خارج المتاهة

الذي حدث يوم الثلاثاء ١٤ يناير ٢٠٢٠ الجاري ، والمعروف بأنه تمرد هيئة العمليات بجهاز أمن ومخابرات النظام البائد احتجاجاً على "ضعف مكافآت نهاية الخدمة" ، لهذا الحدث فوائد جمة في تنبيه الثورة والثوار (ق ح ت وحكومتها الانتقالية ولجان المقاومة) لمخاطر حقيقية تحدق بهم ، مخاطر تصنعها قوى الردة من بقايا النظام الساقط .. ومن بين قضايا مختلفة ، أثار الحدث من جديد قضية جهاز المخابرات ووضعه في العهد الديمقراطي ، وجاءت أغلب الأصوات مناديةً بإعادة هيكلة الجهاز !! بينما المطلوب (في اعتقادي البسيط) هو إعادة التأسيس على انقاض الجهاز سيء السمعة والسيرة ، وشرح ذلك يكمن في مقارنة الجهاز في العهد السابق من حيث تكوينه وعقيدته وطريقة عمل أفراده وبين الجهاز الذي نريد بناءه ، جهازاً للمخابرات الوطني في العهد الديمقراطي الجديد

كان هدف جهاز الأمن الساقط يتلخص ويتركز في حماية النظام والدفاع عنه بالقوة العسكرية ؛ في حالة المعارضة السياسية داخلياً اعتمد سلاح الاعتقال والتعذيب الشامل بغية التدمير النفسي والمعنوي والتشويه الجسدي وصولاً للقتل بحق السياسيين والنقابيين وعموم المعارضين له . وخارجياً جعل النظام من وظيفة "القنصل" في أغلب سفارات السودان وظيفةً أمنيةً يتعقب من خلالها المقيمين في الخارج ترغيباً وترهيباً وابتزازهم بواجبات الوظيفة الطبيعية في إصدار الجوازات والوثائق المختلفة وتجديدها ...إلخ .. عموماً ، كان جهاز الأمن والمخابرات هو وسيلة الحماية الذاتية التي أسسها انقلاب الإسلامويين فجاءت انعكاساً دقيقاً لطبيعتهم العدوانية الكافرة بالديمقراطية والدولة الوطنية والملكية العامة فتتحول الدولة عملياً وبأكملها إلى جهاز أمني في السلوك والتفكير وكافة المعاملات ، علماً بأن تربية أفراد الجهاز (في جانب هام) تقوم على الاستخفاف والاستهزاء بكل شيء وشخص والكفر بكل القيم .. من ناحية أخرى ، كان التجنيد للجهاز يتم على أساس عسكري جعل منه قوة نظامية بتراتبية عسكرية صارمة كالقوات المسلحة والشرطة ولكنها بصلاحيات إضافية في التجسس والاعتقال والقتل خارج إطار القانون ، وبموازنات مالية مفتوحة تطورت في عهد صلاح قوش إلى قوة اقتصادية عملاقة تحتكر تجارة المواد الأساسية ومختلف اعمال التشييد والتعدين والسياحة "وكل شيء في حياة الناس" ليصبح دولةً داخل الدولة ولتتطور ممارساته إلى عمالة علنية واتجار في أسواق المعلومات الدولية ..

هذا هو باختصار شديد أهداف وتركيبة وسلوك جهاز الأمن والمخابرات الذي ورثناه ، عقيدة بائسة لنظام فاسد ساقط ، بينما جهاز المخابرات الذي نريده لنظام - نسعى أن تكون ديمقراطيته مستدامةً ومدنية - يجب ان تكون في تركيبته وتربية أفراده صفات تعكس تلك الأهداف ، مرآةً للنظام الوطني الديمقراطي ؛ أن يكون جهازاً مدنياً في طابعه العام ، يتمتع أفراده بالذكاء والثقافة والتهذيب والإخلاص للشعب والوطن ، وتتركز مهامه في جمع المعلومات حول الوطن وهموم الشعب واتجاهات الرأي محلياً وإقليمياً ودولياً وتحليلها وتقديمها للحكومة مشفوعةً بالتوصيات والرؤى المحترفة .. فهل يمكن إعادة هيكلة ذلك لخدمة هذا ؟ طبعاً لا يمكن ، فالمطلوب ببساطة ووضوح هو بناء جهاز جديد على انقاض جهاز الإسلامويين الفاسد المستبد وفق أهداف الثورة وبعناصر تعبر عنها .. وهنالك عنصر مهم في الأمر وهو ما يتعلق بمصير المعلومات خاصةً الملفات المتعلقة بالسياسيين والنقابيين وعموم المؤسسات والأفراد والتي ترسم خارطةً لكل المجتمع .. ففي تجربة انتفاضةً أبريل ١٩٨٥ كان الخطأ ليس في مجرد حل جهاز الأمن وإنما ترك تلك الملفات والمعلومات إلى أن جاء انقلاب الإسلامويين ليجد كنزاً ثميناً من المعلومات المجانية ، وبنى عليه إمبراطوريته الأمنية المنحرفة .. (كان الضابط المقيم في بيت الأشباح الرئيسي عام ١٩٩٢ "أمجد مصطفى" يأتينا في الزنازين ليشتمنا مستعملاً المعلومات التي وجدها في ملفاتنا ومستمتعاً بذلك) ..

نطالب بحل جهاز الأمن والمخابرات وتسريح أفراده نهائياً وتسليم الاحزاب ومختلف التنظيمات الملفات الخاصة بأعضائها ، وبذلك نضمن تأسيس جهاز مدني للمخابرات العامة تتبع للحكومة المدنية وفي خدمة الوطن والمواطن ، وإلى ذلك الحين تستطيع لجان المقاومة سد الثغرة الأمنية بإبداع تام ..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.