كانت أول حركة سياسية صومالية تم تأسيسها في لندن عام ١٩٨١, إذ سبقت الحركة الوطنية الإسحاقية والتي تم الإعلان عنها في بريطانيا، وشارك فيها شخصيات عامة ومثقفة مقيمة في بريطانيا والولايات المتحدة، والغرض من التأسيس كان بدافع إيجاد تنظيم وحدة وطنية، ومعارضة موحدة لنظام الصومالي انذاك، حيث ضمت مجموعة من السياسيين والمثقفين الصوماليين وأبرزهم رئيس الوزراء الصومالي الراحل عبدالرزاق حاجي حسين، ووزراء منشقين وهم علي خليف جالير،أحمد محمد محمود( سيلانيو)، وإبراهيم ميجاج سامتر.

وكانت فكرة تأسيس التنظيم تتمحور عند رؤية أن الصومال تمثل وحدة سياسية في حاجة لتغيير سياسي ينطلق من برامج وحشد شعبي، إلا أن الفكرة لم تشهد النجاح نظرا لتاثر البعض من المشاركين في الحركة بارتباطتهم العنصرية، وبذلك إنتهت المحاولة منذ البدايات.

موضوعيا يمكن القول أن العديد ممن شاركوا في تلك المحاولة لم يكونوا يملكون ميزات تمكنهم من الانخراط في مثل هكذا مشروع سياسي يستند على أرضية المواطنة وذلك بعد تجاوز إمكانياتهم السياسية والعلمية، ومن شاركوا في تلك المحاولة التنظيمية السياسية أيضا لم يكونوا جبهة بالمفهوم السياسي، بل مجرد شخصيات عامة غلب عليها طبيعة التكنوقراط.

ومع فشل تأسيس واستمرار حركة الصومال أولا، أتضح جليا أن مستقبل الصومال سينتهي إلى الهاوية, وأن من تصدروا الحركة لم يكونوا قادرين على صياغة آفاق صومالية، وفي المقابل لم تكن هناك معارضة أخرى يعول عليها، خاصة وأنها كانت ذات نزعة عنصرية وجاءت من رحم العصبية القبلية، والمفارقة أن بعض من كانوا أعضاء في حركة الصومال أولا إنتهوا عند الإسحاق أولا.

وفشل الفكرة وقف ورائه عدم ظهور شخصيات وطنية ذات مصداقية تتصدر الفكرة وليس الحركة تحديدا, كان ذلك بحد ذاته يمثل سقوط صومالي، فمن كانوا سببا في أزمات المجتمع الصومالي قبل ذلك التاريخ المشار له وفيما بعده تصدروا الحركة ذات العمر القصير, وكان حتميا أن يفترقوا وأن لا يلتقوا على مشروع سياسي وطني.

والكثير من الصوماليين تبهرهم عادتا الشخصيات التي انظمت للحركة وذلك بحكم حضورهم السياسي في المشهد الصومالي, إلا أن المؤكد أنهم لم يكونوا يوما محل إجماع صومالي، وأن رئيس الوزراء السابق عبدالرزاق حاجي حسين كان أكثرهم مصداقيتا.

ولم يكونوا يشكلوا مقاربة مع شخصيات على غرار مؤسسي حزب جامعة الشباب الصومالي, ياسين عثمان شرماركي, عبدالقادر سخاء الدين,الحاج محمد حاجي حسين، والذين مثلوا كرموز لثورة الصومالية ضد القوى الاستعمارية الأوروبية التي كانت مسيطرة على التراب الصومالي قبل استقلال أجزاء منه.

وشكلت تلك التجربة القصيرة من عمر الحركة، كفرصة سانحة مرت على الصوماليين، كان يمكن دفعها في ظل تحقق ظروف ذاتية أفضل وبغض النظر عن ازدواجية الشخصيات التي إلتحقت بها، إلا أن مجرد التصور بحد ذاته كشعار كان بالإمكان أن يتم تنميته في إتجاه تراكمي وبالمحصلة أن يسهم في إنقاذ الصومال.

وتكمن فرادة الموقف أن ذلك الكيان التنظيمي كان هيئة محاولة لخلق واقع وحدة وطنية، وفي حال نجاحه كان سيمثل مدخل لتكريس الوحدة الوطنية، أما النتيجة فقد أسفرت عن أن البعض لهم برنامج على قطيعة مع الصومال، وآخرين فاقدي المصداقية وبالمحصلة فإن من تبقى المجموعة بدورهم لم يستميتوا لأجل ميلادها وتطويرها، وهكذا انقسموا ما بين باحثين عن السلطة وعاجزين عن خوض معركة الصوماليين.

فالحركة عجزت عن التوجه لشعب وحشده واستقطاب نخبه، ولم تقدم برنامج سياسي واضح المعالم لمستقبل البلاد، كما إنها لم تستطيع إستثمار عدم ارتباطها بدول ذات خصومة مع الصومال، ولم تقدم ذاتها كحركة وحدة وطنية ليلتف حولها المواطنيين، إذ أضاعت كل الفرص التي كانت متاحة لها، وبذلك أتاحت المجال لقوى العصبية القبلية أن تنتشر بين أوساط المجتمع.

والمفارقة أن اليسار الصومالي ممثلا في الجبهة الديمقراطية لتحرير الصومال، اختاروا في عام ١٩٨٣ أن يندمجوا مع جبهة الخلاص الصومالي القبلية، وذلك تحث مظلة أطلق عليها الجبهة الديمقراطية لإنقاذ الصومال، وكان ذلك الحدث جنازة أخر قوة مدنية، فالقاسم المشترك ما بين حركة الصومال أولا والجبهة الديمقراطية، أنهما تخلى عن مصالح ومستقبل شعبهم لأجل مصالح سياسية ضيقة.

وبطبيعة الحال فإن التعويل أن يأتي التغيير من خلال تلك القيادات التي تصدرت حركة الصومال أولا، مجافي لحركة التاريخ وحاجاته، وأن الضرورة كانت تقتضي بديل نخبوي أفضل، إلا أن الفكرة هنا تكمن في أن إستمرار الحركة كان سيسهم بشكل ما في منحى النضال الوطني والديمقراطي، وأن المراهنة على حركة التاريخ كانت قادرة بأن تدفع دماء ووجوه أفضل لقيادتها تنظيميا، وإمكانية قطع الطريق على القوى الفاسدة والعصبية.

خالد حسن يوسف
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.