المتمردون على الحكومات المركزية المتعاقبة سادت في أوساطهم السلوكيات اللا إنسانية الشاذة، بتدبيرهم وتنفيذهم لجرائم الإغتيالات والتصفيات الجسدية بحق رفاق دربهم الثوري المزعوم، والتي طالت رموز قيادية بارزة بحجة وتهمة واحدة لا ثاني لها ألا وهي الخيانة والجاسوسية والتلصص لصالح العدو، وما أهونها حجة لأقناع أهل المغدور الذي لبى النداءات والشعارات الثورية البرّاقة، لقد وجهت اصابع الاتهام من قبل لرائد مشروع السودان الجديد الراحل جون قرنق، بتصفيته لرفقاء السلاح المؤسسين الذين وضعوا اللبنة الأولى لقاعدة بنيان الحركة الشعبية وجيشها، ومن أشهر هؤلاء القادة وليام نون وكاربينو كوانين، وبحكم أن نشاط مثل هذه المليشيات غير المنضبطة محاط بالسرية الكاملة ويدور في الأدغال، يكون مستحيلاً سبر أغوار حيثيات ارتكاب مثل هذه الجرائم، وذلك لغياب المؤسسية وطغيان الفردانية فيروح المغدور ضحية لمثل هذا التعتيم، ويغتال أشخاص صادقون خطأهم الأوحد أنهم رهنوا أنفسهم لكاريزما البطل والقائد الملهم.
الأيام الماضية شهدت أخبار مأساوية تناقلتها الوسائط عن بشاعة تعذيب ثم قتل القيادي فيصل آدم علي، التابع لفصيل حركة وجيش تحرير السودان الذي يقوده عبد الواحد محمد أحمد النور، الأمر الذي سبب ضغطاً نفسياً ومعنوياً صعيباً على قيادة الحركة، فأدى لاعترافها الضمني بوقوع الواقعة وإعلان استعدادها للبت في إجراء تحقيق حول الحادثة، وربما جاء الرد المتأخر للحركة بحسبان أن صراخ اخوان فيصل لن يصمد طويلاً في قنوات الإعلام، لكن ما تم هو عكس ذلك تماماً، فقد وجدت تسريبات مقتل فيصل زخماً إعلامياً واسعاً، لم يتوفر لغيره من الذين قتلوا وتمت تصفيتهم في صمت وبدم بارد بأيدي رفاقهم، وسوف تخصم هذه الجريمة البشعة من صيت ورصيد القائد الهمام لهذا الفصيل الذي اغتال فيصل، لقد دأب هذا القائد الذي ظل ينسب فضل تأسيس الحركة الأم لنفسه على الممانعة والرفض والمقاطعة، ووضع العراقيل أمام كل بادرات الأمل وجميع المبادرات المنادية بالسلام.
ألذي حدث داخل أروقة فصيل حركة تحرير السودان - عبد الواحد - لا ينعزل عن أحداث مشابهة قد وقعت من قبل حركات أخرى، مثل اغتيال بعض القادة الأفذاذ من أمثال جمال حسن وصديق مساليت ومحمد بشر، تلك التصفيات الجسدية التي أشارت فيها سبابة الأتهام إلى قيادات معلومة بحركتي العدل والمساواة والفصيل الثاني من حركة وجيش تحرير السودان، والذي سوف يعقّد المشهد السياسي والاجتماعي أكثر وأكثر في الإقليم الذي انطلقت منه شرارة هذه الفصائل المسلحة، أنه وبحكم تركيبتها العشائرية فأن أهل الضحايا لن يصمتوا عن المطالبة بالإقتصاص ممن قتل أبنائهم الذين غادروهم إلى حضن الحركات المسلحة فغدرت بهم، فإذا اكتمل بنيان مؤسسات الدولة المدنية سيلاحق القانون أعداداً لا يستهان بها من القادة الميدانيين المتهمين بالضلوع في جرائم تصفيات جسدية بحق رفاقهم، وبعض هؤلاء القادة من الذين سيأتون محمولين على سفينة السلام، وسيضعون في (فتيل) المحاكم والقضاء الذي يجلس على قمته مولانا ناصر الدين والدنيا، فالثائر لا يغدر برفاق دربه ولا يخون من أجل طاعة القائد الأوحد والبطل الملهم.
ألمستقبل المدني للحركات المسلحة وإمكانية تحولها لأحزاب سياسية، يهدده سلوك الغاب الذي بدأ يتكشف ويظهر لعامة الشعوب السودانية بعد توثيق ونشر عملية تعذيب وإغتيال فيصل آدم علي عبر وسيط الواتس آب، فأبجديات الديمقراطية ومحددات التداول السلمي للسلطة وآليات تأسيس دولة القانون ليس من ضمنها طرائق القمع الوحشي، ولا التصفيات الجسدية المتشفية التي تسير على ذات الدرب الذي سلكته المنظومة البائدة لمدى ثلاثة عقود، فالتحدي المدني أكبر وأعظم من المشكلات العسكرية التي يواجهها المتمردون في الفيافي وتحت سفوح الجبال، والمدنية التي اصبحت شعراً وشعاراً يهتف به الصغير والكبير لن تقبل بمن يشهر سلاحه داخل المدن والأحياء مهدداً ومتوعداً، وحينما عاد رسولنا الكريم من احدى المعارك وتفرغ لإدارة شأن مجتمعه المدني قال: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.، فعلى الطواقم القيادية لحملة السلاح أن يروضوا أنفسهم ويغالبوها و يقاوموا رغباتها الجامحة التي استمرأت سفك الدماء حتى يكونوا مواطنين صالحين.
ألضالعون في جرائم الإغتيالات السياسية والعسكرية من منسوبي الحركات المسلحة يجب أن لا يدمجوا في القوات المسلحة المهيكلة مستقبلاً، وأن لا يسرحوا هكذا لكي يكونوا عبئاً إجرامياً إضافياً ومسؤولية مجتمعية وشرطية تثقل حمل الدولة والمجتمع، فالواجب الوطني والإنساني يحتم على الحكومة المدنية أن تقوم بعمليات العلاج والتأهيل النفسي لكل من عمل وخدم في أجهزة فرق القتل والسحل باستخبارات الحركات المسلحة، ومعهم الأفراد الذين ينتمون لأقسام وشعب التعذيب بجهاز أمن ومخابرات الحكومة البائدة من الذين رعاهم ودربهم قوش، أولئك المتخصصون في الإغتصاب والكي بالنار والقتل بالصقع الكهربائي، فالخلاص من تبعات العهد البائد وتركته الكبيرة لا يكون إلا بتفعيل كل قرون الأستشعار القادرة على كشف كل شيء وفضح كل شخص ضلع وتسبب في شرخ معنوي أوعطب مادي أصاب روحاً أو جماداً.

إسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.