جل ما يصبو إليه الشعب في الحكومة الأنتقالية تحقيق سيادة حكم القانون علي الجميع بالسوية دون تاثيرات سياسية علي اي قضية مطروحة امام القضاء، لكن هذا لايمنع الراي العام من تداول وأدانة انتهاكات حقوق الإنسان، بل يعتبر هذا المسلك من الوسائل الصحاح في خلق وعي رشيد يعين السلطة القضائية وأجهزتها في تحقيق العدالة.

والتي بالطبع ليس من بينها ان يتم تحوير قضية مجموعة الشباب الفنانين المسرحيين، الذين تضرروا من عنف أفراد الشرطة الغير مبرر، فتحولت قضيتهم من متظلمين الي متهمين، باضافة قضية إزعاج عام بسبب الهتاف ( تسقط بس ) داخل قسم الشرطة!
دون حجة تبرر لماذا إنزعج أفراد شرطة في قسم صغير، من هتاف هو سر الثورة، والماركة المسجلة لجيلها، شعار مطلبي حمل في طياته معني لا للتفاوض، لا للهبوط الناعم، ونعم للعدالة، فصار صرخة ثورية استرعت انتباه العالم، ترجمتها جريدة النيويورك تايمز في تقريرها ( just fall that is all) ) ..
فان كانت الشرطة قد اعتبرته مخالفاً لسلوك وادب المحاكم والأقسام، فهذا يعد كيل بمكيالين! اذ لم نشهد غضبتهم حين ضج المنتسبين للنظام السابق بالتهليل والتكبير في قاعة محاكمة المخلوع البشير واخوته المجرمين، في استهانة واستخفاف بائن بهيبة القضاء والإجراءات القضائية .
بالطبع في دولة المشروع الاسلامي ، تم أدلجت الجيش والشرطة وطالها خراب التمكين الذي طال جميع الدولة، فصارت شرطة دينية، متماهية مع السلطة حرص افرادها علي التدين الشكلي من اللحي وثفنات الصلاة، ألفت آذانهم هتافات التكبير والتهليل في ضرب وقتل المتظاهرين، وحرق القري، وقتل الاطفال بقنابل الانتينوف، واغتصابات النساء في مناطق الحروب، وخلال أجهزة الإعلام والتلفزيون، وخطب الساسة، لذلك الهتاف الثوري مؤرق للضمائر، ويحتاج لاطول من عام واحد في الحكم، لكي يتم العلاج النفسي والمعافاة و التعامل مع شعارات الثورة باحترام وفصلها من تهم الهمز واللمز.
وينبغي التفريق بين الازعاج العام في حكومة الإخوان المسلمين وحكومة الثورة، ففي الأولي حين يقتاد شرطي النظام العام الفتيات والشباب بسيارات الامن الي اقسام الشرطة كانت التهم جاهزه، الجرائم المخلة بالاداب والنظام العام في القانون الجنائي لسنة 1991 وتخصيصاً المواد 151 152و153
( من يأتى في مكان عام فعلاً أو سلوكاً فاضحاً أو مخلاً بالآداب العامة أو يتزيا بزي فاضح أو مخل بالآداب العامة يسبب مضايقة للشعور العام يعاقب بالجلد بما لا يجاوز أربعين جلدة أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً)... وترك تفسير تلك المواد بحسب تقديرات وأمزجة رجل الشرطة والأمن، و بموجب تلك القوانين تمت اهانة النساء بصورة غير مسبوقة.
اما في حكومة الثورة يجب ان لانشاهد صور مشابهة لذلك الاذلال بعد ان قام وزير العدل نصر الدين عبدالباري بالغاء تلك القوانين المشينة، وكان ذلك نصراً عزيزاً لقضايا المرأة .
لا مجال بعده ان يتطاول أي رجل كان، شرطة، أمن، دعم سريع، او سواهم بضرب أمرأة مصادراً لحريتها بقصد تأديبها! مستنداً علي سطوة القانون او الاعراف المجتمعية الذكورية، التي تخطئ المجني عليها قبل عرض قضيتها علي القضاء.
وهذا ما ورد في حيثيات رواية الشابة ( دعاء طارق) من بين مجموعة الشباب الذين تم الحكم عليهم، فلقد تعرضت للضرب والاهانة قبل ان تصل القسم وفي داخله كذلك، حيث صحي الهتاف ثأراً قديماً للشرطة مع اختها ( لدن) التي هتفت ضد الشرطة.
وبسبب ذلك جميعاً تمت مصادرة حقها في التعبير عن قضيتها، معولين علي الهوس الديني الذي يستند علي وصاية موروثة من النظام السابق في الاعتداء علي الحريات الشخصية بمفهوم ( الامر بالمعروف والنهي عن المنكر) واقحام المجتمع باثارة الشبهات و دعاوي الاخلال بالسلامة العامة، في واقع يفتقر فيه المواطنين الي أبسط مقومات السلامة ويرجون حماية الشرطة من الانفلاتات الامنية والمجرمين الذين يروعون أمانهم تحت سمع وبصر الشرطة.
علي التحقيق هذه التجربة تقودنا الي ان المطالبه بالدستور الذي يحفظ حقوق المواطنة بالتساوي بين الرجل والمراة، وسطوة القانون، وهيبة رجل الشرطة نفسه، وحقوق الاقليات، وفيه حياد بين جميع الاديان، ليس ترفاً يتم تداولة لتزجية الوقت، او صرف الجهود عن مشاكل الخبز والوقود والدواء وانما حوجة حتي لا تتنكب الثورة عن جادة طريق مطالبها، بل هو صمام امان لهؤلاء الشباب الحالم بالحداثة والمدنية.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.