العلاقات بين الصوماليين والعفر قديمة وليست محصورة في مكونات معينة من العفر والصوماليين، بل أنها علاقات شاملة وتشمل البعد السياسي،الثقافي والاجتماعي والتاريخي، ولم تدرس بالصورة المطلوبة من قبل القوميتين أو من جانب الآخرين.

فعلى الصعيد السياسي كان كلاهما في خندق مشترك خلال الصراعات التي دارت في القرون الوسطى في القرن الافريقي، وليس هذا فحسب، بل أنهم كانوا يمثلون كمواطنين في دولة مشتركة وهي سلطنة عدل.

وعلى المستوى الثقافي فإن هناك تشابه وتداخل لغوي بين اللسان الصومالي والعفري، وكم كبير من المفردات اللغوية المشتركة، واجتماعيا يوجد تشابه في عاداتهم وتقاليدهم، وبطبيعة الحال فإن ذلك يشمل قوميات كوشية أخرى، تشاركهما خصائص عديدة.

ناهيك عن ذلك أن البعض من العفر قطنوا مع الصوماليين في زيلع وهرر، ولا زالوا شركائهم في جمهورية جيبوتي وجوارهم معا في الأراضي الصومالية- العفرية الخاضعة للاحتلال الإثيوبي.

في حين أن الصومال كدولة دعمت نضال العفر في جيبوتي،اريتيريا وأوسا الخاضعة لإثيوبيا، فالصومال كان قد دعم النضال لأجل تحرير جيبوتي من فرنسا، ومن ضمن القوى السياسية التي دعمت من قبل الصومال تجمع الشعب الديمقراطي والذي شمل تحالف المكونات الصومالية- العفرية، واستقرت اللجنة المركزية لتجمع في مقديشو خلال النضال ضد فرنسا، وقدمت الإمكانيات العسكرية والسياسية لتجمع.

وفي إتجاه مماثل دعم العفر في اريتيريا في إطار انضوائهم تحث جبهة التحرير الاريتيرية سياسيا وعسكريا، وعلى مستوى سلطنة أوسا الخاضعة لإثيوبيا، تم دعم جبهة التحرير العفرية، واستضيفت قواتها في محافظة أودل ودربت من قبل الجيش الصومالي، ومنحت شحنات أسلحة متطورة لم تكن في حوزة القوات الإثيوبية.

وقد عرض الرئيس محمد سياد بري، على القائد العفري أحمد ديني، حكم جمهورية الصومال الديمقراطية، لقطع الطريق على حسن جوليد ابتيدون، رجل فرنسا وإثيوبيا، وفي سبيل الحفاظ على استقلالية جيبوتي بعد رحيل فرنسا، وحمايتها من الأطماع الإثيوبية، أو توحدها مع الصومال بحكم التداخل العرقي الصومالي وجوارهم المشترك، ولتحرير الصوماليين والعفر الخاضعين لإثيوبيا معا في المستقبل.

إلا أن أحمد ديني، لم يكن بمستوى الاستحقاق وظل يلعق الندم فيما بعد، وخروجه لمعارضة نظام الرئيس حسن جوليد فيما بعد في إطار جبهة إعادة الوحدة والديمقراطية- العفرية، خلال التسعينيات، والمفارقة أن حكومة جوليد، أحتالت على ديني، مجددا ولم توفي بما تم الإتفاق عليه في إطار التسوية التي تمت بين إتجاه من الجبهة والحكومة الجيبوتية.

لقد تسببت حكومات حسن جوليد وإسماعيل عمر جيلي، في تدهور العلاقات الصومالية-العفرية، حيث أعادوا سياسة فرنسا في جيبوتي والتي تمحورت في إيجاد الصراع بين الصوماليين والعفر، من خلال تكريس محاصصة العفر والعيسى، وتقديم طرف على الآخر، وخلق طبقة سياسية من النخب السياسية الصومالية،العفرية والعربية، مهمتها السيطرة على المجتمع الجيبوتي وتقاسم موارده.

فشلوا في تكريس المواطنة واستحقاقاتها ومنحوا متطرفي العفر والصوماليين فرصة تقسيم المجتمع في جيبوتي، في حين اتخذوا من العنصر العربي في الدولة كيافطة يلوحون بها للحصول على دعم عرب الخليج الذين لا يكثرتون أصلا بذلك التماهي، وتدخلوا في الشأن الصومالي في محافظات أودل وسيتي بصورة منذ عقد الثمانينيات.

وفي صدد حركة التاريخ أدى الصراع الذي دار بين الصوماليين والعفر من جهة مع الأحباش في القرن السادس عشر الميلادي، إلى تغييرات ديمغرافية، كان منها أن أصبحت مكونات صومالية كجزء من القومية العفرية، حيث إنتهت قبائل حرلا كومبي دارود وملساي كجماعات اندمجت وذابات في العفر، ورغم أن هناك تشكيك من قبل البعض في أصول تلك القبائل.

إلا أن كتاب فتوح الحبشة وهو للكاتب شهاب الدين عبدالقادر الجيزاني، يمثل وثيقة تاريخية ذات صلة بتلك الحقبة التاريخية، كان قد ذكر تلك القبلتين ضمن إستعراضه للمكونات الصومالية التي شاركت في تلك الحروب، والجدير بالذكر أن قبيلة حرلا والتي كانت تقطن في مناطق عديدة منها هرر،أوسا وديرذبا، أصبح قسم منها ويدعى كبرتو، كجزء من العفر.

علما أن قبيلة حرلا كانت عبارة عن تجمع بشري شمل صوماليين ومكونات أخرى في المنطقة، حيث كانت القبيلة عبارة عن تحالف بشري شمل قبيلة الجبرتا والمتواجدين في إثيوبيا واريتيريا، ولقد كانت تلك المجموعات الصومالية الطلائع الأولى من الصوماليين الذين اندمجوا مع العفر في كل من أوسا واريتيريا.

ببنما ضمت المرحلة الثانية لتغييرات الديموغرافية التي طرأت على الصوماليين والعفر، أن هاجرت مجموعات من قبائل الدارود الصومالية إلى المناطق العفرية في جيبوتي واريتيريا، فالأولى عرفت هجرة قبيلة ورسنجلي إلى مناطق اوبوخ وتجورا ونتج عن ذلك الإنصهار الاجتماعي تشكل قبيلة البدوتاميلا والذين يمثلون حاليا كقبيلة عفرية، بالإضافة إلى قبيلة عمريتا أو عمرتو وهي بدورها تشكل من جزء من نازحي قبيلة ورسنجلي إلى جيبوتي، وقسم منها متواجد في المنطقة العفرية في اريتيريا.

وفي إتجاه آخر مماثل "فهناك مجموعات من الصوماليين استطونوا الساحل العفري من اريتيريا في مدينة(حارينا) وجزيرة(بكع) ومدينة (معرد) ومنطقة (اقيقتو) جنوب طيعو وحارينا، وهؤلاء من بطن (هرتي الصومالية من دارود).

ومن هرتي توجد فخيذة (مجيرتيني) تنزل في جزيرة بكع ومعردا وكذلك فخيذة ورسنقلي في مدينة حارينا جنوب شبه جزيرة بوري.ومجموعة أخرى كثيرة العدد هي مجموعة (عمرتو) الصومالية التي تسكن في جنوب طيعو وهي أساسا من بطن (هرت الصومالية).وهؤلاء جميعا أصبحوا من العفر وبتالي جزء من الشعب الاريتيري "١

كما أشارت المصادر التاريخية أن الشخصيان الصوماليتين اللتان حكمت مدينة زيلع في القرن السادس عشر الميلادي، بعد إستثناء التواجد العثماني في الصومال، هما كل من الجراد علي دبلي الصومالي والسيدة نظيرة العفرية، والجدير بالذكر أن الجراد علي، تولى مشيخة قبيلة ورسنجلي في الصومال في الفترة ١٤٩١-١٥٠٣.

ويستشف من كل تلك الملامح التاريخية القائمة بين الصوماليين والعفر، أن الرابطة بينهما كبيرة ومن الضرورة أن تتجاوز أطر الخلاف بينهما لبلوغ آفاق كبيرة وتوطيد الوشائج القائمة، والحيلولة لاستهداف العنصريين المتطرفين لتمازج الصومالي-العفري لأجل مستقبل أكثر انسجاما، وحل الإشكاليات السياسية والديموغرافية بين القوميتين.

خالد حسن يوسف

المصدر:

١- المناضل الاريتيري الراحل محمد سعيد ناود،مقال بعنوان خصوصية العلاقة الصومالية الاريتيرية،بتاريخ ٣٠ مايو ٢٠٠٧،موقع عدوليس.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////////