في الفترة الأخيرة تم طرح قضية تغيير العملة للمساهمة في الخروج من المأزق الاقتصادي المستفحل. في بعض الأحيان اتسم التساؤل بالجدية والذكاء وفي أحيان أخرى كان غير ذلك. فبعض الجهات القابضة تطرح تغيير العملة عن صدق أو من باب بيع الوهم وكسب الوقت والهروب من مواجهة ضرورات إصلاح اقتصادي أخرى.

لتناول هذه القضية نبدأ بالقول انه سواء احتفظ النظام بالعملة القديمة أو سك اخري جديدة ، فإن التضخم يعتمد على السياسات النقدية والمالية المعمول بها.

لقد جادلت بلا كلل بأن أهم أداة استخدمها النظام السابق ، لتمويل نفسه ، وتدمير الاقتصاد كمنتج ثانوي ، كانت الطباعة غير المنضبطة للأموال. يجب على الحكومة الحالية أن تجد طريقة لفطم نفسها من هذه العادة المدمرة. لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال معالجة عجز الموازنة وتقليصه إلى مستويات مستدامة وغير تضخمية. حالما يتم ذلك ، يمكن للحكومة إعادة العمل بقانون بنك السودان القديم.

بدون تفاصيل أكثر، يعتمد التضخم على حجم العجز في الميزانية الحكومية والمقدار منه الذي يتم تمويله من خلال طباعة النقود. لذا، في نهاية المطاف، في حالتنا، يعتمد التضخم على مقدار الأموال التي تطبعها الحكومة لتمويل عجزها، وهذا لا يعتمد على ما إذا كانت هناك عملة قديمة أو جديدة. بمعنى آخر، تغيير العملة في حد ذاته لن يخفف من نيران التضخم وانهيار سعر الصرف ما لم يصاحبه السيطرة علي عجز الموازنة الذي يزداد انتفاخا وهذا يستدعي ترشيد الصرف الحكومي و مضاعفة الايرادات.

ولكن السؤال الذي تم طرحه مهم: هل هناك فائدة من تغيير العملة؟ الجواب نعم ، هناك حجة قوية لتغيير العملة. إليك بعض الفوائد:

مع جموح التضخم، أصبحت العملة السودانية غير فعالة في خدمة الوظائف التقليدية للنقود مثل كونها وسيلة تبادل ومخزن للقيمة أو وحدة محاسبة. أحد الأمثلة على كونها وحدة سيئة للمحاسبة هو أنه في السودان عندما تسأل عن سعر شيء ما مثل دراجة أو سيارة أو أصول أخرى تسمع أرقامًا فلكية ويصعب عليك معرفة ما إذا كان هذا السعر مناسبا وعادلاً أم لا . معقولية السعر أيضا تعتمد على السعر النسبي، لا السعر في إطلاقه فقط. فعند السماع بسعر دراجة يصعب ترجمة هذا السعر الِي كم يساوي من السلع الاخرى, ولا تعرف كم جوال من السكر يساوي سعر البسكليتة وبذا يتعقد اتخاذ القرار في المعاملات التبادلية وترتفع كلفته المعلوماتية .
أما بالنسبة للعملة كوسيط للتبادل، يكفي القول أنه إذا كنت ترغب في شراء شيء باهظ الثمن في الخرطوم ، فلا يمكنك حساب المال بيديك. في السودان، عندما يقوم احدهم بتبديل مائة دولار ، لا يمكنه حساب ما يعادله بالعملة المحلية ، لذا فأنه يأخذ ما يعطيه إياه تاجر العملات ويعود إلى المنزل من غير عد. لا أعرف عدد شوالات النقد التي تحتاجها لشراء عنصر يكلف خمسمائة دولار ، أو كيف تحسب المعادل بالجنيه. ولا يمكن حل هذا الإشكال بالركون الِي الدفع عن طريق الموبايل لان مثل هذا الخيار لا يمكن توفيره بفعالية خارج شريحة ضيقة من الصفوة الخرطومية.

صحيح أيضا فقدت العملة السودانية قدرتها على العمل كمخزن للقيمة ، ولكن هذا بسبب التضخم ولا علاقة له بما إذا كانت العملة قديمة أم جديدة. والتضخم بما انه يعبر عن تغير الأسعار لا عن مستواها الآني فقط يعتمد على كيفية إدارة العملة الموجودة , قديمة أمو جديدة, كما هو موضح أعلاه .

لذا فإن تغيير العملة وإزالة أصفار سيعيد لها بعض المقدرة على الوفاء ببعض وظائفها التقليدية ويساعد ذلك على تسهيل المعاملات التجارية والاقتصادية الأخرى وهذا يفيد الاقتصاد ويسهل علي المواطن.

والأهم من ذلك، أن تغيير العملة سيتيح للحكومة معرفة من لديهم مبالغ ضخمة خارج النظام المصرفي. يمكن استخدام المعرفة للتحقيق فيما إذا كانت هذه الأموال الضخمة تُستخدم في أنشطة غير قانونية أو في معاملات السوق السوداء أو في جوانب أخرى من الاقتصاد السري.

يمكن استخدام المعلومات لسؤال المالكين عما إذا كانوا يدفعون نصيبهم العادل من الضرائب والأهم من ذلك يمكن استخدامها للتحقيق فيما إذا كانت هذه المبالغ تم الحصول عليها بشكل قانوني أو غير ذلك بتفعيل مبدأ من أين لك هذا، وهذا يعني ان علي كل صاحب مال عظيم ان يوضح مصدره والا فلا يأخذ القانون مجراه .
وباختصار ، فإن المعلومات التي يتم جمعها عندما يضطر الناس إلى تغيير العملة القديمة في البنوك المنظمة يمكن استخدامها لإنهاء التهرب الضريبي وكشف الثروة المكتسبة بشكل غير قانوني ويمكن استخدامها لإنهاء مصادر تمويل اقتصاد السري وغير الرسمي وغير القانوني.

الفائدة الأخيرة من تغيير العملة هي أنها يمكن أن تضمن إيقاف قيام أي جهة أخرى غير الحكومة بطباعة النقود. من الوارد أن هناك كيانات غير حكومية أو فوق-حكومية تقوم الآن بطباعة النقود وربما كانت هناك جهات حكومية تطبع دون إذن إجرائي من بنك السودان ووزارة المالية. قد تنتمي هذه الكيانات الطابعة إلى أهل السلاح أو العصابات أو النظام القديم أو الجهات الاجنبية. لا أحد يعرف، ولا يوجد دليل مادي يدعم التخمين بأن جهة اخري غير بنك السودان تقوم يطبع النقود ولكن هناك من الحيثيات في مسرح العبث ما يكفي لأثارة شكوك لا علاقة لها بـ البارانويا السياسية ولكن كما قال ويني ذي بووو كونك مصاب بالبارانويا لا يعني انهم ابرياء . ولكن على أي حال، يتيح تغيير العملة فرصة لإنهاء أي اجرام من هذا القبيل إن كان موجود .
لذا نعم ، هناك حجة قوية لتغيير العملة ولكن هناك تعقيدات أخرى فالسياسة الجيدة تقوم على القرار المدروس ثم تطبيقها بكفاءة وفعالية. تغيير العملة في حد ذاته لا يحل أي مشكلة ثماره تستدعي أن يكون هذا التغيير مصحوبًا بتغيير جذري في الأطر الفنية والقانونية للسياسة المالية والسياسة النقدية وقانون بنك السودان وكامل الإطار القانوني الذي يحكم العملية الاقتصادية. فعلي سبيل المثال, الاستقرار النقدي يستحيل بغير العودة الِي قانون بنك السودان القديم الذي يقيد الاقتراض الحكومي من البنك المركزي بنسبة 15٪ من إيراداتها السنوية ، وذلك فقط بهدف معالجة اثر موسمية الإيرادات. وحين تبلغ استدانة الحكومة حدها الأعلى يمنعها القانون من الحصول على قرش واحد قبل أن تسدد ما تراكم من الديون.

المتطلبات المسبقة لعملية تغيير عملة ناجحة صعبة فنيا وقانونيا وسياسيا والحكومة القائمة الآن للأسف لا تملك المهارات المطلوبة ولا الإرادة السياسية ولا القدرة على التنفيذ الفعال. صحيح أن العملة المتداولة حاليا استبيحت وفقدت مصداقيتها وفقدت الإيمان المجتمعي اللازم لعملة ناجحة ولكن تدني القدرات وحالة السيولة والتسيب السائدة حاليا تجعل تغييرها قفزة في ظلام ومغامرة غير محسوبة.

الأوضاع تشبه مريض يحتاج الِي نقل رئة ولكن لا يوجد في القرية كادر طبي غير رجب الطهار.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.