عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الزيارة التي قام بها رئيس وزراء الحكومة الانتقالية في السُّودان الدكتور عبد الله آدم حمدوك ووفده، وبعض الدبلوماسيون الأوروبيون، بالتحديد وحصريَّاً، وممثلو الأمم المتحدة بالخرطوم، ما كانت لتتم أو لتتحقَّق أبداً لو لا إرادة وحكمة رئيس الحركة الشعبيَّة والقائد العام للجيش الشعبي لتحرير السُّودان- شمال، ورئيس السلطة المدنيَّة للسُّودان الجديد، الفريق عبد العزيز آدم الحلو الذي أحسن استقبال ضيوفه كبادرة تاريخيَّة غير مسبوقة من ثائر إلى رئيس دولة ظل يحاربها لأكثر من ثلاثين سنة، إلا فترات متقطعة من الهدنة القصيرة. فما قام به الدكتور حمدوك بالذهاب إلى كاودا، معقل الحركة الشعبيَّة الحصين وعاصمة السُّودان الجديد (في الوقت الراهن)، خطوة لا يقدم عليها إلا النبلاء والعظماء من الرجال. إذن، الرجلين تجمعهما شجاعة وقوة إرادة ليس بعدهما مثيل . فقد يسأل سائل ما الدافع للإقدام لخوض مثل هذه المغامرة من الرجلين؟ نجيب أنَّها الرغبة الأكيدة وصدق النوايا بينهما لإحلال السلام والأمن والاستقرار لوطنهما السُّودان الذي أنهكته الحروب نتيجة فشل أبنائه في إدارة تنوُّعهم العرقي والإثني، وتعدُّد ثقافاتهم، ومعتقداتهم الدينيَّة، إلخ...

بيد أنَّ السلام يرتكز على أربعة أركان هي: الثقة، والإرادة، والقبول ثم التأييد. فالثقة قد توفَّرت بين القائد الفريق الحلو ورئيس الوزراء الدكتور حمدوك، فلو لا هذه الثقة لما حصل اللقاء التاريخي. يبقى الشرط الثاني وهو الإرادة السياسيَّة من الجانبين، خاصة الجانب الحكومي الذي ينبغي عليه الاستجابة لمطالب الثوار التي لم تعبِّر عنها قوى الحرية والتغيير في الوثيقة الدستوريَّة – ولو ضمنيَّاً، ولا حكومة الأمر الواقع في الخرطوم صراحة. غير أنَّ الحركة الشعبيَّة قد تناولت تلك المطالب ونادت بها على الملأ وبوضوح: "علمانية الدولة" بكل ما تحمله الكلمة من معاني سامية، كما كتب عنها الكثيرون، وليس لنا ما نضيف هنا. وحين تصر الحركة على مبدأ فصل الدين عن الدولة فهي تعي تماماً أنَّ تحقيق شعار الثوار "حرية، سلام، وعدالة" لن يتحقَّق إلا بعلمانيَّة الدولة لأنَّ الدين أي دين ينحاز لمعتنقيه خاصة عندما يستغل لأغراض سياسيَّة. التجربة السُّودانيَّة بعد تطبيق قوانين سبتمبر 1983م حتى الآن خير دليل على ذلك، ولا يحتاج لأي كائنٍ ما كان الإتيان ببينة لدحض ذلك إلا المغالين في الدين بجهالة. فالحرية التي لا تتعدى على حقوق الآخرين مطلب أساسي للتعبير عن المظالم، وكما أنَّ السلام مرهون بالسماح بالتعبير عن المشكل وتناوله بالموضوعيَّة والمنطق السليم. أما العدالة فهي دالة الحرية والسلام.

عوداً لموضوع الزيارة، إنَّ الدعوة التي قدَّمها رئيس الوزراء للحلو لزيارة الخرطوم إشارة إيجابيَّة غير أنَّها تفتقد إلى عناصر هامة، وقد تكون ذاتها رد فعل عاطفي سوداني بحت، ينم عن المجاملة المفرطة بين السُّودانيين وتجنُّبهم قول الحق خوفاً من الإحراج. ولعلَّ رئيس الوزراء على علم بأنَّ الأحكام المختلفة التي صدرت بحق منسوبي الحركة الشعبيَّة منذ العهد البائد خاصة في المناطق التي كانت تحت سيطرته تزال سارية، فضلاً عن ذلك أنَّ الفتوى التي أصدرتها الحركة الإسلاميَّة في اجتماعها بتاريخ 2 أغسطس 2011م بوجوب إهدار دم أعضاء الحركة الشعبيَّة وبالضرورة رئيسها الفريق الحلو. بيد أنَّ الهدر لا يخضع إلى أية محكمة بل ينبغي قتلهم وقتما لاحت الفرصة لذلك. بالاضافة الى تلك فذاكرة النوبة لا تزال تختزن الفتوى التي أذيعت في الناس من مدينة الأبيض عام 1992م بواسطة علماء السلطان ضد الحركة الشعبيَّة وكل من يقطن المناطق التي تقع تحت سيطرتها أو كل من يتعاون أو يتعاطف معها – بشبهة أو لمجرَّد انتمائه لإثنيَّة النُّوبة - فهو كافر خارج من ملة الإسلام. ولا شك في أنَّ تلك الفتوى الجائرة عانى منها النُّوبة كثيراً، سواء أكانوا في الديارين: "دار الحرب" أو في "دار السلام" كما قسَّم النظام السابق السُّودان.

وعلى الرغم من كل ما لحق بجماهير الحركة الشعبيَّة استقبلت جموعها الكثيرة الدكتور حمدوك بحرارة لا مثيل لها حتى أذرفت عيناه دموعاً لهول ما لاقاه وما رآه منهم بعينيه من حفاوة الاستقبال، لأنَّهم لم يأخذوه بجريرة من سبقوه في حكم البلاد وأذاقوهم مرارة الحياة وسلبوهم حريتها. بالطبع هذا ديدن النُّوبة منذ زمن بعيد وقلما تجد كرمهم في أي مجتمع. فعندما تحدَّث الدكتور حمدوك الجماهير مخاطباً أمام وسائل الإعلام المختلفة، العالميَّة والإقليميَّة والمحليَّة توقَّعنا سماع شيئاً جديداً في الخطاب، تكرار قراءة برنامج الحكومة الانتقالية إلا من باب توضيح كيفيَّة المضي قدماً لحل القضايا التي من أجلها ثار شابات وشباب قطاعات الشعب السُّوداني ما عدا الإسلاموعروبيين. فمثلاً كنا:
(1) نأمل إعلان العفو العام وإلغاء الأحكام الصادرة بحق جميع أعضاء الحركة الشعبيَّة وإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين الذين سجنتهم حكومة المخلوع البشير بغض النظر عن إنتماءاتهم السياسيَّة والحزبيَّة، وحركات الكفاح المسلح الأخرى. صحيح لقد تم العفو عن منتسبي بعض الحركات ولكن بعد توقيعها اتفاقيات جزئيَّة مع قادتها. إنَّنا نعتقد أنَّ المنبر كان مناسباً لاتخاذ مثل هذه الخطوة لإظهار حسن النوايا لتحقيق السلام إنفاذاً للوعد المضروب بتحقيقه خلال ستة أشهر، مع علمنا باستحالة ذلك.
(2) إلغاء فتوى الجهاد ضد النُّوبة الذين وقع عليهم ظلمٌ عظيم.
(3) الضغط على مالك عقار "الحركة الشعبيَّة للديمقراطيَّة والمواطنة"ونائبه ياسر عرمان لإطلاق سراح أعضاء الحركة الشعبيَّة – شمال من معتقلات تنظيمهم، الذي ليس له وجود فعلي على الأرض في مناطاق السُّودان الجديد.
عدم إعلان أي مما ورد أعلاه يدعو إلى القول بإنَّ الدعوة المقدَّمة إلى الحلو لزيارة الخرطوم كانت ناقصة من حيث عدم الإعداد الجيد قبل التنفيذ أو المجيء إلى كاودا. مثلاً يبدو أنَّ رئيس الوزراء لم يحط علماً بالقضايا الملحة لمواطني المنطقة وماذا يريدون لتطييب خواطرهم نتيجة ما لحق بهم من مظالم ليطمئنوا أنَّ السلام آتٍ بحق وحقيقة. وكما كان ينبغي الإجابة على الأسئلة الخمس (5-W’s) قبل حزم حقائب الرحلة لكاودا، وإن كان قد أجاب على بعضها. إذن المراقب لما يجري في الساحة السياسيَّة السُّودانيَّة بعين فاحصة وسوية يرى أنَّه ليس من الصعب تلبية الدعوة فحسب، بل من غير المنطق ولا من الحكمة لأي معارض حقيقي يتفاوض مع الحكومة الآن أن يزور الخرطوم دون ضمانات مشهودة ومتفق عليها لعدة أسباب بالإضافة إلى ما ذكرناه. وللاختصار نذكر:
أولاً: لم يتم التوقيع على اتفاقية سلام بعد والتي تضمن حماية الزائر والوفد المرافق له من أفعال الذين يتربَّصون بهم وبالحركة. وإذا تمت التلبية ستكون أول بادرة في تاريخ الثورات التحرُّريَّة. وفي هذه النقطة نذكِّر أنفسنا وغيرنا أنّ الحلو أعدَّ نفسه جيداً ليطرح قضية السُّودان المحوريَّة، وأمَّن سلامة وصول ضيوفه إلى كاودا وعودتهم منها إلى الخرطوم بالتنسيق المحكم مع مؤسسات الحركة بمستوياتها المختلفة. وقد ظهر ذلك في التنظيم الجيد، فلم تحصل أية تفلتات أمنيَّة أو الإخلال بالنظام العام أثناء الزيارة. ويرجع كل ذلك للتفويض الكامل من كل مؤسسات الحركة العسكريَّة، والأمنيَّة والاستخباراتيَّة، والسلطة المدنيَّة، ومن جميع رجال الدين الإسلامي والمسيحي في المناطق المحرَّرة، وتأييدها لقيادة الحركة. وهذا بالضبط والربط ما نعنينا بالتدعم الجماهيري كركن أساسي يقف عليه السلام.
ثانيَّاً: لا يزال في الخرطوم قوم ظالمون يتحيَّنون الفرص لإلحاق الضرر بالآخرين. فما تناوله بعض الكتاب وأئمة المساجد عقب زيارة رئيس الوزراء والوفد المرافق له لكاودا غير مشجِّع في الوقت الراهن. علاوة على ذلك هناك تفلت أمني غير مسبوق من عناصر النظام البائد في جميع أنحاء السُّودان، وما أحداث الكافوري وسوبا، والأبيض والفولة من تمرد، وكذلك ما يسمى ب "الزحف الأخضر 2" بمدينة ود مدني إلا دليلاً على هشاشة الوضع الأمني الداخلي في السُّودان.
ثالثاً: من غير المنطق ولا من المعقول مقارنة وضع وموقف الفريق عبد العزيز آدم الحلو وفريقه مع مواقف كل الذين عادوا من جوبا أو غيرها إلى الخرطوم، ممن إدعوا معارضة النظام السابق، سواء أكانوا في شكل جماعات أو أفراد، فأولئك أثبتت الأيام ما لديهم من أسباب خاصة وواضحة لكل الشعب السُّوداني. إذن، يأتي السؤالان الهامان كيف عادوا إلى الخرطوم قبل توقيع اتفاق سلام شامل؟ وهل أدت عودتهم إلى الخرطوم إلى إسراع عمليَّة السلام أم ما زالت ترواح مكانها مع ملاحظة أنَّ الستة أشهر المضروبة قد انتهت؟ ومهما يكن من أمر، نتمنى أن تثمر الجهود التي تبذلها حكومة جنوب السُّودان للتوسُّط بين الفرقاء السُّودانيين للوصول إلى سلامٍ دائم لأنَّه هدف إستراتيجي بالنسبة للحركة الشعبيَّة دون مزايدة سياسيَّة حزبيَّة أو دينيَّة، وهو أيضاً الطريق الوحيد لاستقرار السُّودان وتنميته لرفاهية مواطنيه.