مما لا جدال فيه ان اصلاح المؤسسة العسكرية بكافة تشكيلاتها هو هدف اساسي لثورة ديسمبر المجيدة، بل هو هدف مركزي لكل جهود صناعة الاستقرار السياسي وبناء الديمقراطية في السودان. فالحكم الديكتاتوري الذي جثم على صدر السودان على مدى السنوات الثلاثين الماضية لحكم البشير لم يكن نتاجا لحكومة الجبهة القومية الاسلامية (بتنويعات اسماءها المختلفة من لدن جماعة الاخوان المسلمين وجبهة الميثاق والجبهة القومية الإسلامية من ثم المؤتمر الوطني بانشطاراته المتعددة) وحدها، بل كان نتاجا لتحالف سيئ السمعة بين الاخوان المسلمين بايدولوجيتهم ذات الطبيعة الاقصائية والتي تفترض في نفسها امتلاك الحقيقة النهائية المطلقة، وبين طبقة العسكرتاريا السودانية بتنشئتها ذات الطبيعة المعتادة في دول ما بعد الاستعمار، والتي تفترض دورا للمؤسسة العسكرية يعلو على ادوار جهاز الدولة ويفوقها.
يخلق هذا الافتراض الشعور الطاغي عند العسكرتاريا بانهم الاقدر على ادارة البلاد ومخاطبة الجماهير. لهذا الوهم في دولة ما بعد الاستعمار أسباب كثيرة ليس هذا المكان لمناقشتها. ولكن اقول ان هذا التحالف سييء السمعة لأنه يقتل روح الايدولوجيا ويفسد مؤسسات الجهاز العسكري الرسمية. ومقتل اي ايدولوجيا على مدار التاريخ الانساني كان مثل هذا التحالف هو المدخل اليه، عندما ينقلها من مجال الصراع الفكري الذي تبحث فيه وتقوم عليه، لتستقوي بعنفوان البندقية وتمتطي برج الدبابة فتتنزل على الناس اطروحاتها من علو زائف، مسكون بوهم التفوق المادي على الاطروحات الاخرى. الوهم الذي تغذيه سكرة القوة... تسنتصر الايدولوجيا حينها بقوة البندقية والدبابة بدلا من الحجة والتماسك الفكري، فتهمل تطوير وتقوية مكونها الفكري والحججي والمنطقي العقلاني، مستندة الي سلطتها المبنية على قوة البندقية. وهو ما يضعفها تدريجيا الي ان تصبح مجرد تبريرات كلامية خاوية للقمع والبطش والشمولية. يغذي تحالف الايدولوجيا والعسكرتاريا الخلل الجيني في الايدولوجيا -اي ايدولوجيا- الذي يدفعها باتجاه التحول الي وعي زائف للواقع، يغالب بالتجريد الذاتي والمقولات المتناقلة شفاهةً والسرديات الكبرى، إعمال العقل في قراءة وتحليل الواقع والتعامل معه ومع متغيراته. لتندفع بشكل قسري في محاولات اعادة تشكيله بما يتفق مع تلك المنطلقات الذاتية المثبتة مسبقًا كحقائق مطلقة لا تقبل الجدال حولها ولا التفكر والتأمل فيها. تتحول الايدولوجيا حينها الي مراة تستقوي بالنظر داخل الذات (والاعجاب بها) بدلا عن منظار نقدي لقراءة الخارج وتحليله بشكل موضوعي.
يسئ هذا التحالف الي موسسة الدولة العسكرية والامنية بجهة اخرى، فهو ينزعها عن اداء دورها المهني المناط بها في تركيبة الدولة الحديثة، كمدافع عن الامن ووالبلاد ولها مهمة خدمية مهمة ومحترمة في الدفاع عن مواطنيها -كل مواطنيها- بشكل محايد ومتكامل، ليحولها الي منظومة سياسية تتدافع مع القوى السياسية الأخرى في التنازع في ميادين الحكم والاقتصاد والشئون الاجتماعية، وتدخل جراء ذلك في تحالفات سياسية -فما الحراك السياسي سوى الصراع بين التحالف والتحالف المضاد- تنزع عنها صفة الحيادية، وتجعلها منحازة بشكل يفقدها شرعيتها وشرعية احتكارها لممارسة العنف القانوني بسلاح الدولة. ويمتد ذلك لأن تفقد الدولة/الحكومة التي يسود فيها هذا المنهاج شرعيتها بالكامل وشرعية وجودها بالاساس. فالدولة الحديثة هي كيان اتفق فيه مواطنوه على يوكلوا لجهاز الحكومة مهام ادارية وخدمية محددة في حيز مكاني محدد، سواء كانت تقديم خدمات صحية او تعليمية او اجتماعية او تقديم خدمات حفظ القانون وحماية الامن. ومقابل ذلك التزموا في عقدهم الاجتماعي بان يترك لها إدارة ثروات البلاد وتصريف الشئون الجمعية بما فيه المصلحة العامة، وايضا احتكار السيطرة على جهاز عنف رسمي (قوات نظامية) تملك وتستخدم السلاح لحفظ وحماية هذه التركيبة عبر تنفيذ القوانين المجازة والمتفق عليها. وخلقوا من اجل الحفاظ على ذلك نظم رقابة ومحاسبة (Check and Balance) متبادلة عبر تقسيم السلطات بين منظومات الدولة الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية. ينهار كل هذا البناء المتوازن الذي يمنح الدولة شرعيتها في لحظة الانحياز السياسي لجهاز الدولة الخدمي لصالح فئة من مواطنيها ضد اخرى. ولكن وزارة الصحة او وزارة التعليم او بقية الموسسات الخدمية لا تملك سلاحا يجعلها قادرة على ترجمة هذا الانحياز المعيب والفاضح الي ارض الواقع السياسي، بينما القوات النظامية (او التي يفترض فيها ان تكون نظامية) تستطيع ذلك وتفعله وفعلته مرارا في دول الجنوب العالمي، وفعلته في السودان اكثر من مرة، لتحول بشكل فعلي شرعية الدولة في هذه البلاد من كونها نابعة من دورها الخدمي المحايد لأن تكون مستندة الي قوة السلاح وادوات القمع. وهذا ما شاهدناه ليس في تاريخ الانقلابات العسكرية الثلاثة في السودان فحسب، بل وايضا في كتاب الحروب الاهلية في السودان. فحين تصبح القاعدة ان السلاح هو اداة الممارسة السياسية الذي تعتنقه الدولة، لا يمكنك ان تنكر على حركات الكفاح السياسي المسلح ان تستخدم نفس الاداة للانتصار لاطروحاتها السياسية. تضع المؤسسة العسكرية الامنية مستعينة بما تتحكم فيه من سلاح، نفسها فوق جهاز الدولة الطبيعي، وبطبيعة الحال خارجه، فلا يمكن لأي مراقب ان ينكر على اي مواطن اخر ان يفعل ذات الشيء الذي يمارسه مواطن اخر للانتصار لرأيه. ففي غياب القاعدة الملزمة للجميع -وخصوصا صاحب القوة- يصبح محاكاة الخصم واستعارة وسائله بغض النظر عن صحتها هي القاعدة، والدولة اولى بما لها من سيادة على الاخرين بالالتزام يالقواعد واتباعها.
جاء وهم هذا التفوق والاستعلاء عند المؤسسة العسكرية الامنية بشكل عام في دول ما بعد الاستعمار في الجنوب العالمي -الافريقي على وجه الخصوص- من رحم معارك الاستقلال من الاستعمار الاجنبي. حيث خاضت قوى عسكرية وطنية نضالها المسلح من اجل نيل الاستقلال الوطني من المستعمر، وافترضت في نفسها القدرة على ادارة بلدانها بعد الاستقلال بنفس الطريقة التي كانت تدير بها جيوشها. حين كان يعلو صوت الضبط والربط والاوامر واتخاذ القرارات المصيرية وسط دائرة ضيقة على صوت الديموقراطية والمشاركة الواسعة في ادارة الشأن العام واتخاذ القرارات بمشاركة ومشاورات واسعة. وبالطبع اصبح معيار الاداء الحكومي حتى في الجوانب الخدمية الاخرى للدولة ليس الجودة والقرار الصائب، بل سرعة اطاعة الاوامر ومدى الانصياع لها. وسرعان ما تحول ذلك الي طغيان صرف وديكتاتوريات صريحة وفتح ابواب الفساد وسوء الادارة والانهيار في كافة مناحي الحياة، وتحول ابطال الاستقلال الوطني الي محض طغاة فاسدين سيئ الذكر كما حدث لروبرت موغابي في زيمبابوي ولكن الاخطر من انهيار تاريخ الاشخاص هو تركة المؤسسات الشائهة التي خلفوها وراءهم.
في السودان، كان الوضع مختلفا بعض الشيء. فالموسسات المدنية وعلى رأسها مؤتمر الخريجين والأحزاب المدنية كانت صاحبة القدح المعلى في نيل الاستقلال الوطني. وجاء نيل الاستقلال نفسه نتيجة لعملية سياسية. فتم بناء نظام سياسي مدني - بديمقراطية منقوصة شوه بناءها الاقصاء لبعض مكونات النسيج الاجتماعي السوداني وعدم الاتفاق على شكل الحكم المحلي وغير ذلك- تولى فيه المدنيون مقاليد الأمور. الا ان ضعف طبقة النخبة السياسية ادى بسرعة الي فقدان المؤسسة العسكرية لاحترامها للموسسة السياسية المدنية وبالتالي تضعضع التزامها بمبدأ خضوع المؤسسة العسكرية والأمنية للإشراف والقيادة المدنية. ونقرأ ذلك مقرونا مع وجود السلاح واستخدام الموسسة العسكرية في الممارسة السياسية في الاساس في صفحات كتاب الحروب الاهلية في السودان والتي اندلعت منذ ١٩٥٥ قبل الاستقلال ولكن تظل انتهازية النخبة السياسية هي العامل الرئيسي. وفي كل الاحوال ادى ذلك الي نفس النتيجة بوجود المؤسسة العسكرية الامنية فوق جهاز الدولة وخارجها بطبيعة الحال.
جاء الانقلاب العسكري الاول بحكومة الجنرال عبود في ١٩٥٨ في بحر عامين من الاستقلال كتمظهر اول لهذه الخلاصة السابقة. فقد حدث الانقلاب نتيجة لصراع سياسي مباشر استعان فيه احد اطرافه بقوة الجيش لحسمه. وكما ورد في شهادات متواترة عن عبود نفسه انه اصدر الاوامر بالانقلاب تنفيذا لتوجيه مباشر من رئيس الوزراء يومئذ حين رأى الافق السياسي المدني مسدودا امامه. وحاول النظام العسكري الاول ان ينأى بنفسه عن الايدولوجيا السياسية ولكنه كان في ذات الحين -ولو عن غير وعي- يخلق ايدولوجيا الطبقة الحاكمة بضبطها وربطها الذي تستعين على تنزيله بجهاز العنف الرسمي (القوات النظامية). ذهب نظام عبود بقضه وقضيضه بثورة جماهيرية كاسحة في اكتوبر ١٩٦٤ ، كانت شرارتها تضجر النخبة المدنية (طلاب جامعة الخرطوم) على ممارسة استخدام البندقية في ممارسة العمل السياسي (حرب الجنوب). دون ان نهمل بالطبع العمل السياسي المنظم من الاحزاب السياسية طوال فترة حكم عبود من اجل استعادة الديمقراطية، وهي التي لا تتذكر اهميتها الا حين تفقدها. ذهب نظام عبود ولكن فتح شهية العقائديين في السودان الي المؤسسة العسكرية كاداة سهلة وقوية للوصول الي الحكم بدلا عن التدافع السياسي المدني. وزاد من شهيتهم للسلطة عبر الانقلاب العسكري ان كل المحاولات العسكرية ضد عبود - وضد النظامين العسكريين الآخرين في تاريخ السودان على سبيل الذكر - قد فشلت ولم تنجح غير الهبات الجماهيرية الكاسحة في الاطاحة بهم. والايدولوجييون مسكونون بايمانهم في عقائدهم وبمدى صوابها، فلا يتخيلون ان الجماهير ستثور وتملأ الشوارع ضدهم لتطيح بهم وهم يفعلون الصواب والصحيح من الامور في ادارة الدولة حسب ما يعتقدون. فتحت هذه الشهية الباب على مصرعيه للانقلابات العسكرية المؤدلجة في السودان. فجاء انقلاب نميري في ١٩٦٩ بتقلباته الايدولوجية وجاء انقلاب الجبهة القومية الاسلامية في ١٩٨٩ بتطرفه الاقصائي وذهبا ادراج الرياح بنفس وسيلة شعبنا العتيقة والمجربة: الثورة الجماهيرية الكاسحة... ولكنهما كلفا شعبنا ودولتنا الكثير.
كانت الكلفة الأكبر هي أدلجة المؤسسات العسكرية والأمنية وافرادهم عبر القرب By Proximity . فكما اصبحت الطاعة هي معيار كفاءة الاداء ومسار الترقي في المؤسسات الخدمية المدنية، اصبح الحرص والتفاني في حماية نظام الحكم الأيديولوجي هو المعيار في المؤسسة العسكرية. فوظيفة القوات النظامية لم تعد حماية الوطن والبلاد والحدود بل تحولت لحماية نظام الحكم الانقلابي والدفاع عن مقاعد حكمه، وفي ذلك تستعين الانظم الايدولوجية بالهيمنة الثقافية للتبشير بأيديولوجيتها ونشرها كاداة وإسكات المعارضة الشعبية. ويكون اول ضحايا ذلك هم درعها الحامي في القوات النظامية. فشهدنا في عهد الانقاذ اعتناق او تماهي كثير من قادة الموسسة العسكرية التي يفترض فيها الحياد لأيديولوجيا الإخوان المسلمين بصورة عملية بغض النظر عن خلفياتهم الفكرية والثقافية، ولكن هذه الايدولوجيا والدفاع عنها اصبح جزءاً من واجبهم ووظائفهم الرسمية ومهامهم التي يودونها بشكل يومي وروتيني.
ذهب نظام المؤتمر الوطني بثورة ديسمبر المجيدة، والتي يحق لها بعظمة تضحياتها وتضحيات شهدائها وابطالها ان تكون اخر الثورات السودانية وان تستمر من اجل انتاج نظام سياسي مدني مستقر يتيح للسودانيين نيل حقوقهم والتمتع بالحياة الكريمة في بلادهم دون يكون جزاءهم الموت والعذاب في هواها. ان يريحوا انفسهم من كتابة القصائد والهتاف والنضال وينظروا بعين الإبداع والرغبة في صناعة الأفضل الي المستقبل. ولكن هذا لا يمكن ان يحدث دون كسر الدائرة الشريرة للانقلابات العسكرية التي تقطع الطريق امام انتاج السودانيين لنظام حكم مستقر في بلادهم، يتم فيه تداول السلطة بشكل سلس وتكون فيه ادوات التدافع السياسي هو الرأي والرأي الاخر والحكم فيه الناس والمجتمع وليس البندقية الاقوى او الحربة الاطول كما كان تاريخ السودان السياسي منذ غزو محمد علي باشا. ولكي يحدث ذلك، ينبغي ان ننظر الي ما حدث الأسبوع الماضي من تمرد او انقلاب هيئة العمليات التابعة لجهاز امن النظام السابق ككارثة قومية ووطنية حقيقية. فهولاء مواطنون سودانيون متساوي الشراكة في هذه البلاد لكن لا تزال تعميهم الايدولوجيا وبقايا امتيازات العنف السياسي لحماية النظام المخلوع، من رؤية الطريق الي المستقبل الافضل الذي يتشارك بناءه كل اهل السودان. هولاء الذين يحاولون حبسنا في اقفاص الماضي الكالح هم ضحايا اجرام وتخريب ممنهج استمر على مدى ثلاثين سنة. افسد المؤسسات والعقول. ما حدث يضعنا امام مواجهة واجب عاجل، وهو ضرورة اصلاح المؤسسة العسكرية باعادتها لتصبح جزءا من جهاز الدولة وداخله، وليست مشرفا عليه من فوقه او حارسا على ممارسته. وهذا يجب ان يحدث بمشاركة مدنية واجتماعية واسعة تقودها الحكومة المدنية الانتقالية -مجلس الوزراء ورئيسه بالتحديد بما لهم من قبول اجتماعي وشعبية كاسحة- وتشارك فيها الاحزاب السياسية المدنية في وضع قواعد الخدمة العسكرية التي تحفظ المؤسسة العسكرية من الانحياز السياسي و من الاستعانة بها في الوصول الي مقاعد السلطة ونسير جميعا في ركابها... لتعيد لهذه المؤسسات العسكرية والامنية احترامها الطبيعي كاحد الاجهزة الخدمية ذات الطبيعة المهنية الخاصة، وان خضوعها للادارة والاشراف المدني لا يختلف عن خضوع بقية اجهزة الدولة كوزارة الصحة او الرعاية الاجتماعية او التعليم وليس خصما عليها. بل ان ما يخصم منها في الحقيقة هو الوضع غير الطبيعي الذي تحاول البقاء فيه بفرض مشاركتها السياسية.
ان السودانيين يصنعون المستقبل الان بخياراتهم والطريق يصنعه المشي... فاما ان نختار من الامور أصلحها من اجل بناء مستقبل افضل نصنعه هنا والان، واما ان نكتب على انفسنا الدوران في دوائر مغلقة لا تمضي بنا الا مكانك سرك.