قد يستهجن/ يستغرب/ يسخر البعض من هذا التساؤل. فلهم فلهم ما شاءوا. ولكن هذا الخنوع والخضوع لرغبات الإدارة الأمريكية، التي لا يتطرق الشك إلى سوء نواياها وخبث مقصدها تجاه السودان، يجعل هذا السؤال، ليس مشروعاً فحسب، بل وواجباً على رأس واجبات الثورة والثوار.

فعندما ثار الشباب على سلطة الإسلامويين في السودان لم يقدموا أرواحهم لكي يرضى عنهم ساكن البيت الأبيض. وإنما فعلوا ذلك من أجل وطن حر ودولة قوية تليق بهم.
أعرف أن محترفو الدبلوماسية سيردون بأن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب هو الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى الصناديق المقرضة والداعمة ..الخ مما يجيدون معرفته.
كما سيتحدث السياسيون عن الأهمية الاستراتيجية للعلاقات المتوازنة، وأهمية علاقات السودان بدولة كبرى (الأكبر) وما إلى ذلك من الهراء.
ولكن ما هو الثمن مقابل هذه العلاقة/ المشجب التي علقنا عليها كل أحلامنا، وراهنا (بل رهنا) وجودنا على قيامها، وكأنها المفتاح السحري لخزائن السماوات والأرض؟!.
أليس لدينا ذرة من كرامة لكي نستجدي علاقتنا بدولة (مهما كبرت) على هذا النحو المخزي؟!.
لسنا من دعاة الحرب مع أمريكا أو غيرها من الدول، إقليمياً سواء كان أو عالمياً، ولم نكن ممن تطربهم الحماسيات المجنونة على شاكلة (أمريكيا روسيا قد دنا عذابها)، ونربأ بأنفسنا واحترامنا لذاتنا الوطنية أن نجاهر بالقول الفاجر بأن مقام الآخرين (تحت جزمتنا).
ولكننا، وبنفس القدر، نأبى ونربأ بأنفسنا وبذاتنا الوطنية أن يكون ذاك مقامنا عند الدول الأخرى – مهما بلغت قوتها وعظمت مكانتها – من أجل النهوض بوطننا وتنميته، وتلبية حاجات شعوب السودان التي ما استجدت الآخرين عبر تاريخها إلا في عهد المتأسلمين اللصوص الذين سرقوا الدين والوطن.

(2)
فكروا قليلاً في هذه الشروط والإملاءات التي يفرضها قاطع الطريق الأمريكي الذي لم يتورع عن قطع الطريق على طرود المعدات الطبية وتحويلها إلى بلده (الدولة الأعظم بزعمه). ماذا يعني أن يطالب دولة الثورة التي أطاحت بنظام كانت دولته من أول داعميه أول أمرها بدفع تعويضات لأسر ضحايا مدمرته أو سفارته في دولة أخرى؟.
ذاك نظام ديكتاتوري كان يفرض سيطرته على مواطنيه، وقد أطاحوا به، ودفعوا ثمن ذلك من أرواح شبابه وشاباته، فكيف يدفع الضحايا ثمن جرائمه؟. أي منطق يقرُّ هذا ويجيزه؟!.
وإذا كان ضحايا نظام الكيزان سيدفعون للأمريكان، وهم يعانون لتوفير أبسط متطلبات العيش من خبز ومسكن وتعليم وعلاج، فمن سيعوضهم أسرهم في قتلاهم. ومن سيعوض من شُردوا ونُزَّحوا من مواطنهم ؟!.
إذا لم يكن بُدٌّ من المقاضاة والمحاكمة فليأخذوا الذين أجرموا في حقنا أولاً ثم في حقهم ثانياً ويحاكموهم مثلما حاكموا الذين في غوانتنامو، وليفعلوا بهم ما شاءوا، ولا يخرجن بيننا من يتشدق بأن تسليم البشير أو غيره "خط" أحمر أو كحلي فالوطن السودان ومواطنيه هو الخط الأحمر الوحيد الذي نعرفه. وأما من كذب وخان فليس منا ولسنا منه.
أما أن تضع الإدارة الأمريكية العصي في دواليب قطارنا بالقضايا التافهة المفتعلة لخدمة أغراضها الخاصة، خصماً على مصالحنا، ووجودنا (نعم وجودنا) وانطلاق مسيرة بناء دولتنا فلا، وألف لا.

(3)
ونعود للسؤال: هل أسقط في يدينا ولم يعد من خيار أمامنا غير الامتثال وسوى الخضوع لإملاءات الإدارة الأمريكية لننهض بالسودان الذي لا يخلو شبر من أرضه من الثروات؟!.
يستطيع القانونيون والاقتصاديون وخبراء العلاقات الدولية، وما هم بالقليل في أمتنا، أن (ينحتوا) عقولهم. ويستطيع كل أهل السودان، وما هم بسقط المتاع، كلٌّ في مجاله، أن يشمروا عن سواعد جدهم.
ولنجعل من السودان كله ورشة عمل كبيرة، وساحة عصف ذهني رحبة، لنختط طريقاً جديداً ندير به أمورن دولتنا، اعتمادنا فيه على أنفسنا ومواردنا، ونقيم علاقات مع الدول وفق ما يحقق مصالحنا المشتركة بالعدل، لا نملي على أحد شيئاً، ولا يملي أحد علينا شيئاً. فالعالم ليس أمريكا.
هذا هو منطق سودان ما بعد سبتمبر: يحترم نفسه، ويفرض على العالم احترامه.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.