تم الاعلان عن وفاة القاضية روث بادر غينسبورغ، عن عمر يناهز 87 عاماً، بعد خدمة امتدت لمدة سبعة وعشرين عاماً في المحكمة العليا الأمريكية. وتعد وفاتها خسارة لحركة الحقوق المدنية والسياسية وعلى وجه الخصوص الحقوق النسائية. فقد كانت حياتها المهنية مثالاً للدفاع عن الحقوق الانسانية والمساهمة في ترسيخها.

وقفت القاضية روث بحزم في مساندة حق المرأة في المساواة مع الرجل في التعليم والأجر المتساوي للعمل المتساوي وتولي المناصب العامة، وعبرت عن ذلك الموقف في قضايا عديدة ساهمت فيها بكتابة الحكم القضائي أو معارضة رأي الأغلبية في بعض الحالات. فقد أبدعت في كتابة الحكم القضائي في قضية تعد نقطة تحول في القانون الأمريكي وهي سابقة (الولايات المتحدة – ضد- فرجينيا 518 U.S. 515 (1996) ) وقضت بإلغاء السياسة التي كان يتبعها أحد المعاهد الحكومية العسكرية المميزة وهو معهد فرجينيا العسكري بقبول الذكور دون الإناث اللواتي كان يعد لهن برنامج تدريبي مختلف. وذهبت إلى أن منع الإناث من دخول المعهد والاستعاضة عن ذلك بإعداد برنامج موازي لهن في كلية أخرى دون أساس واضح وتبرير مقنع يخالف الدستور الأمريكي، حيث أنه يحرم المرأة من التمتع بنفس المهارات التدريبية والامكانيات التي يضمها المعهد والسمعة الأكاديمية والمهنية.
وقفت موقفاً مشابهاً في قضية لودبيتر – ضد- قودبير 550 U.S. 618 (2007) والتي تتلخص وقائعها في لودبيتر رفعت دعوى ضد صاحب العمل مطالبة بالأجر المتساوي مع زملائها استناداً لقانون الحقوق المدنية الأمريكي لسنة 1964. وقد طبق أغلبية القضاة المحكمة العليا قاعدة التقادم على كل حالة دفع بصورة مستقلة، وهي قاعدة تحرم المرأة من رفع الدعوى بعد مرور الزمن حتى ولو لم تكن على علم بحالة التمييز ، وعارضت القاضية روث موقف الأغلبية على أساس أن النساء في كثير من الأحيان لا يعرفن أنهن يحصلن على أجر أقل، وبالتالي من الظلم أن نتوقع منهن القيام بإجراء في وقت كل راتب. ونبهت إلى إحجام النساء في المجالات التي يسيطر عليها الذكور عن تقديم اعتراضات عن طريق رفع دعاوى قضائية على مبالغ صغيرة، واختيارهن بدلاً من ذلك الانتظار حتى يتراكم التباين. ودعت الكونغرس إلى تعديل هذه القاعدة في التشريع بما يسمح للنساء بالمطالبة بالأجر المتساوي دون اعتبار لفترة التقادم، وهو الأمر الذي تم في إدارة الرئيس أوباما بصدور قانون الأجور العادلة لسنة 2009. وكان موقف القاضية روث أحد المواقف الملهمة لصدور القانون.
تبنت القاضية روث معارضة رأي المحكمة العليا في قضية هيرنق – ضد- الولايات المتحدة 555 U.S. 135 (2009) والتي قررت فيها المحكمة أن القاعدة التي تقضي بعدم قبول البينة المتحصل عليها بطريقة غير مشروعة تستثنى منها البينة المتحصل عليها بحسن النية، وذهبت القاضية روث إلى أن منع الحكومة من الاستفادة من الأخطاء، يؤدي إلى الحفاظ على السلامة القضائية واحترام الحقوق المدنية، وأكدت على منع رجال الشرطة من الاستفادة من بينة متحصل عليها بطريقة غير مشروعة من شأنه أن يجعلهم يدفعون ثمناً باهظاً للأخطاء ومن ثم تشجيعهم على أبداء اهتمام بقدر أكبر. وقد ثار الجدل بشأن هذا النوع من البينات في السودان عقب صدور قانون الاثبات لسنة 1983 ضمن حزمة قوانين سبتمبر لسنة 1983 فقد نصت المادة 11 منه على عدم رفض البينة المقبولة لمجرد أنه قد تم الحصول عليها بوسائل غير مشروعة متى ما اطمأنت المحكمة إلى سلامة البينة من الناحية الموضوعية. وانبنى الاعتراض على هذه المادة باعتبارها مخالفة للمعايير التي تبنتها الشريعة الاسلامية في قبول البينة والتي تتطلب على وجه الخصوص أن يتم الحصول على البينة بطريق صحيح. وقد ورد عن عمر بن الخطاب أنه إنه كان يعس ليلة فمر بدار سمع فيها صوتاً فارتاب و تسور، فرأى رجلا عند امرأة وزق خمر فقال: يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته ؟ فقال: لا تعجل يا أمير المؤمنين ! إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث: قال الله تعالى: ولا تجسسوا ، وقد تجسست، وقال: وأتوا البيوت من أبوابها ، وقد تسورت، وقال: إذا دخلتم بيوتا فسلموا ، وما سلمت . فقال: هل عندك من خير إن عفوت عنك ؟ قال: نعم، والله لا أعود . فقال: اذهب فقد عفوت عنك. ويبدو أن الحس العالي بحقوق الانسان والحفاظ على الخصوصية لدى القاضية روث هو الذي دفعها في معارضة حكم الأغلبية في المحكمة في القضية المذكورة
اهتمت القاضية روث باتخاذ موقف متسامح تجاه تفسير القانون الأمريكي على ضوء قواعد القانون الدولي والنظر إلى القواعد القانونية في النظم الأجنبية كقواعد يمكن الاعتماد عليها في تشكيل القواعد الداخلية في الولايات المتحدة. وأخذت بهذه الآراء في بعض القضايا التي فصلت فيها. وتعكس هذه النظرة الروح المتسامحة لقبول الآخر والاستفادة من إيجابياته قبل أن تؤسس لقاعدة اعتمدها القانون الامريكي.
ويمكن النظر لهذه الأحكام من خلال المسيرة الحافلة للقاضية روث في موكب الدفاع عن الحقوق الانسانية. فقد تخرجت من جامعة كورنيل بنيويورك وحصلت على بكالوريوس الآداب، ثم التحقت بجامعة كولومبيا وحصلت منها على شهادة البكالوريوس عام 1959 محتلة المركز الأولى بين رفقائها. ورغم هذا النجاح الأكاديمي إلا أنها لم تجد عروضاً جيدة للعمل. ويرجع كثير من الكتاب ذلك إلى كونها أنثى.
في العام 1961 انضمت لجامعة كلومبيا في مشروع يتعلق بالإجراءات الدولية وانتقلت للسويد حيث أجرت بحوث مكثفة حول مشروعها، وقد الهمتها تلك الفترة كثيراً من رؤاها حول المساواة والحقوق الانسانية. ثم التحقت للعمل بمدرسة روتجرز للقانون عام 1963 وكانت من بين عشرين أستاذة للقانون على مستوى الولايات المتحدة. وشاركت في تأسيس مجلة (مراسل قانون حقوق المرأة) وهي أول مجلة قانونية تستهدف دعم الحقوق النسائية للمرأة، ثم شاركت في تأسيس الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية وأسهمت بدور فاعل في الدفاع عن القضايا التي تتضمن صوراً من التمييز النوعي. وفي العام 1980 تم ترشيحها لشغل مقعد في محكمة الاستئناف الأمريكية لدائرة مقاطعة كولومبيا، وتم تعيينها قاضية في المحكمة العليا عام 1993خلال فترة رئاسة بيل كلينتون، ومن ثم أصبحت السيدة الثانية من بين أربع قاضيات تم قبولهن في تلك المحكمة.
عكست السيدة روث خلال عملها المهني التزاماً صارما بالحقوق الانسانية وعدم التمييز، وحازت على كثير من صور التكريم مثل إدراجها في قاعة مشاهير النساء الوطنية، وحصولها على لقب أحدى أكثر مأئة امراة تأثيراً من عدة مجلات، وحصولها على درجات فخرية من عدد من الجامعات.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.