً، إصابة كاحلي بإلتهاب حاد، عندما داست عليه عجلة الكارو التي يمتلكها العم عَشْمِيْق، وقد حدثت الإصابة بعدما وضعت الفرس إحسان مهرتها الجميلة وردة بأيَّام...
ولكن، وبعد كل هذا الإنتظار الطويل، دنت اللحظة وحان وقت التنفيذ، عندما كان صلاحٌ يحل وثاقي لأجل العرضة والحفل المسائي الراقص من فوق ظهري.
وإلتفت، فجاءةً، للوراء، ورأيت وجه صلاح يعلوه التركيز مع حبل التيل، وقدرت المسافة، فإذا بصلاح في مرمى أرجلي الخلفية، تماما، وهكذا، فقد استجمعت كل قواي، وثبت جسدي كله على قوائمي وضربت وجه صلاح (بالجوز)...
وفي أقل من لمحة، ارتمى صلاحٌ على الأرض، وسالت الدماء على جانب وجهه...
أما أنا فقد وجدت نفسي أجري، بلا هوادة، نحو الخلاء، مخترقاً الشوارع، والبيوت، مخيول الريح في قلب العتامير...
وملأ الغبار المكان، وكنت كلما ألتفت إلى الوراء أجد أن حجم البيوت والمباني يتضاءل ويصغر، وذكرى الزريبة في لمحات وصور تكبر، لا سيما منظر الفرس إحسان وهي تلحس ظهر بنتها وردة لتشيع في أوصالها الهدوء والطمأنينة...
ودارت برأسي ووجداني أطيافٌ من مشاعرٍ، وأحسايسٍ مختلطة، وأنا أرى بأم عيني سور العبوديَّة ينهدم وتنفتح أمامي أبواب الحرية، ولم يكن الخوف، أو الرهبة من بين تلك المشاعر...
وصهلتُ بصوتٍ خُيِّل إلي أنني أسمعه لأول مرة، قبل أن يبتلعني الظلام في الخلاء الفسيح...

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.