لوقت قريب كان (الدكتور) أنموذجاً مقدساً لدى المجتمع السوداني، و كل امرأة أو رجل يمني نفسه بأن يصبح ابنه أو بنته في يوم ما طبيب أوطبيبة، حتى سجلت كليات الطب رقماً قياسياً في قائمة الكليات الجامعية التي يقدم لها الطلاب والطالبات من الحاصلين والحاصلات على الشهادة الثانوية العليا، فرمزية الولد الدكتور والبنت الدكتورة في أوساط الأسر والمجتمعات السودانية، فاقت تلك الصورة الفاخرة للضابط المتخرج حديثاً من الكلية الحربية الذي يتباهى به أهله وعشيرته، ومهنة الطبيب أيضاً تفوقت على مهنة الأستاذ الذي كان له شأواً عظيماً، فالكل يطمح في أن يصير نجله كادر من كوادر هذه المهنة الانسانية النبيلة، ممنياً نفسه بأن يرى فلذة كبده متوشحاً بالسماعة الطبية بجمالها الأنيق وهي متدليةً على صدره.

أما اليوم فقد انتكست الأمة و أصابتها الغمة و ارتدت ردة حضارية كبرى، فقد جاء الزمان الذي شهدنا فيه إنقلاب الخلق والأخلاق رأساً على عقب، زمان البلطجة و تغليب سطوة العصا على العقل والارتهان للسكين بدلاً عن اللسان المبين، فتحولت المدن السودانية التي كانت مضيئة بنور السلم و الأمان إلى أوكار لارتكاب جرائم القتل وسحل الإنسان، من كان يتخيل أن مدينة الخرطوم المغسولة شوارعها بالصوابين ومطهرات الديتول، والمنسقة الحدائق والمرصوفة الطرقات أن تضمحل و تتدحرج لتصل إلى هذا الدرك السافل.
ما حدث لأطباء مستشفى أم درمان يوم أمس طعنة نجلاء في صميم قلب الثورة النابض، وإذا لم يتدارك طاقم الحكم الانتقالي هذه الجائحة التي تعتبر أكثر خطراً من كورونا، فسوف ينفرط عقد الأمن في عموم مدن السودان, لقد لعب هذا الطبيب المستخف به دوراً فاعلاً و رئيسياً في اقتلاع الدكتاتور المغرور، وإذا لم تتوفر البيئة الآمنة والمستقرة في المستشفيات لا محال في أن يعيد هذا الطبيب الأمور إلى نصابها، كيف لا يحدث ذلك وهو السياسي البارع والمتحدث اللبق والمثقف الهميم، لكنه آثر أن يكون إنساناً لا (سياسياً) فقدم جهده خلف استار غرف العمليات الصامتة ومن داخل مراكز العناية الفائقة والباردة، فلم يطالب بمقعد في مجلسي الوزراء والسيادة، لا تضربوه، لأن غيابه يعني الموت المؤكد للناس أجمعين في ظل ظروف كوفيد تسعة عشر.
يا السيد وزير الصحة الأكرم ابن الأكرمين عليك بالاستعانة بأفراد من مؤسسة القوة الداعمة و الرادعة ردعاً سريعاً، و أطلب من قائدها لأن يخصص لكم العدد المطلوب من الجاهزين الحاسمين لكل مستشفى من مستشفيات المدن السودانية، وصدقني بعدها لن ترى شخصاً يرفع صوته معتدياً في وجه طبيب أوممارض، لقد ولى زمان (الغتغتة والدسديس)، ويجب أن تحسم فوضى الذين لم يستدركوا معاني و قيم هذه الثورة العظيمة (عندك خت ما عندك شيل)، لا تهزموا ثورتكم لمجرد شذوذ أفقي صدر من بعض أفراد يحسبون على البائدين ويعدون على أصابع اليد الواحدة التي لا تصفق، فما حدث يوم أمس يؤكد على تغلغل الأيادي الخبيثة في الحدث، والدليل هو اجتماع أكثر من ثلاثين شخصاً واتفاقهم جميعاً على ارتكاب جريمة جنائية موجهة ضد الدولة في رابعة النهار. الأمر ليس عفوياً.
حرية التعبير والتظيم والتحشيد السياسي لا تعني ارتكاب الجنايات في المرافق العامة، ضد أناس يعتبرون المرتكز الأول لانطلاقة الثورة التنموية المرجوة، وحتى أكبر بلدان العالم تشدقاً بحقوق الانسان والدفاع عن المواطن ضد الجريمة المنظمة، لن تجد فيها شخصاً يسمح بارتكاب جريمة عنف بدني
أمام ملأ من الناس، وهناك في تلك البلدان يقوم المواطن العادي بدور الخادم المتطوع للشرطة و الأجهزة الأمنية، لأنه يعلم أن النوم العميق الذي استمتع به الليلة السابقة ما كان له أن يكون لولا العين الساهرة لرجال الأمن و الشرطة و الجيش.
لا يختلف إثنان في أن المنظومة البائدة زرعت في النفوس ما زرعت من أحقاد اجتماعية، اعتماداً على منهج مدروس و مؤسس و صريح أهم بنوده عدم ترك مساحة للسوادانيين لأن يجتمعوا على كلمة سواء، وهذا المخطط لو تلاحظون أخذ يبين و يطفو على السطح هذه الأيام، فجريمة مستشفى أم درمان و حرب النوبة و النبي عامر كلها تصب في ماعون مخرجها و راعيها و مشعل نيرانها، فتسلسل أحداث هذا الشهر المايوي جميعها لها ارتباط وثيق الصلة بجذر واحد, هو غضبة المنتفعين من منظومة الدكتاتور الممارسين لفقه التقية مع المنظومة الجديدة.

إسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.