نشر البروفسير محمد الحسن ولد لبات النسخة العربية من كتابه: السودان على طريق المصالحة، وثق فيه تجربته كمندوب عن الاتحاد الافريقي للتوسط في المفاوضات بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري عقب سقوط نظام عمر البشير، والتي قادت في نهاية المطاف إلى تسوية سياسية بين الفريقين وإيجاد صيغة للحكم خلال الفترة الانتقالية انبت على الاعلان الدستوري والوثيقة الدستورية. وكانت قد صدرت النسخة الأولى من الكتاب باللغة الفرنسية، عن دار بانيون وهي إحدى الدور العريقة للنشر في فرنسا.

وثق بروفسير لبات لعملية الوساطة الافريقية ودون وقائعها على نحو به شيء من تفصيل، وبذلك وفر مرجعاً أكاديمياً للباحثين والمهتمين، وقدم شهادة رجل عاش في قلب العملية التفاوضية يمكن أن تساهم في إجلاء كثير من أوجه الغموض عن الحدث والوقائع التي جرت في الغرف المغلقة. وأكثر ما يؤوف دراسة تاريخنا السياسي هو الثقافة الشفاهية في رصد الأحداث وتحليلها، مما يجعل كثيراً من تفاصيلها عرضة للسقوط والاختباء في دهاليز النسيان. وفي تقديري أن هذا الكتاب دعوة للذين عايشوا هذه اللحظات من مركز الفاعلية، أن يدلوا بما لديهم ويوثقوا لهذه الفترة الحاسمة في التاريخ السوداني.
أهدى بروفسير لبات كتابه (إلى تلاميذ الأبيض الذين هدرت دماؤهم الطاهرة وأزهقت أرواحهم الزكية في مسيرة سلمية على طريق المصالحة والسلام) في إشارة للطلاب الذين قتلوا أثناء المظاهرات السلمية التي نشبت احتجاجاً على تردي الخدمات في مدينة الأبيض في يوليو 2019 بعد سقوط نظام عمر البشير وتولي المجلس العسكري زمام الحكم. وهو إهداء يشير من طرف خفي إلى المصاعب التي تعترض طريق الانتقال من الحكم العسكري القابض إلى التوافق على طريق سلمي للحكم، ويثمن التضحيات التي قدمها شباب السودان حتى في الأطراف البعيدة عن مركز الثورة مهراً لقضية التطور السلمي للحكم .
قدم للكتاب الرئيس المالي الأسبق عمر كوناري ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي الأسبق. وقد عكست مقدمته الهواجس الافريقية لما تمر به أوضاع الربيع العربي بدراسة حالة السودان نموذجاً، وعبرت عما يجيش بخاطره كسياسي أفريقي من تحليلات للوضع في السودان أكثر مما عبرت عن محتوى الكتاب وتلخيص مضامينه. وركز السيد عمر كوناري على المبدأ الذي تبناه بروفسير لبات وأسماه الديمقراطية التوافقية الجامعة، فيرى أن المجتمعات الافريقية تتضمن تمفصلات عرقية وطائفية وقبلية لن تتوفر على الانسجام إلا من خلال مشاركة الجميع والنأي عن مفهوم (أن من ينال الأغلبية يتولى الحكم، ومن يفقدها لا يبقى له ملجأ سوى المعارضة). وقد أسهمت الصيغة التي وقف إلى جانبها السيد لبات على المستوى القريب، وضمنت في الوثيقة الدستورية في إيقاف نزيف الدماء وفتح الأفق أمام فترة الانتقال، إلا أنه لا يزال الوقت مبكراً للحكم على نجاحها على المدى البعيد. ويبدو من سياق الكتاب أنه يرى أنها لم تكن الأفضل لكنها كانت الأكثر واقعية وتناسباً للمشهد السياسي في تلك اللحظة الفاصلة، فقد أثار في الفصل الأول من الكتاب أسئلة حول شرعية استئثار قوى الحرية والتغيير بالتمثيل المدني وحصر المشهد السياسي على ما اسماه (الثنائي المقدس) وهما المجلس العسكري و قوى الحرية والتغيير، وبرر عدم خوض الوساطة في ذلك بأن المأمورية التي اسندت لها كانت قاصرة وانحصرت في مهمة الدعم بدلاً عن الوساطة والتسهيل المعتاد، وأن أي محاولة من قبله لتعديل بنية العملية ستعد دليلاً على رغبة الاتحاد الافريقي في نسف الهيكلة الثنائية التي اختارها أبرز الفاعلين. ويبدو أن البروفسير لبات كان عملياً في مقاربة هذا الوضع فقد عبر عن عدم قناعته أكثر من مرة في الكتاب بعدم اشراك قوى حقيقية مثل التجمعات الدينية بما فيها القوى المسيحية، إضافة إلى القوى الحاملة للسلاح، ومنظمات المجتمع المدني، وذكر صراحة أنه (لا شك أن عدم إيجاد صيغة مناسبة لاشراك الجهات التي ارتفعت من كل حدب وصوب لضمها للمفاوضات يعد من الأخطاء التي ارتكبها الطرفان السودانيان) إلا أنه في نفس الوقت راى احترام الطرفين المتحاورين والقبول بالصيغة التي ارتضياها، رغم عدم قناعته بها.
من الواضح أن الكتاب قد صيغت كلماته بحب تجاه السودان، استشعر فيه السيد لبات الروابط والخصائص التي جمعت بين الشعبين السوداني والموريتاني، ابتداءً من رحلات الحجيج الشناقطة الذين كانوا يعبرون السودان واستقر بعضهم في في كثير من أنحائه، والترابط الذي جمع بين المتصوفة والعلماء في كل من البلدين، وإسهامات عدد من السودانين من اصول موريتانية في السياسة والاجتماع في السودان وعلى رأسهم السيد محمد صالح الشنقيطي رئيس أول جمعية تشريعية في السودان سنة 1948. وهذه المحبة التي انطوى عليها السيد لبات تجاه السودان هي التي مدت حبال صبره على التفاوض المضني ومحاولة ولوج مداخل جديدة كلما انسد الأفق.
جاء الكتاب في خمس أجزاء رئيسة هي، سياق الوساطة، وإنضاج الوساطة، ومسارات الوساطة، وتحديات المرحلة الانتقالية، وتساؤلات حول المستقبل. وسلط في الجزء الأول ضوءاً على اللحظة التاريخية التي رمت به إلى موقع الحدث، كما عكس فهمه لتعقيدات المشهد السياسي والقوى السياسية والقوى ذات الوزن العسكري الفاعل في تلك اللحظة، والخصائص الشخصية التي ميزت ممثلي القوى السياسية.
منح السيد لبات مساحة أكبر لمحاولاته في تغيير الصورة الشائهة في أذهان السودانيين عن دور الاتحاد الافريقي والذي حسب قوله لم يكن في أذهان الشباب السودانيين سوى (نقابة من رؤساء الدول المتضامنين فيما بينهم والذين لا يلقون بالاً لأهات الشعوب) وقد بذل جهداً لمحاولة تغيير هذه الصورة حتى حاز على ثقة الأطراف ومن ثم بدأت مرحلة إنضاج العملية و التعاون لإنجاح الوساطة.
قدم البروفسير لبات شهادته حول الأحداث التي أدت لفض اعتصام الثوار والتي توقفت على إثرها العملية التفاوضية وجعلت طائر الشؤم يحوم في سماء السودان منذراً بانزلاق خطير نحو شلالات الدماء، ومن ثم تعالت الأصوات للاطاحة بالمجلس العسكري والشروع في تنظيم مقاومة مسلحة. كما أوضح إفاداته عن الخطة التي وضعها والوسائل التي لجأ إليها كوسيط لتجاوز هذه العقبة، وانبنت على ضرورة الاعتراف بقوى الحرية والتغيير من قبل المجلس العسكري لما يمثله سحب الاعتراف من جنحة تمس القيم التي يقوم عليها الكيان الاخلاقي للجيوش. إضافة إلى تشكيل لجنة تحقيق تتوصل للحقيقة عارية وتقود إلى محاكمة المتورطين في المجزرة، ومحاولة اقناع الأطراف بكلفة الخيار العسكري الصرف أو تجاوز القوات المسلحة. وانتهت هذه الخطة باقتناع الفرقاء مرة أخرى بالجلوس إلى طاولة التفاوض الذي قاد أخيراً إلى اتفاق سياسي.
أعتقد أن الكتاب ملئ بالتفاصيل المهمة وجدير بالقراءة والتعليق، ويكفي أنه من المندوب الأفريقي الذي قاد عملية الوساطة
أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.