––––––––––––––––––––

"وفي سريرك انطفأنا معاً هل يذكر السرير كيف اشتعل؟ الشاعر اللبناني القتيل جوزيف نجيم"
°°°
مثلما رأته (التومة بنت جبر الدار) وانجذبت إليه، وهي تتأمل طوله الفارع، ووسامته التي لا تخطئها عين (نجيضة) في تذوق الجمال. كان (الطريفي ود أم الطريفي) أيضا قد رآها وانجذب إليها!..
إذ كانت لثقل أردافها "تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل!" وقد استدعت "خدرتها الناعمة"، كل أوصاف الشعر الجاهلي، التي لطالما عشقها وحفظها ولحنها، وأخذ يدندن بها لنفسه، في أوقات جديرة بالتوتر!
°°°
كان الترنم (بالمأكمة)، التي يضيق الباب عنها، و(الكشح) الذي يصيب الناس بالجنون، والصدر المتحفز الذي يؤدي تمرده إلى (ثورات، تغير وجه التاريخ والحياة، والناس). عزاءه الوحيد، وهو يحدق مذهولا في مفاتنها!..
أو لم يكن ما جرى من مأثور القول:
"صوت المرأة.. ثورة!"..
لكأن طيف ملكة (اسبارطة) ذات المفاتن الأسطورية (هيلين)، التي أختطفها (باريس) الأمير (الطروادي)، فاندلعت لأجلها (حرب) ضروس، استمرت لأكثر من (عشرة سنوات).. يتماهى الآن في (جسد التومة)، فيفشل خياله في مجرد تخيل:
"أي صدر هذا تنوء بحمله هذه الأعطاف، وأي نهد هذا الذي يسترق شاعرنا، ويجعله لا حول ولا قوة له!".. إذ يقول:
الصدير أعطافك فترا π النهيد باع فينا و اشترى..
°°°
وهو مأسور مفاتنها، خطر للطريفي أن المتقابلات الوصفية الحسية، في (الشعر الجاهلي) و (شعر الحقيبة)، تؤهل الشعر الجاهلي= (الحقيبة العربي)، و(الحقيبة السوداني)، من ناحية الاحتفاء بمفاتن المرأة، أن يكونا معادلان موضوعيان لبعضيهما؟!..
°°°
ولكن شتان ما بين لون بشرة (هيلينا والعربيات الجاهليات) البيضاوات، وبين (كنداكات البلاد الكبيرة والتومة) السمراوات اللاتي لوحت (شمش الله القوية) بشرتهن!
وفي الحقيقة لم يحب الشاعر (اليوناني الجاهلي) (هوميروس) في معلقتيه الشهيرتين (الألياذة والأوديسة) اللون الأسمر، إذ يذكره بعبيد (سوق عكاظ أثينا و روما)، مثله في ذلك مثل رصفائه من شعراء العرب الجاهليين، الذين (لا يستجملونه إلا في اللَمِٓي)= (الاسنان النابتة على لثة سمراء).. فقد كان الأسمر من أعنف شتائمهم، لارتباطه بالعبودية والاسترقاق!
وما الشتيمة التي تعرض لها (بلال بن رباح) في فجر الرسالة (يا إبن السوداء)، إلا أكبر دليل على ضيق العرب بذوي البشرة السمراء، رغم الدور المشهود للرجل، في إخراج هؤلاء العربان، من الظلمات إلى النور! –– فبدلا عن أن يشفع هذا الدور للونه، فيتم نسيانه أو غض الطرف عنه، جاءت الشتيمة لتؤكد الاستعلاء على اللون الأسود، وموضعته ك(دون) وكراهته وربطه بكل ما هو سيء، في (النظام الدلالي العربي)!
بالتالي (فشل) الدين الجديد، في إزاحة "المعايير الجمالية العربية الجاهلية"، وإحلال "القيم الجمالية للرسالة الدينية الجديدة" محلها، فالعرب أهل (ثقافة بيضاء بامتياز)، ومن المستحيل في أي عصر من عصورهم السابقة أو اللاحقة، أن يقتنعوا بان الناس (سواسية كاسنان المشط) أو مشاركتهم في (الماء والكلأ والنار!)، وهم أهل (الغزو والسلب والنهب!)
°°°
وقد فاق عشق العرب (للجمال الحسي)، كل ذائقة معنوية لنا أن نتخيلها، في ثقافات الشعوب الأخرى، إن لم يعادلها.. فهاهو النابغة الذبياني يقول:
والبطن ذو عكن خميص طيه π والصدر تنفجه بثدي مقعد
مخطوطة المتنين غير مفاضة π ريا الروادف بضة المتجرد

ويتبعه الملك الضليل أمرؤ القيس:
كبكر المقاناة البياض بصفرة π غذاها نمير الماء غير المحلل
وبيضة خدر لا يرام خباؤها π تمتعت من لهو بها غير معجل
بثغر مثل الاقحوان منور π نقي الثنايا أشنب غير أثعل
غذائرها مستشذرات إلى العلي πتضل العقاص في مثنى ومرسل
وكشح لطيف كالجديل مخضر π وساق كانبوب السقي المذلل
وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش π إذا هي نصته ولا بمعطل
وشربو كأس مدامة من كفها π مقرونة بمدامة من ثغرها
وتمايلت فضحكت من أردافها πعجبا ولكني بكيت لخصرها

فيمضي عمرو إبن كلثوم:
في معلق سمنت وطالت Π أردافها تنوء بما ولينا
وثديا مثل حق العاج رخصا Π حصانا من أكف اللامسينا
ومتنى لدنه سمقت وطالت Π روادفها تنوء بما ولينا
ومأكمة يضيق الباب عنها Π وكشحا قد جننت به جنونا

وإبن شداد:
وبطن كبطن السابرية لين π أقب لطيف ضامر الكشح مدمج

وإبن أبي سلمى:
فأما ما فويق العقد منها μ فمن أدماء مرتعها الكلاء
وأما المقلتان فمن مهاة μ وللدر الملاحة والصفاء

و عمرو بن معد يكرب:
وبَدَتْ لَمِيسُ كأَنَّها μ بدرُ السَّماءِ إِذا تَبَدّى
وبَدَتْ مَحاسِنُها التي تَخْفَى μ وكانَ الأَمْرُ جِدّا

و الشاعر الماجن ابونواس:
أتَتْنِي الشَّمْسُ زَائِرَةً وَلَمْ تَكُ تَبْرَحُ الْفَلكا
تقول وقدْ خلوتُ بها تحدّثْ واكفني يدكا

والذي يقول أيضا:
وناهِدَةِ الثّدْيَينِ من خَدَمِ القَصْرِ سبتْني بحسْنِ الجيدِ والوَجْهِ والنّحرِ
غُلاميّةٌ في زِيّهَا برْمكيَّةٌ مزوَّقَةُ لأصْداغ، مطمومةُ الشعْرِ
كلِفْتُ بما أبصرْتُ من حُسنِ وَجهِها زماناً وما حبّ الكواعبِ منأمْري
فما زلتُ بالأشْعَارِ في كلّ مَشْهَدٍ أُلَيّنُها والشِّعْرُ من عُقَدِ السّحْرِ إلى أن أجابَتْ للوصالِ، وأقبلَتْ على غيرِ ميعادٍ، إليّ مع العصْرِ فقلتُ لها: أهلاً ودارَتْ كؤوسنا بمشمولةٍ كالورْسِ، أوشُعَل الجمرِ فقالت: عساها الخمر؟ أنّي بريئةٌ إلى الله من وَصْلِ الرّجالِ مَعْ الخمرِ فقلت: اشربي إن كان هذا محرّماً ففي عنُقِي يا ريمُ وزرُكِ معْ وزْرِي فطالبْتُها شيئاً فقالت بعبرةٍ: أموتُ إذنْ منهُ، ودمعتُها. تجري
فما زِلتُ في رِفقٍ، ونفسي تقولُ لي: جويريّةٌ. بكْرٌ! وذا جزعُ البِكْرِ

ولا شك أن (أخينا أبونواس) قد وصل بالعصر العباسي، منتهى درجات المجون التي ليس بعدها بعد!!..
°°°
ولربما أن شعراء الحقيبة السودانية، في غزلهم (الرمزي) الذي يبطن أكثر مما يظهر، قد تأسوا بتجربة جدهم أبونواس، ف(جين الشعر دساس!).. يقول أبونواس:
وَبَـديــعِ الحُـسْــنِ قـد فـَــاقَ الرَّشَا حُسْناً ولِينَا
تَحْـسَـبُ الوَرْدَ بخَـدّيْـــهِ يُـنَـاغي اليَــاسَـمِــينـَـــا
كلّما ازْدَدْتُ إلَـيْـــهِ نَــظَــراً زِدْتُ جُنــونَــا
ظَلّ يَسْقِينَا مُداماً حَلّتِ الخِدْرَ و سِنينَا
وتَـغَـنّـيْـنَـا بــحِــذْقٍ. يا. دِيــار. الظّــاعِنيـنـــا
فاسْـقيـنـا، حتى أوَانِ الْـحَجّ، لا تسْقِ الضّنِينَا
واستطاع أبو نواس أن ينقل (أوصاف المرأة) إلى (الغلمان) ولولا استخدامه (ضمير المذكر)، (كشعراء الحقيبة) لعجزنا التعرف على المتغزل فيه؟!. ويقول في ذلك:
قل لذي الطّرفِ الخَلوبِ
و لِذي الوجهِ الغَضُوبِ
ولمن يثني إليهِ الحسنُ أعناقَ القلوبِ
يا قضيبَ البانِ يهتزّ لى ضِعْسٍ كثيبِ
قد رضينَا بسلامٍ أو كلامٍ من قريبِ
فبروحِ القُدس عيسى وبتعظيمِ الصّليبِ
قفْ إذا جِئْتَ إلينا ثمّ سلّمْ يا حَبيبي
°°°
والمستمع، وهو ينصت لذكريات (ود البصير قدور) (x,z,y) مع فناني الحقيبة السودانيين وهم يغنون للمرة الاولى:
الطريق إن مرت بالخلوق مزحوم
كالهلال الهل الناس عليها تحوم
القوام اللادن و الحشا المبروم
و الصدير الطامح زي خليج الروم
خلي جات متبوعة الصافية كالدينار
في القوام مربوعة شوفا عالية منار
°°°
(أو)
عالى صدرك لى خصرك برى
فيه جوز رمان جلى البرا
الخطيبة و ردفك منبرا
العيون و النور كن بجهرا
غير جمالكن مين السهرا
سيجد أن لا فرق يذكر بين أيروسيات الشعراء الجاهليين وأيروسيات شعراء الحقيبة! فكلاهما على الدرجة نفسها من الغزل (المهذب)! (فالحقيبيين ورثة الجاهليين!)
°°°
وهنا تحضرني محاكمة إتحاد الكتاب السودانيين الشهيرة، للروائي الراحل الطيب صالح في خريف 1988 تلك المحاكمة الصورية، التي تمنى فيها الطيب صالح وقتها، أن لوكان هو فعلا مصطفى سعيد، كما يقول (ممثل الاتهام!) على خلفية (آيديولوجيا السترة والعيب) التي تمكنت من الوجدان الثقافي السوداني.
°°°
والذي يطلع على (التراث العربي–– الاسلامي) في هذا السياق، فإن مفاهيم مثل: التهذيب والحشمة، والسترة والعيب، آخر ما يمكن أن تنطوي عليها (قواميس أسروداته وأشعاره وفقهه!)
°°°
وربما لهذا السبب بالذات، أصيب من أطلقوا على انفسهم (سلفيين) من جماعات اسلاموية بالهلع، لمعرفتهم هذه الحقيقة، التي ينكرونها بوعي تام، في سعيهم لاقناعنا أن هذا التراث (منزها عن كل مجون وابتذال)!
فالحقيقة التي لاشك فيها، أن (أجيال الحداثة) و(ما بعدها) ملائكة في التهذيب، مقارنة (بالاسلاف الجاهليين) والعصور الاسلامية المختلفة، بدء بفجر الرسالة، مرورا بالخلافة العثمانية، وصولا لخلافة آل سعود (رض)!
فحريم الصحابي، أو شيوخ القبائل أو السلطان أو الملك أو السلفي المختل! دوما أكثر عددا من زوجات الناس الطبيعيين! ما يدل على أن أجدادنا القدماء هؤلاء طماعين وغير قنوعين، ومفضوحين، وكلها صفات غير مهذبة!
ولا شك عندي أن لهذه الاسباب ولغيرها، يكذب السلفويين اليوم، (برسم صورة مثالية) محتشمة (للماضي)، لا توجد سوى في خيالهم المريض، يلوون بها عنق التاريخ والحقيقة، التي مفادها: "أن أجيال اليوم أكثر تهذيبا من أسلافهم!"
فإذا استثنينا كتب التراث، التي ألفها علماء وفقهاء مسلمين معتبرين، كجلال الدين السيوطي، والتي على شاكلة (رجوع الشيخ إلى صباه)، و (الوشاح في فوائد النكاح) و (ديوان أبي حُكيمة) و (رشف الزلال من السحر الحلال) و (نواضر الأيك في معرفة ال…) و (نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب) و (تحفة العروس ومتعة النفوس)، إلى آخره من مئات الكتب التي على هذه الشاكلة!
نجد أصدقاءنا أمثال حيدر حيدر ومحمد شكري و ربما سلمان رشدي، لا يساوون مثقال ذرة بالنسبة لهؤلاء!
ولو اكتفينا بكتاب مهذبين مثل الجاحظ، نجد أن "البيان والتبيين" لم يتردد في تسمية الأشياء باسمائها! وكذلك (الف ليلة) رغم (البتر من خلاف) لكل ما أعتقد (حراس النوايا) أنه اباحي مبتذل!
ومع ذلك نجد أن جوهر الوجدان الثقافي العربي، (قليل الأدب هذا) في العصور اللاحقة، حاول التعبير عن نفسه كما هي، رغم أنف النقاد (المحجبين)، فنقرأ ما نقل عن الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان، في "عشيقاته" شعرا جريئا، يجعل من قامة شعراء كنزار قباني يتوارون تواضعا!
مع أن أشعار طوقان ليست بذلك المجون، الذي يمكن توصيف أعمال الشاعر اللبناني (جوزف نجيم)! أو الشاعر العراقي حسين مردان به! ولحسين مردان ديوان "قصائد عارية" وهو مواز لرواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال"، وقد تعرض لمحاكمة أخلاقية، سعت للعصف بشاعره، وزجه قسرا في جهنم! مع إبليس وبناته الحسناوات وعياله الغلمان!
كما (قتلوا؟!) أيضا الشاعر اللبناني جوزيف نجيم قتل بطريقة غامضة، في 1983 إلا أنهم لم يستطيعوا قتل شعره، الأيروسي، الذي ليس بإمكان المهتمين تجاوزه،!
°°°
لم تكتف الرقابة الأخلاقية، بمصادرة ديوان حسين مردان وتقديم الشاعر لمحاكم النظام العام العراقية وقتها، (الخمسينيات)! بل سعت لعزل الشاعر باعتباره وباء إلى أن مات كمدا!
ومما لا شك فيه من خمسينيات القرن الماضي حتى الان، كل الشعراء والكتاب الذين وصفوا بالمجون، كمحمد شكري وحيدر حيدر، ونزار قباني.. باستثناء حسين مردان، تقل قامتهم جميعا عن (الشاعر الرجيم) بودلير أو حسين مردان فهاهو مردان يقول:
"لقد رضعت الفجور من ثدي أمي وترعرعت في ظلال الفجور!!". أولم يقل محمود درويش:
(أنجبتني أمي في إناء الموز وارتحلت!)..
وفي قصيدة حسين مردان "براكين" نجده يقول:
"أنا لم أرَ بركاناً يتفجر، أشد مما يتفجّر به صدرُ امرأة"
ويعلن في قصيدة "زرع الموت":
ابليس والكأس والماخور أصحابي° نذرتُ للشبق المحموم أعصابي مِنْ كل ريانة الثديين ضامرة ° تجيد فهم الهوى بالظفر والناب!
وفي "لعنة ابليس":
لم أؤمن بالحب يوماً. لكن هذه الفتاة لست أدري لمَ لا أستطيع نسيانها. لقد ذهبت، وقد لا أراها مرة ثانية. ولكن نظرتها ستظل تنبش في عظامي إلى الأبد!
وعند مردان أن المرأة:
لا تعبد إلا الرجل الذي يخضعها لشهوته!
°°°
والحقيقة لم يكن مردان (واحدا أحدا)، فقد مضى على خطى أسلافه كالياس ابوشبكه ف"أفاعي الفردوس" بمثابة تؤام غير شقيق ل(قصائد عارية) وكذا "أغاني الربيع" للشاعر فؤاد بليبل. فكل هؤلاء في أشعارهم في النساء، تتخطى غرائزهم وجدانهم!..
فعند فؤاد بليبل نجد أن المرأة هي الحاضر الأبرز في قصائده:
أشم منها جسداً يسفكُ فبعضها يريح في بارد دغدغة، مثل لقاء لها .. تتقن أن تعرى فتعرى، كما فأبيضٌ ينزع من أبيض، فصدرها يضيء في لفتة، وتوقظ النهدين مغمورة.
°°°
وقد يلاحظ المهتمون، أن ثمة تناصا بين (نجيب سرور في هجائه العاري لوطنه (مصر) في ديوانه (ك...ميات نجيب سرور) الذي لم يترك فيه من قاموس الشتائم لوطنه مصر وشعبها (فرضا ناقصا) إذ وصفهم بما فيهم وما ليس فيهم!
ولكاني أظن أن شاعرنا السوداني (محمد الواثق) حاول تهذيب منهج سرور في هجاؤه المدن السودانية! فله (أجر واحد للفشل!)..
°°°
وثمة كاسيتات باصوات شعرائها، كنا نستمع إليها في بيت صديقنا القاص والروائي صديق الحلو رئيس رابطة الاصدقاء الأدبية بكوستي، في منتصف وأواخر ثمانينيات القرن الماضي، قال شعراؤها الذين سنحتفظ باسمائهم، ما تتضائل قامة نجيب سرور و ومردان دونها، في وصفهم لعلاقاتهم بحبيباتهم أو ما يشتهون من نساء!
°°°
ولذلك عندما رأى الطريفي، التومة بنت جبر الدار تدخل محل (أدوات التجميل) عبرت في خواطره كل هذه الأمور. فالطريفي كجار جديد للتومة، انتقل ليسكن في البيت المجاور لدارها، في المجمع السكني نفسه. كان حريصا على التعرف الى جيرانه، خاصة ان كان من بين هؤلاء الجيران، نساء فاتنات لم يتزوجن بعد، فقد نالت منه العزوبية ما يكفي، وآن أوان أن يترجل عن صهوة (جاهلييها وحقائبها وسراويلها) وهلمجرا..
وللمفارقة صادف الطريفي جارته التومة، أكثر من مرة (تقدل كالوزينة) عابرة الطريق، إلى حيث محل (أدوات التجميل) في الجانب الآخر من (الزلط) وفي كل مرة يقف متلصصا على مفاتنها من بعيد!..
°°°
التومة مثل كثيرات مأزومات من لونهن الأسمر! وعمقت فيهن الأزمة أكثر، إعلانات التلفزيون، الداعية لـ (تبييض الوجه والبشرة)، والتي تتم بعلم السلطات الطبية، ويروج لها بواسطة الأجهزة الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية، دون أن يتوقف أحد في الأضرار الصحية والنفسية الناتجة عن التقشير، ونزع البشرة، كنزع الثياب، قشرة فقشرة، في مثل مناخ هذا البلد ذو العجاج والكتاحات وعصار الشيطان و الحرارة القاتلة!
°°°
ورغم نصائح (بعض الأطباء) المبنية على دراسات مفزعة! عن الآثار الكارثية لمستحضرات التجميل و تبييض البشرة، التي يضخها التجار في الصيدليات، والسيوبر ماركتات والأكشاك، والفراشين على الأرض، وأصحاب الطبالي والباعة المتجولين.. دون حسيب أو رقيب!
ظلت نسبة استيراد مستحضرات وأدوات التجميل، أعلى من استيراد (أدوات وعناصر ومعينات ومواد الانتاج). ما يعني أن مستحضرات التجميل ظلت تركل الانتاج والدخل القومي في مؤخرته، كلما حاول الوقوف على (حيلو!)..
خاصة أن نظام الحاكم العام السابق وحزبه الحاكم، بدلا عن تطوير مشاريع انتاج الاحتياجات الاساسية، أحالها الى الصالح العام، وبالمقابل دعم الاستثمار المبني على الاستيراد الاستهلاكي لمواد كمالية غير ضرورية، مع إلغاء دور المؤسسات الانتاجية، وهيئة المواصفات والمقاييس، وحماية المستهلك (رغم أنها ليست من مؤسسات الدولة الرسمية!)، فليس مهما أن يصاب المواطن بأمراض مجهولة، نتيجة استيراد مواد غذائية مصرية فاسدة!
أو بضائع مجمعات القمامة و (الكوش) العالمية، منتهية الصلاحية، التي تدفع دولها لمن يخلصها منها، حفاظا على بيئتها!
ولذلك مشكلة مستحضرات التجميل المستوردة، مركبة ففضلا عن خطورتها كمواد كيميائية، فهي أيضا غالبا منتهية الصلاحية، ما يضاعف خطرها!
°°°
ومثلما قتل الشعراء (الجاهليون العنصريون) المرأة البيضاء غزلا، (تجرس) شعراء البلاد الكبيرة، (وبكوا.. وتكسروا تكسيرا شديدا) في اللون الأسمر بكل مشتقاته: (أخدر وخمري والخدرة الدقاقه.. الناره حراقة..)..
وذلك لأن المهمة التاريخية النبيلة لشعراءالحقيبة في (كهوفهم) (الأمدرمانية السحرية النزقة) كانت إقناعنا أن اللون الأسمر (فرز الهي أول) يجب الاحتفاء به، و(الألوان الأخرى تدرجا إلى الابيض)، هي فرز (ثاني وثالث ورابع وخامس، الخ..) وعلى أحسن الفروض (صناعة صينية مضروبة) لافساد الذائقة الإنسانية اللونية، التي حجتها العدل ملك الألوان (الأسود) حسب عقيدة (عُمد وشيوخ) اللون وقبائلهم من "(ملونين وتشكيليين ونحاتين وخطاطين ومصممين و(بوهيجية!))"..
°°°
ولا شك أن (الجنجويد) الذين جاءوا إلى بلادنا من (جزيرة العرب) وتزوجوا (حبوباتنا) (الزنجيات) نتجت عن عملية المصاهرة هذه، مجموعة من (الفروزات) على قاعدة الفرز المذكورة أعلاه!
ترتب عليها (درجات السمرة): "من خدرة وخدرة دقاقة وخدرة ناعمة وخدرة مطبوخة وخدرة مفرومة، وخدرة بالطوة وخدرة لايوقة الخ..) إلى مالانهاية من (فروزات تعسفية!)
الأمر الذي (أصل) لعمليات (الفسخ والجلخ والشلب والانبراش) بلا حدود! بفتوى رسمية من زعيم الخوارج (عبد الحي) مع أن الادعاء (السياسي التطميني العام) للسمراوات أن (السمار نص الجمال) لأسباب انتخابية، يتسق مع الاحتفاء بالتنوع، (لاحتفائه بنصف الجمال فقط) وتركه النصف الباقي، (كله) للألوان الاخرى، بمافيها الأبيض، لهدم العملية التعسفية، (ربط معايير الجمال باللون الأبيض) (حصرياً –– لا شريك له)..
°°°
المهم، المشكلة ليست في نساء بسيطات كالتومة، فحتى اللائي تلقين تعليماً مدنيا في أرقى مؤسسات التعليم العالي، لديهن الهواجس والظنون نفسها، التي لدى التومة!
إذ يعتقدن أن سر جمالهن يكمن في تغيير لون بشرتهن (الأسمر) إلى لون (أبيض)، فيما الجهات الطبية المسؤولة، وأجهزة إعلام الدولة واجهزة الاعلام الخاصة، تتواطأ جميعها، لتسويق هذه المنتجات الخطيرة!
مقابل أتعاب السمسرة ومقاولات الباطن وشبكة العلاقات التي تقوم بتسهيل كل الخطوات!
°°°
و لا شك أن آسلافنا كانوا من الذكاء بما يكفي، ل(يدلعون) هذا اللون الأسود الذي تسبب في مشاكل خطيرة، كالاسترقاق والاستعمار، للتخفيف من نسبة الجرائم التي قد تتم بسببه، فأعطوه أسماء أقل خشونة (كالأخدر الليموني، و الأسمراني - وأخدر لونو زرعي - وأزرق– خمري.. وحديثا زولي الأخدر كان شفتو بخدر).
ورغم أن مزاج أهل البلاد الكبيرة، يرى جمال اللون الأسود والأسمر دون لبس، إلا أنه سعى بكل الحيل لتفادي الربط التاريخي للأسود (رمز القبح، في النظم الدلالية العنصرية) بمعكوسه الأبيض رمز الجمال (في النظم الدلالية نفسها)!
ويبدو أن هذا (اللف والدوران)، حول اللون الأسود، عمق من أزمة أهل البلاد الكبيرة، في إحساسهم وتذوقهم للألوان، فصارت النساء تبذلن الغالي والنفيس في سبيل تقشير ألوانهن للتبيض، ولو تمكن من تبديل بشرتهن لفعلن!
فظلت المجهودات التي بذلتها البنات (الناشطات في أغنيات البنات) في غنائهن للون الأسمر، والمجهودات الجبارة للشعراء الذين تأزموا من لون نسائهم، فقرروا خداع الأجيال اللاحقة بتجميل اللون الأسود، في أوسع عملية تسويق يشهدها تاريخ اللون!..
كل هذه المجهودات النبيلة ضاعت هباء منثورا! اذ ليس هناك منطق علمي يسند: أن كلما زاد اسمرار بشرة الفتاة، كلما كانت بشرة هذه الفتاة ناعمة، وزادت ليونة جسدها ونعومته، وطغت أنوثتها على ملامحها! والا لما ارتادت هذه الفتاة (أن كانت مقتدرة) محلات أدوات التجميل والكوافيرات والجيمانيزيومز!
°°°
وفي الحقيقة من روج (لقبح اللون الأسود) بشكل واسع الانتشار هم (السلفيون، الفرقة الناجية!) و(اليهود)، باعتقادهم أن (الله أختارهم) دونا عن بقية البشر، لانهم أصل (السامية البيضاء)، بالتالي هم (أبناء الله!) ولذلك رفضوا المسيح (شكلا وموضوعا)، إذ اراد مشاركتهم (الانتساب الجيني) ل(الاسرة الالهية المقدسة!).
مثلما رفضت (الفرقة الناجية المزعومة) كل المذاهب، وأمسكت بذيل ذاك الوهابي الداعشي المختل، الذي يتصور أن الله جالسا على كرسي في السماء!
°°°
ومن المفارقات أن محرري الأخبار، الذين يستشعرون الأزمة، عندما يرد إسم قارة أفريقيا، يقولون (القارة السمراء) فيما الذين يسمون الأشياء بأسمائها من محرري الاخبار، يحرصون على كتابتها (القارة السوداء) دون تخفيف لحدة وقع اللون، على مسامع الذين يتابعون الاذاعة والتلفزيون!
أمر هؤلاء وأولئك مع (ملك الألوان –– الأسود) غريب، فقد اتهموا من قبل (قابيل) بقتل شقيقه (هابيل)، زورا وبهتانا، لأنه لا يريد الزواج من (شقيقة أخيه السوداء!) مع أن الرجلان اختلفا مبدئيا في وجهات النظر، واتخذا العنف وسيلة لحل ذلك الخلاف الكوني، الذي لا ندري طبيعته بالضبط!!..
°°°
وهؤلاء الذين اتهموا (قابيل)، هم أنفسهم (دعاة السامية)، الذين أدعوا أن (المسيح رجل أبيض)، مع ان (الحقائق الجينية) تؤكد أنه (أسود)، إستنادا إلى (الكنيسة السوداء!)
ولأسباب مثل هذه وتلك لتمييز شعبه (كشعب مختار) لا يعقل أن يكون هناك شعب مختار سواه، وقع على عاتف (الفوهرر أدولف هتلر)، المسؤلية الرسالية والتاريخية ب(القضاء على اليهود)، بانشاء معسكرات الاعتقال الجماعي، وأعمال السخرة، وأفران الغاز، أو ما تم تعريفه (بالهولوكوست!) فبنظره لا يمكن أن يكون هو و (النبي موسى) في (سرج واحد) كلاهما مختار!
°°°
ولذلك مزاعم رجال مختلين كهتلر (الآري) و موسوليني (الفاشي) وهيديكي توجو (ركيزة العسكرة اليابانية)، والمجرم الدموي عبد الحي يوسف، كان لابد أن تفضي لحل الاختلاف في وجهات النظر عن طريق العنف!
وفكرة (الشعب المختار)، تنسحب أيضا على الطائفيين، أدعياء الانتساب لبيت (المصطفى) (ص)، فقد تم إصطفائهم، فهم (أشراف) فيما الآخرين الذين لا يدعون الادعاء نفسه، لا شرف لهم! فقد خلق (هؤلاء العبيد) لخدمة أسيادهم الأشراف!
ولذلك ليس غريبا أن يتبنى الأمريكان المسيحيين، واللادينيين، في عصرنا الحالي، نكاية في كل هؤلاء وأولئك، النظرية نفسها (الشعب المختار) ولكن على خلفية التنوع، فيتم تخصيص ميزانيات خرافية لانتاج وترويج فيلم Matrix.. الذي يخرج لسانه لكل الأديان، من واللات والعزى، والالهة المتعددة إلى الإله الواحد!
المفارقة هنا تكمن في كون أن هذه الفكرة، هي نفسها فكرة (المسيح المنتظر) و (المهدي المنقذ) مع تعديل بسيط، إذ يتحول العنف من وسيلة بشرية لحل الخلافات حول وجهات النظر، إلى وسيلة الاهية لملء الأرض عدلا بعد ان ملئت جورا وظلما!
أحمد ضحية
كولشيستر يناير 2020

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.