رشحت بمواقع التواصل الاجتماعي صورة للمفكر السياسي القانوني الضليع المؤرخ الدكتور منصور خالد علي كرسي متحرك في حضرة رئيس جنوب السودان سلفاكير حركت مكامن ذكرياتي واعادتتي ليوم دخل لمكتبنا السري بوزارة الخارجية في مبناها العتيق بحدائق الميرغنية شارع النيل شاب أنيق بقميص نصف كم بلون هادي و حينما يصافحك يبتسم بكل وجهه المستدير الممتليء بالحيوية عانقه الشاعر محمد المكي ابراهيم بحرارة بعد ان دس ود المكي بدرج مكتبه وريقات ربما كانت مشروع قصيدة كعادة شاعر " البرتقالة أنت " ولأكثر من أسبوع كان د. منصور ضيفا يحتسي فنجان قهوة ويذهب بين الفينةوالاخرى لاجتماع بمكتب الوزير بابكر عوض الله او وكيل الوزارة جمال محمد احمد ويحدثني احيانا عن باريس عاصمة الجمال ونيويورك وتمثال الحرية وأنا التي كنت بالكاد أعرف حواري وازقة حي الختمية بالخرطوم بحري .

بعد حوالي أسبوع لم يحضر وعلي غير العادة امتلأ مكتبنا بدبلوماسيين كان جلهم يعرفونه كاصدقاءاو عملوا بسفاراتنا بالخارج منهم السفير جلال عتباني وهاشم التني وغيرهم وقفنا بالبلكونة المطلة علي شارع النيل فاذا به ببدلة سوداء وكرافته حريرية زاهية يبدو انها نفسها التي جعلت ابو عاج يهاجمه في احد الحوارات الصحفية ( منصور خالد يعتبر وزارة الخارجية كرفتات حرير ) ينزل من سيارة فلوكسواجن زرقاء كان يقودها بنفسه قادما من القصر الجمهوري
بعد اداء القسم أمام الرئيس جعفر النميري طيب الله ثراه وزيرا للشباب والرياضة والشوؤن الاجتماعية والدينية وضمن المهنيين تمنيت له التوفيق وأن استطيع المساهمة بقدراتي المتواضعة في بناء هذه الوزارة الوليدة بعد حوالي اربع أشهر تقريبا وكنت قد نقلت لادارة اخري استدعاني وكيل الوزارة وقتها عبدالله الحسن وأخطرني بأن د منصور خالد طلبني للعمل معه بالوزارة الناشئة فعقدت الدهشة لساني وجال بخاطري الي هذا الحد يمكن أن يكون هذا الرجل القامة مخلصا لمجاملة عفوية بدرت مني... ويبدو ان الحسن فسرها تردد فسجل لي رقم هاتفه الساخن المكون من اربع ارقام وقال لي يا بنيتي قبل ان استدعيك سالت عن سيرتك الوظيفية فبرغم صغر سنك فالمستقبل امامك فلا تترددي وربما الكثيرون الان يحسدونك ان تعملي سكرتيرة لهذه الشخصية الفذة وسوف أعيرك لوزارة الشباب لمدة سنة مع اجازة يوم لصرف راتبك من الخارجية وقد كان وأحسب أنني عملت بوزارة الخارجية مطبخ الدبلوماسية فقطفت اولى ابجدياتها ولكني عملت مع المفكر العالم د منصور فأتقنت فنون القراءة فما زلت اقتنص لها السوانح وتعلمت منه تنوع الاهتمامات وقدسية الوقت والانضباط كان يحرص علي تشغيل راديو بمكتبه به خارطة للبث العالمي وإن لم يكن في اجتماع فهو غايص بين دفتي كتاب وحرص ان يكون مكتبه مفروش بسجاد محلي من الصوف الابيض والاسود عليه لوحة انيقة أحسب ان الفنان التشكيلي محمد أحمد شبرين خطاها بخط أنيق " إن لم تكن لغيرك لما ألت لك " وان تكون رزنامة الاجتماعات امامه قبل خمس دقائق وتم تصميم إضاءة بالباب حينما تكون حمراء أمتنع عن الدخول وأذكر كنت بالداخل اقدم له اوراق لاجتماع ففتح الباب استاذ جامعي ومد رأسه فاعتذرت له باعتبار وقت الاجتماع قد أزف لكنه دخل وانا اترجاه الانتظار بمكتبي فرفع د منصور عينه عن الاوراق " عندي اجتماع " واستمر في تقليبها فخرج الضيف الملحاح وهو يذوب خجلا وكنت أكثر حرجا منه .. لا اذكر إن اختلت مواعيد حضوره صباحا او بعد انتهاء الدوام و ملاحظاته أن إحد الزهرات انتهى موسمها تعادل اي توجيهات أخرى وحينما قرر المغادرة لنيويورك بعد اختلافه المشهور مع النميري طبعت وثيقة " حصيلة عام واستشراف علي المستقبل " والتي ظلت دليل عمل لسنوات طويلة يقتبس منها مدراء الادارات اللذين استنسخوها ليقتطفوا منها هذا مشروعا واخر فكرة او خطة متكاملة الاركان وهكذا .
عاصرت معه قيام مؤتمر الفكر العربي الاول ومهرجان الشباب والذي كان مرافقا لاعياد ثورة مايو في عامها الاول والذي اقيم بطول شارع النيل واستضافة المغنية أم كلثوم و الجنوب افريقية مريم ماكيبا والتي اشتهرت بمناهضتها للحكم العنصري ولعل من المواقف التي تدلل علي جدية وصرامة د منصور وإحقاقه للحق دخلت الوزارة باكرا وكان يهم بركوب سيارته وعلي غير عادته انتهرني " أما زلت هنا " فقلت له وأين اكون ؟ بالمنصة الرئيسية فقلت له أنا اصلا لست باللجنة لم يكمل حديثه فاذا بزميلنا الرياضي المعروف فيصل السيد مدير العلاقات العامة بالشباب يركض لمكتب الادارة ويعلق ديباجة مرور علي الزجاج الامامي للسيارة التي اقلتني لاستاد المريخ بامدرمان بسرعة البرق ووصلت للمنصة الرئيسية قبل حضور الرؤساء النميري وجمال عبدالناصر والقذافي حيث القى خطاب الاحتفال الاول بأعياد ثورة مايو ١٩٧٠ والذي كان مختلفا ومميزا وضع مؤشراته وتفاصيل برامجه منها مهرجان الشباب الذي اقيم بطول شارع النيل واشتمل علي فرق موسيقية ومبدعين في الفنون التشكيلية وبعض فنون الرياضة والرقص الشعبي والفلكلور ولا اذكر ان التقى بمكتبه أي مجموعة " لطق الحنك " فالحدية ديدنه ولم ندخل لمكتبه أي وجبة فطور بخلاف فنجان قهوة الصباح ومنذ أن ارجع الساعي وسألني إن كنت رأيت أظافره فطلبت منه تقصيصها حرصت أن احتفظ بطقم للشاي والقهوة بدولاب مكتبي ...وقد قمت بطباعة غالبية خطب الرئيس نميري التي كان يكتبها الدكتور منصور الذي يوزع وقته بعناية وحصافة العارف الواثق
ويبقى للحديث بقية عملي بمكتبه كريئس لمجلس ادارة دار الصحافة والنشر أمين للفكر والدعوة بالاتحاد الاشتراكي

عواطف عبداللطيف

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اعلامية وناشطة اجتماعية مقيمة بقطر

https://images.app.goo.gl/Pxs9YZ834R1ZSwDp7
////////////////////