قلنا في مقالاتنا السابقة أن صحة الإنسان في السودان قضية اجتماعية سياسية وتحتاج لحلول اجتماعية سياسية وليس حلول تقنية فقط. وبهذا الفهم تكون الصحة مسؤولية الجميع، أفراداً ومجتمعات ووزارات وتعليم طبي. ولنبدأ من البداية:

1- مسئولية الفرد في الحفاظ على صحته
يحتاج الرد على هذا السؤال إلى محاضرة وبالفعل لدي محاضرة بهذا العنوان ولكني أجمل القول هنا أن الإنسان هو المسئول الأول عن صحته، فسلوك الفرد هو الذي يحدد صحته وما أصدق الشاعر الحكيم حين قال:

دواؤك فــيك ومــا تشـعر وداؤك مـــنك ولا تـبــصـر
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر

وكما يقول المثل فالعاقل طبيب نفسه. ولا يكاد يوجد مرض ليس له علاقة بالسلوك الإنساني فإذا سألت لماذا يصاب الإنسان بالأمراض التناسلية أو حوادث المرور أو ارتفاع ضغط الدم أو مرض السكري أو بفقر الدم المنجلي أو البلهارسيا لوجدت أن الإجابة مرتبطة بالسلوك. وسؤال آخر هل يكفي لكي يتقي الإنسان مشكلة مرضية أن يعرف أسبابها وطرق الوقاية منها؟ الجواب: لا فالمعرفة وحدها لا تكفي- قد أعرف أن هناك خطراً ما يتهددني ولكني لسبب ما لا أتفاداه وبالتالي فإني لا أستفيد من هذه المعرفة في تغيير اتجاهي وسلوكي. والمثال على ذلك أن الدراسات أثبتت أن المدخنين يعرفون عن مضار التدخين أكثر من غير المدخنين. إذن السلوك هو المحك. حدثني عن سلوكك أحدثك عن صحتك حاضراً ومستقبلاً، سلوكك في طعامك وشرابك وصحوك ومنامك وعاداتك وهواياتك. ففي الغذاء "أنت ما تأكل" (You are what you eat)
7 أشياء تطيل العمر11 سنة (بإذن الله)
لقد توصل الباحث الكندي بللوك من خلال بحث كبير أجراه في العام 1998 أن سبعة أشياء تطيل عمر الإنسان إحدى عشر عاماً (بإذن الله):
1- أول هذه الأشياء تناول وجبة الإفطار بصورة منتظمة وفي وقتها.
2- النوم ليلاً لمدة ثماني ساعات.
3- عدم الأكل بين الوجبات وهو ما سماه الإمام الشافعي "إدخال الطعام على الطعام".
4- المحافظة على الوزن المثالي للجسم.
5- ممارسة الرياضة بصورة منتظمة.
6- الابتعاد المطلق عن التدخين.
7- الابتعاد المطلق عن الكحول.
إذن النمط المعيشي والسلوك هو الذي يحدد صحة الفرد


2- مسئولية الدولة عن صحة الإنسان في السودان
تتضمن مسئولية الدولة عن صحة الإنسان في السودان:
1- الالتزام السياسي الصريح بتحقيق الأهداف – خصوصاً الالتزام بالرعاية الصحية الأولية - وترجمتها إلى حقيقة واقعة.
2- وضع السياسات الصحية كجزء من سياسات التنمية الاجتماعية الاقتصادية الشاملة ورسم الاستراتيجيات الصحية الوطنية أي الخطوط العريضة للعمل المطلوب في جميع القطاعات ذات العلاقة لوضع السياسات موضع التنفيذ ودعم التعاون بين وزارة الصحة والوزارات الأخرى وإنشاء مجلس أعلى لشئون الصحة. وكذلك وضع المعايير وخطط التدريب
3- التوازن في قسمة الموارد البشرية والمادية حسب الاحتياجات وليس بناء على الرغبات. إن الصحة نتاج الاقتصاد العادل الذي توفى فيه حقوق الناس وتتكافأ فيه الفرص ولا يكون فيه أحد تحت ما يسمى "بخط الفقر" أي لا يكون فيه جائع ولا متشرد ولا لاجئ.
4- إن نظرية الدومينو (أحجار النرد) توضح الصلة الوثيقة بين السياسة والصحة فعندما نحرك الحجر الأول بالتغيير الإيجابي في السياسات، يتحرك الحجر الثاني وهو إعادة توزيع الثروة، ومن ثم يحرك الحجر الثالث وهو الانحسار في معدلات الوفاة، ثم الحجر الرابع وهو الانحسار في معدل الولادات وهكذا.
5- إن علينا أن نتذكر أن إنجاز التنمية الاقتصادية لا يكفي للقضاء على الفقر إذا لم يكن هناك قسمة عادلة للدخل والثروة- والدخل لا يعني السيولة أو تغطية نفقات المعيشة بل يتضمن أيضاً الصرف على المرافق الاجتماعية كالتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية الأخرى. وقد وضحنا من قبل تأثير نصيب الفرد من دخل الأسرة على معدل الوفيات.
6- علينا أن نتذكر ونحن نكدس الأموال على السلاح أن الإحصاءات تقول إن تكلفة تسليح وتدريب جندي تكفي لتعليم مائة طفل، ونقول للدول التي تصنع وتصدر لنا السلاح بأن تكلفة إنتاج مقاتلة نفاثة تكفي لإقامة خمسين ألف صيدلية قروية وأن تكلفة إنشاء غواصة نووية تكفي لإنشاء نصف مليون منزل جديد- وهذه دعوة للحد من ميزانيات التسليح لنا وللدول الكبرى التي تتحدث دائماً عن التعاون والتنمية في البلاد التي يسمونها نامية.
3- مسئولية وزارة الصحة عن صحة الإنسان في السودان
وزارة الصحة هي المخطط والمنسق والمنفذ للسياسات الصحية ومن مهامها:
1. توفير الدعم الحقيقي لا الكلامي للرعاية الصحية الأولية الشاملة وتطويرها
2. من واجباتها تفعيل الجودة النوعية وضمان الخدمة المتميزة لجميع المواطنين
3. الاهتمام بالتطوير المهني الوظيفي وتفعيل أي إدارة خاصة لتنمية القوى البشرية إذا كانت موجودة
4. ردم الفجوة بين مقدمي الخدمة والمخططين
5. ردم الفجوة بين وزارة الصحة والجامعات
6. إيقاف الهدر التقني والبشري والعطالة المقنعة في القطاع الصحي
7. تفعيل نظام المحاسبة وتحفيز العاملين في القطاع الصحي
8. إعادة الحياة في تدريب الكوادر الصحية المساعدة لتقليل اعتماد النظام الصحي على الطبيب.
9. توفير الخدمات الصحية للمواطنين بأقرب ما يمكن لمكان سكنهم وبأقل كلفة وتوفير الخدمة بصورة دائمة
10. إعادة النظر في إقامة المستشفيات "خمسة نجوم" لكلفتها الإنشائية والتشغيلية العالية ولكونها تتم على حساب المؤسسات الصحية الأخرى والتركيز على تقديم الخدمات العلاجية الجيدة من خلال المراكز الصحية.
11. دعم الخدمات التعزيزية والوقائية لتطوير صحة المجتمع والاهتمام بالتوعية الصحية لتربية الاعتماد على النفس في الحفاظ على الصحة تحقيقاً لحكمة المثل الصيني المشهور: "إعط رجلاً سمكة وتكون قد كفيته قوت يومه وغداً سيغدو شحاذاً. علم رجلاً كيف يصطاد السمك وتكون قد كفيته قوت عمره وإذا ما أحسنت تعليمه فسينطلق ليعلم الآخرين."
12. الاهتمام بأخلاقيات العمل الطبي ووضع ضوابط للمارسة الطبية وتفعيلها لكيلا تظل حبراً على ورق.
13. ترشيد القطاع الصحي الخاص ليكون مكملاً للقطاع الحكومي ووضع الضوابط لتلا في أي سلبيات.
14. اعتماد وتطبيق السياسات التي تثبط هجرة الأطباء والعاملين في المجال الصحي من الريف إلى المدينة ومن المدينة إلى الخارج واعتماد وتطبيق السياسات التي تحفز الكفاءات المهاجرة المؤهلة من الأطباء وغيرهم للعودة للوطن.
4- مسئولية وزارات التربية والتعليم عن صحة الإنسان في السودان
• العلاقة بين الصحة والتعليم تبادلية فلا تعليم بدون صحة ولا صحة بدون تعليم، وتأثير كل على الآخر معروف وموثق ولذا فالتعليم أكبر رصيد للصحة والعكس. إن التعليم هو أساس التغيير في المستقبل وقديماً. قيل: إذا أردت أن تحدث تغييراً لعام فازرع أرزا أو قمحاً وإذا أردت أن تحدث تغييراً لعشرة أعوام فازرع شجراًً أما إذا أردت أن تحدث تغييراً في مائة عام فعلم الناس
• الناس يتكلمون الآن عن "المدارس المعززة للصحة" والطلاب والمعلمون والمناهج كلها رصيد مؤسسي للعمل في حفظ صحة الطلاب بل صحة المجتمع لأن الطلاب ينتمون للأسر والمجتمعات ويمكنهم التأثير عليها بما يتعلمونه في المدارس وهناك العديد من المناهج الجديدة والأفكار الجيدة التي يمكن تبنيها لإصلاح الوضع الصحي للنشء من خلال التربية والتعليم.
• تعليم البنات والنساء على وجه الخصوص أولوية لأن ذلك ارتبط كما أثبتت الدراسات بانخفاض في معدل الوفيات وتحسناً في الحالة الغذائية للأطفال وانحسارا في معدل الولادات. وما أصدق شاعرنا حين قال:
وإذا النساء نشأن في أمية رضع الرجال جهالة وخمولا
وحافظ ابراهيم حين قال:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق


5- مسئولية كليات الطب ومؤسسات التعليم الطبي عن صحة الإنسان في السودان
لكليات الطب ومؤسسات التعليم الطبي دور بالغ الأهمية تجاه تصحيح الوضع الصحي الراهن في السودان فنحن نحتاج:
1. لطب متميز ومنتمي يخرج لنا أطباء يعرفون مشاكل أهلينا الصحية ومتمكنون من معالجتها- لقد ظللت أردد لسنوات وأنا في لجان المناهج أن أطباءنا يدرسون طباً لا يمارسونه ويمارسون علوماً اجتماعية لا يدرسونها (Doctors study medicine which they don't practice and practice social sciences which they didn't study) لابد من ردم الفجوة بين المناهج الطبية والاحتياجات الحقيقية في الخدمات الصحية.
2. على كليات الطب أن تذكر طلابها أن كلمة "دكتور" وأصلها لاتيني "دوسير" تعني "معلم" حتى يقوموا بهذا الدور توعية للمجتمع الصحيح ولمرضاهم.
3. على كليات الطب أن تغرس القيم والمثل لخدمة الناس لدى طلابها لا التوقعات من دراسة الطب- آن الأوان أن تتغير الأجندة الخفية لدراسة الطب والتي لخصها أحد الزملاء في شمال الوادي في العينات الخمسة "عيادة" "عمارة" "عزبة" "عربية" "عروسة" !
4. على كليات الطب أن تجعل الأبحاث فيها موجهة للدراسات التطبيقية لخدمة المجتمع لا دراسات حب الاستطلاع الأكاديمي أو دراسات ترقية الذات في سلم الأكاديمية.
5. على كليات الطب أن تخصص وقتاً أطول لتدريس أخلاقيات وضوابط المهنة.
6. نريد مساحة أكبر في مناهج كليات الطب للرضاعة الطبيعية والتغذية والملاريا والبلهارسيا والتركيز على الجوانب الوقائية وليس فقط معالجة المرض.
7. نريد تحويل الجامعات إلى أدوات تغيير ((Agents of change ولتكن رسالة الجامعة كما قال بروفيسور النذير دفع الله رحمه الله- "تسخير المعرفة لتشييد صرح الوطن والإسهام في تقدم وسمو الإنسان" وليس"مصانع تعليب" "Canning Factories" كما قال شقيقي البروفيسور عبدالمنعم بلّه رحمه الله.

6- مسئولية الإعلام تجاه حفظ وتعزيز صحة الإنسان في السودان
1. للإعلام مسئولية تجاه حفظ وتعزيز صحة المواطن في السودان
2. الإعلام المسئول هو الذي يضع في أولوياته إرشاد الناس لما ينفعهم ويمسك عنهم ما يضرهم.
3. ما أكثر ما يعرض الآن في أجهزة الإعلام مما يدمر الصحة من دعايات للدخان والألبان الصناعية والسلوكيات الخاطئة والعادات الضارة.
4. ما أقل البرامج التي يمكن أن تغير السلوك إيجابياً
5. الأمر يتطلب تنسيقاً وتعاوناً بين وزارة الإعلام والصحة

وختاماً فنحن السودانيين متهمون بأننا أمة بلا ذاكرة. ذاكرة الأمة مهمة. ذاكرتها لمنجزاتها لتاريخها لنجاحها تحفزها وتدفعها للأمام. ذاكرتها لإخفاقاتها ونكباتها ومصائبها تدعوها لتجنب تكرار الماضي. فآمل ونحن في هذا المنحنى التاريخي والحرج لأمتنا أن نصقل ذاكرتنا المجتمعية ونستصحبها دوماً في مسيرتنا إلى مستقبل مشرق زاهر بإذن الله. علينا أن نعي أسباب نهوض الأمم وأسباب تفوقها لنستفيد من تجاربها ويا حبذا لو كان تعلمنا من النجاح لأن التعلم من الفشل مكلف لبلد في حجم وقامة السودان.
إن علينا أن نستشعر ونستصحب القاعدة القرآنية العظيمة "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". وإن تغيير الله مشروط بتغييرنا أنفسنا وأن نفكر دائماً بعقلية الممكن لأننا نحرز النجاح في اللحظة التي نفكر فيها بذهن الممكن ونفشل في اللحظة التي نفكر فيها بذهن المستحيل.
إني لأختم وأتمنى أن تتحقق أمنية كارول بيلامي مدير عام منظمة الأمم المتحدة للأطفال (اليونيسف):

"إن يوماً سيأتي تقاس فيه الدول
لا بقوتها العسكرية أو الاقتصادية
ولا برونق وبهاء عواصمها وأبنيتها
ولكن برفاه أهلها
بمستواهم الصحي والغذائي والتعليمي
بفرصهم في كسب عائد مجز لسعيهم في طلب الرزق
بقدرتهم على المشاركة في اتخاذ القرارات التي تمس حياتهم
بالوفاء باحتياجات المحرومين والمعرضين منهم للأخطار
بالحرص على صون عقول وأجسام أطفالهم النامية"

سلام على موطني في البلاد
على أهله الخيرة الطيبين
ملاذ الغريب، سياج الضعيف
الحماة الأباة ليوث العرين
ذوى الأنفس الرائقات العذاب
عليها من الحق نور مبين
كلفت بهم وأنا بينهم
وزدت هدىً بالنوى ويقين

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم
والسلام


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.