تصريح مستفز يثير السؤال الحارق: هذا السودان ملك من؟!!.

"وزير المالية للتيار: عائدات صادرات اللحوم المبردة لا تدخل الميزانية لأنها تتبع لمنظومة الصناعات الدفاعية.. ورسوم عبور الأجواء السودانية تورد في سويسرا ومنها لبنك في أبوظبي لكنها خارج ولاية وزارة المالية.؟!".
الآن، وبعد هذا التصريح يتأكد لمن كان في شك أن هذه الدولة لن تقوم لها قائمة طالما من يتولون أمرها بهذا المستوى من اللامبالاة، بل والاستهتار بمصيرها واللامسؤولية في إدارتها. ويعيد للمرة الألف تساؤل الرجل الطيب الصالح: من أين أتى هؤلاء؟ بل من هؤلاء؟!.
وكأنما قدرنا في السودان أن يقفز السؤال في وجهنا كل ما عبرنا تجربة/ محنة، ونتطلع لمرحلة نبني فيها ما تهدم، ونصلح فيها ما خرب، لتطل علينا ذات الوجوه التي عبثت بالدولة ومواطنيها وأذاقتهم الويلات، تحت أقنعة أخرى.
خرجنا من تجربة نميري التي استمرت ستة عشر عاماً لندخل في تجربة الإسلام السياسي مع البشير التي استطالت لثلاثة عقود أكمل فيها المتأسلمون ما تبقى. ونهض الشباب بمبادرة شجاعة للإطاحة بديكتاتورية الإسلامويين، ودفعوا ثمناً غالياً، قتلاً وجرحاً واغتصاباً وإخفاءً، لم يشهد لبشاعته السودان مثيلاً له، لا على يد حكم وطني ولا أجنبي من قبل. وكأننا في غضب من الله، أو ابتلاء نُجزي بالصبر عليه خيراً كثيراً (لم أعد أدري).

(لماذا معبد الماسون لا يزال قائماُ؟)
والآن وبعد مضي أكثر من عام على الإطاحة بحكم المجرمين، وتكليف سلطة انتقالية متشاكسة هجين من العسكر والمدنيين في قوى إعلان الحرية والتغيير التي تضم مختلف ألوان الطيف السياسي والأهلي، لا نزال نعيش تحت حكم النظام الذي أطاحت ثورة الشباب به. لم يتغير شيء، عدا طلاءات هنا وهناك في بنية الدولة الخربة.
لم ينهار البنيان القديم تلقائياً بفعل زلزال الثورة، ولم يهدمه من ورثوا سلطتها.
ربما يكمن السبب في ذلك إلى أن من تولوا السلطة لم يكونوا ممن وطئوا الجمرة و عايشوا عسف النظام وذاقوا عذابه ولحقت بهم أضراره. وبالتالي لم يكن منسوب الغبينة عندهم بالقدر الذي يجعلهم يسارعون إلى اقتلاع أشجاره من جذورها.
إن عمر مقاومة سلطة الانقاذ لم يبدأ لا في ديسمبر 2028، ولا في سبتمبر 2013، وأبطال المقاومة الذين قضوا نحبهم وانتهكت أعراضهم وتعرضوا للتعذيب والتشريد لم يكونوا هم من تصدروا المشهد في ما قبل ديسمبر 2018.
وما زلت أتساءل هل كان اقتصادنا في مرحلته الانتقالية يحتاج إلى وزير المالية الحالي (مع كامل الاحترام والتقدير لمكانته العلمية) ولكن هل خلت البلاد من اقتصادي عاش الثورة وذاق ويلات إدارة الاقتصاد من "الحرامية"؟.
أولم يكن في جهاز الشرطة من هو أنصع صفحة من وزير الداخلية الحالي ليقود هذا الجهاز الحساس ويقوم بتفكيكه، ويعيد إليه بطاقة هويته الأصلية كـ"خادم" للشعب، بدلاً من بطاقة "باطش" التي أصدرها نظام اللصوص كخادم لهم ضد الشعب؟.
أين كانت مولانا نعمات قبل الثورة؟. وهل هي الأجدر بقيادة تطهير منظومتنا العدلية، قوانيناً وأشخاصاً، وإعادة المفصولين من القضاة الشرفاء الذين طالهم سيف "الصالح العام"؟.
وقس على ذلك مؤسسات الدولة التي قامت بعد الثورة وبمهام حددتها الوثيقة على علاتها!.

(من يحكم السودان اليوم .. وما أجندته؟)
لا شك أن تشاكس وتنازع المكونين الانتقاليين العسكري والمدني على السلطات والصلاحيات – مع غَلبة حامل السلاح – هي من أقوى مسببات ضعف وتخبط أداءهما في إنجاز مهامهما الانتقالية.
وجاهل من يظن أن كلا المكونين يشكِّل كتلة موحدة أو جبهة متماسكة. إذ أن الخلافات تسكن جسد كل مكون من المكونين، ولا أدري كيف يمكن أن تطلق على كل واحد منهما صفة "المكون"، ولا نفيض في هذا الشأن. إذ لا يحتاج أي مراقب أو متابع للأخبار إلى ذكاء خارق ليكتشف الثقوب في هذا الرداء المهترئ الممزق.
والآن، ووسط كل هذا التخبط والعجز والفشل في تحقيق أبسط مطالب الثورة من شريكي الحكم المتنازعين بصمت، لم يعد أحد يعلم من الذي يقود هذه البلاد؟ وإلى أين يقودها؟.
وما هي القوى الخارجية التي تقود من يقود هذه البلاد؟ ولأي غاية؟.
وهذا ما يقود إلى السؤال: هل هؤلاء السادة والسيدات على وعي حقيقي بنتائج ما يفعلون؟.
هل هم على وعي ودراية بخطورة ما يفعلون، تنفيذاً لأجندة خاصة بكل فريق منهم؟.
أم هم يفعلون ذلك عن جهل وعدم إدراك، أو لخطأ في الحسابات والتقديرات؟.

(شهادة بحث بملكية الفضاء السوداني)
وحين تقرأ في الصحف تصريحاً مثل الذي صدرنا به المقال يجتاحك الغضب والغيظ.
وزير المالية يقول، فيما يشبه الشكوى – أم تبرير العجز لا تدري!! – بأن موارد الدولة وصادرها لا تخضع لسلطة وزارة المالية، وإنما تودع في حسابات خاصة ببعض مؤسسات الدولة، لا الشركات الخاصة. وتزداد حيرتك حيت تعرف بأن أجواء السودان هي ملك خاص لجهة لم يسمها، ولكنه حدد الجهة التي تودع فيها موارد رسوم عبور الأجواء السودانية، حيث تورد في سويسرا و منها لبنك في أبوظبي.
وهذه سابقة لم نسمع بها بين الأمم والدول والشعوب، ويبدو أننا ننفرد بهذا بين الأمم!.
فهل سألنا من الذي يملك شهادة بحث بملكية سماء السودان؟.
وما الذي تنتظره النيابة العامة، أو لجنة التفكيك للتحري بعد تصريح الوزير هذا، أليس هذا التصريح بلاغ بحد ذاته يستدعي التحقيق والتحري؟.
لا شك أن هناك بين هؤلاء الحاكمين من لا يزال يشعر بأن السودان ملك خاص به ورثه ربما من سابقيه في الحكم، إن لم يكن من والديه.
وإذا كان وزير المالية يبلغنا بأن صادر اللحوم يذهب لمنظومة الصناعات الدفاعية فما هي هذه المنظومة الدفاعية؟ ماذا تصنع؟ وماذا صنعت من قبل؟. هل هذا الجيش قطاع خاص يتاجر في اللحوم ويزاحم القطاع الخاص .. ولكي يصنع ماذا؟. وهل سيجرؤ أحد ما على لوم تاجر لحوم لو أنه تقدم بطلب للجيش ليمنحه رتبة فريق، طالما تداخلت المهن على هذا النحو؟.
هذه البدعة الاقتصادية التي ابتدعها الكيزان والبشير ستجعل من المؤسسة العسكرية غولاً اقتصادياً يبتلع القطاع الخاص والدولة كلها، ويفتح أبواب الفساد على مصراعيه أمام القيادات العسكرية. وهو في الأصل مخطط شيطاني لهلهلة وإضعاف الجيش وصرفه عن مهامه الأصلية، وصرف قياداته وأفراده عن التطور التقني والمعرفي والتأهيل العسكري، لتحل مكانه مليشيا الدفاع الشعبي الكيزانية.

(همسة في أذن الحكومة .. بكل مكوناتها)
إذا كان صادر اللحوم يذهب للجيش ورسوم عبور الأجواء السودانية تورد في سويسرا ومنها لأبوظبي، والذهب لمن يهربه بعلم الحكومة. وكله لا يمر عبر وزارة المالية وخزانتها، فمن أين تتغذي إذن خزينة الدولة؟
بالضرائب على ورش المنطقة الصناعية (برضو) والأتاوات والرسوم من "ستات الشاي" ومن المركبات التي تنقل البضائع الاستهلاكية في نقاط التفتيش؟.
أيها السيدات والسادة في الحكومة (أم ثلاثة رؤوس):
إذا كان تنازعكم وتشاكسكم أيها السيدات والسادة يحول بينكم وتحقيق أبسط مطالب من دفعوا دمهم رخيصاً من أجل وضع الأسس لوطن جديد، وتغيير واقعهم بواقع جديد، أو أنكم تعرفون من يضع العصي تحت عجلات التغيير، فكفوا عن هذا الحديث الماسخ المموج عن اتفاقكم والتفافكم على قلب رجل واحد وتوافقكم التام، فالشروخ والفتوق أوسع من أن تخطئها عين طفل.
فمن الأكرم لكم أن تعترفوا بعجزكم وعدم قدرتكم على تحمل هذا الحمل الثقيل، وتنسحبوا مع جزيل الشكر والتقدير.
أو أن تصارحوا من استأمنوكم على حلمهم الذي فقدوا من أجل تحقيقه أرواح إخوان لهم، بكل الصدق والشفافية بالأسباب الحقيقية لعجزكم وفشلكم وأن تتركوا لهم الخيار، إما دعموكم بوعي، وإما استبدلوكم بمن هم أكثر استطاعة منكم على المواجهة، وأيضاً سيقدر شعبكم هذه الشجاعة على الصدق والصراحة ويشكركم عليها.
أما دور الشيطان الأخرس، فلا يعني سوى التواطؤ. ولا أظنكم ترضونه لأنفسكم.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.