لعله من المفارقات العجيبة، أن يكون أحد واجبات الحكومة الإنتقالية الملحة، هو إصدار قانون جديد لتنظيم الأحزاب السياسية، من أجل إصلاح نفس الأحزاب القديمة البالية، و التي تسلقت الثورة و ساومت بها، و أتت بالحكومة الإنتقالية الي دفة السلطة.

قانون الأحزاب السودانية المتوقع، من المفترض أن ينظم قيام و نشأة الأحزاب السياسية، و ضبط و تحديد مصادر تمويلها، و عقد مؤتمراتها العامة الدورية، و تحديد حجم العضوية، و غيرها من المسائل الفنية، التي تساهم في ترتيب و تطوير العمل السياسي.

كما يمنع قانون الأحزاب المُفترض، قيام الأحزاب السياسية علي أسس دينية أو طائفية، كما هو الحال في حزب المؤتمر الوطني المنحل، و حزب الصادق المهدي الأسري، و حزب آل الميرغني الطائفي.

أيضاً يمنع القانون المزمع منعاً باتاً، تلقي تلك الأحزاب المشبوهة للتمويل الأجنبي، أو تمويل من فلول المؤتمر الوطني البائد، كما يتوقع أن يفعل حزب الأمة الأسري، مثل ما راج في الأوساط الإعلامية المختلفة.

قانون الأحزاب الجديد، من شأنه إيقاف الفوضي الحالية، و عرض التهريج السياسي، الذي يقوم به زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، مثل الدعوة لإنتخابات مبكرة قبل التوصل الي إتفاقية سلام، و عودة النازحين، و تعداد سكاني شامل، و قانون توافقي للأنتخابات، يشارك في صياغته كل السودانيين، و مفوضية قومية للإنتخابات، و تفكيك دولة الإسلامويين العميقة، و تهيئة المناخ، و غيرها من الإستحقاقات الإنتخابية الديمقراطية.

قانون الأحزاب السياسية المستقبلي، ينبغي الإشارة لبعض بنوده، و تضمينها في إتفاقيات السلام المزمعة الآن مع الحركات المسلحة، مثل بند عدم قيام الأحزاب السياسية علي أساس ديني، و الذي يمنع أمثال الصادق المهدي، من الجمع بين إمامة طائفة الأنصار الدينية و رئاسة الحزب السياسي، و من ثم منعه من الترشح في الإنتخابات العامة المقبلة، إذا لم يلتزم بذلك الفصل القانوني الضروري.

الديمقراطية الحقيقية، و التنافس الإنتخابي الشريف، يقومان علي طرح برامج إنتخابية خدمية للجماهير المستهدفة، من أجل الكسب الواعي لأصواتها في الإنتخابات العامة، و ليس علي أساس الولاء الديني، و التعامل مع جماهير الطائفة الدينية، كأصوات إنتخابية مضمونة في اليد، و ليس لتفكير الجماهير و آراءها و إستقلاليتها قيمة عملية.

علي إمام البوخات أن يدرك، أن تلك الديمقراطية الصورية الشكلانية، و العملية الإنتخابية المعيبة التي يتخيلها، و يحلم بها، و أتت به في الماضي، لا يمكن أن نطلق عليها صفة الديمقراطية الحقيقية، و سنقاومها و نقوضها بكل الوسائل الممكنة.

يبدو أن الإمام يراهن علي تحالفه الراسخ، مع الدولة العميقة للإسلاميين و فلول النظام البائد، من أجل أن يقوموا بتمويله في الحركة، و الحشد الجماهيري له، و تزوير الإنتخابات لصالحه، و غيرها من العمليات اللوجستية المتوقعة.

من حق حزب الأمة الأُسري، أن يبدأ حملته الإنتخابية من الآن، إستعداداً لإنتخابات ما بعد الفترة الإنتقالية، طالما إلتزم بقانون الأحزاب السياسية الجديد، و لكن لا يحق لإمام الزواحف الخضراء، المطالبة بإنتخابات مبكرة شكلية، بدون إستحقاقاتها المعروفة، و الترتيبات الفنية المطلوبة.

إن أي دعوة لإنتخابات مبكرة يعتبر كلام فارغ، و خالي من المضمون سياسياً، و هي تعبر عن حالة تآمرية واضحة مع الثورة المضادة، و فلول الإسلام السياسي البائد، و يجب علي الشارع الثائر التصدي لها بالمرصاد.

علي جماهير تلك الأحزاب المستهدفة بعملية الإصلاح، تشغيل عقولها بالتفكير، و عدم الإنقياد العاطفي الأعمي وراء ساداتها، و عدم التبرير الدوغمائي للأخطاء السياسية الفادحة المرتكبة، و الإستقلال التام بموقفها الفكرية و السياسية، و عدم الركون للإستتباع و التبعية.

إن إستمرار الأحزاب السياسية بشكلها الحالي، بدون عملية إصلاح مؤسسي هيكلية، يهدد الثورة و إستقرار الحكومة الإنتقالية، و لا يساهم في نجاح مهام الفترة الإنتقالية، و لا يؤدي الي ديمقراطية حقيقية في نهاية المرحلة الإنتقالية، و عليه يجب علي جميع الأحزاب السياسية عقد مؤتمراتها العامة بصورة عاجلة، و تجديد قياداتها، حتي تتم عملية الإصلاح الحزبي المطلوبة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.