وصل رئيس مجلس الوزراء السوداني د. عبد الله حمدوك، يرافقه وفد رفيع من الحكومة الإنتقالية، اليوم الخميس 9/1/2020م إلى مدينة (كاودا) بجبال النوبة/جنوب كردفان، وهي معقل الحركة الشعبية- شمال، وكان في إستقباله قائد الحركة الشعبية- شمال عبد العزيز الحلو وسط استقبالات حاشدة من مواطني المدينة.

ويعتبر حمدوك أول مسؤول سوداني حكومي، يصل (كاودا) منذ أكثر من 10 سنوات، وطالما تنمى الرئيس المخلوع عمر البشير زيارة المنطقة بعد الانتصار على الحركة الشعبية وهو ما لم يتحقق له حتى خلعه من سدة الحكم.
(وقال حمدوك في تغريدة "أنا ممتن لأكون جزءاً من هذه اللحظة التاريخية المهمة. لحظة نعترف فيها جميعاً بدورنا الفردي والوطني من أجل تحقيق السلام والاستقرار في السودان". وأضاف "الاستماع إلى أهلنا في كاودا وتقديم حلول طال انتظارها من أجل إنهاء الصراع هو أمر أساسي لتحقيق السلام المستدام".
وتابع في تغريدة ثانية "منذ العام ٢٠١١م ظلت المساعدات الإنسانية غائبة عن كاودا، ولاننا ندرك تمامًا أهمية مواصلة تقديم المساعدات للمحتاجين. نحن في حكومة الفترة الانتقالية سمحنا لمنظمات العون الإنساني بتقديم العون لأهلنا هناك وفي كل أنحاء البلاد، وسنستمر في ذلك لأننا نرى أن هذا يُعد حقًا إنسانياً للجميع".
ووصف حمدوك زيارته لكاودا بالتاريخية والمهمة، موضحاً أنها تأتي تلبية لدعوة كريمة تلقاها من القائد عبد العزيز الحلو رئيس الحركة الشعبية(شمال)، وقال "هذه فرصة عظيمة لأؤكد لأهلنا في كاودا ولكافة السودانيين في كل ركن من أركان بلادنا الحبيبة أن حكومتكم الانتقالية تسعى جاهدة لتحقيق السلام الشامل والعادل، وأنها تُولي إهتماماً متعاظماً بجميع مناطق السودان، خاصة المناطق المتأثرة بالحرب والتي ظلّت مهمشة لعقود طويلة".
وزاد "أننا ندرك حقاً حجم المعاناة والظلم الذي تعرض إليه أهلنا هناك كما ندرك ونقدر كفاحهم ونضالهم من أجل بناء سودان يسع جميع السودانيين بتنوعهم واختلافاتهم".)
عزيزي القارئ..
أولاً/ نحترم السيد عبدالله حمدوك رئيس وزراء السودان ونقدر الجهود التي يبذلها منذ تكوين حكومته الانتقالية من أجل تحقيق أهداف الثورة السودانية المجيدة لإنهاء المظالم في كل السودان حتى يتساوى الناس على أساس المواطنة دون تمييز أو إقصاء.
ثانياً/ نصدق السيد حمدوك عندما قال " أننا ندرك حقاً حجم المعاناة والظلم الذي تعرض إليه أهلنا هناك كما ندرك ونقدر كفاحهم ونضالهم من أجل بناء سودان يسع جميع السودانيين بتنوعهم واختلافاتهم". نصدقه، لأن الرجل (من عِندنا)، إذا جاز لنا استخدام هذا "الوصف الجهوي"، إذ المقصود به، كوّن الرجل من جبال النوبة/جنوب كردفان ويعرف معاناة ومآسي أهالي المنطقة أكثر من الأفندية الذين تأتي بهم حكومات "المركز" لحلحلة مشاكلهم التأريخية المزمنة.
إذن زيارة السيد عبدالله حمدوك لقلعة كاودا الحصينة، كانت تأريخية فعلاً من جهة فشل النظام السابق دخولها بقوة السلاح لثماني سنوات. وكان خطابه أمام الجماهير الغفيرة التي تدفقت لرؤيته واستقباله، أيضا تأريخي لأنه أول مسؤول سوداني كبير يزور المنطقة. لكن السؤال المهم الذي يدور في ذهن الجماهير التي قدمت لإستقباله وفي ذهن أي سوداني حر، هو، هل تكفي النوايا الحسنة والخطابات الرنانة لجلب الاستقرار وتحقيق عملية السلام في السودان؟
في تقديري ومع خالص احترامي لرئيس الوزراء كما قلت، فإن هذه الزيارة لا تعدو كونها زيارة علاقات عامة واتضحت ذلك من خلال لجوء السيد حمدوك في خطابه إلى إستخدام مدغدغات للعواطف، كالوطنية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، ومثل هذه الخطابات تنطلي على أهالي المنطقتين الذين سئموا سماعها سنينا طوبلة دون ادنى النتائج.
شعب المنطقتين سئم الإنتظار والوعود الجوفاء، فهو يريد أفعالاً وليس أقوالاً، وعليه نستطيع القول، ان القضية ليست اماني تسطر، وهي ليست خطب رنانة فارغة يلوك بها اصحاب المنابر والتي سرعان ما تنتهي وتذهب ادراج الرياح حال نزول الخطيب من على منبره الوفير.. إنما القضية هي ان شعب المنطفتين بطبقاته وفئاته المحرومة تنتظر من يقف بحق الى جانبها ويجسد مصالحها قولا وفعلا وذلك بتطبيق النظام العلماني ودولة المواطنة المتساوية..
لقد جربت جماهير شعب المنطقتين وعلى مدى أكثر من ستين عاما، الأنظمة العسكرية الديكتاتورية والأنظمة القائمة على الديمقراطية المزيفة المزورة، فلم تحصد غير خيبات الامل المتكررة والمستمرة والتي جسدت مصالح بيوتات واشخاص وطوائف محددة همّها الاول والاخير الاثراء والتسلط والتعالي على الفقراء وطموحاتهم ومصالحهم..
جماهير المنطقتين لم ولن تنخدع بالخطب المبهرجة والمزركشة مرة أخرى، ولا بالخطب المعسولة من على المنابر المتعالية عليها. إنها تميز بين القول والفعل، ولم تعد تصبر على المماحكات والتصارع غير المبرر في الوقت الذي تعتاش الشخصيات المتنفذة صاحبة الجاه والوجاهة على تطاحن هذه الجماهير بفئاتها وطبقاتها المعدمة..
عزيزي القارئ..
وإذا كانت زيارة عبدالله حمدوك لكاودا مهمة على الأقل من الناحية الشكلية، الإ أنها في الحقيقة الأمر لا جدوى منها، وذلك للأتي:
1/مفاوضات السلام التي بدأت بين الحركة الشعبية والحكومة الانتقالية في أكتوبر من العام 2019م بمدينة جوبا ما زالت تراوح مكانها.
2/العقلية التي تدير مفاوضات السلام في جوبا لا تختلف عن عقلية المؤتمر الوطني البائد.
3/السيد عبدالله حمدوك حقا يريد تحقيق سلام حقيقي في السودان لكنه واقع بين مطرقة (قحت) وسندان الشق العسكري بمجلس السيادة.
4/رفض وفد الحكومة الانتقالية في جوبا للنظام العلماني الذي طالبت به الحركة الشعبية يفرغ زيارة حمدوك لكاودا من أي مضمون موضوعي.
إذن وإزاء ما ذكرناها في الأعلى، فإن هناك عقبات حقيقية تقف أمام نجاح السيد عبدالله حمدوك في مهمته الصعبة بإنزال ما جاء في خطابه التاريخي بكاودا على أرض الواقع. لكن إذا اراد حمدوك النجاح، فعليه القيام بالآتي:
1/على حكومته الإمساك بملف السلام السوداني في جوبا وابعاد العنصر العسكري عن هذا الملف الشائك جدا.
2/على حكومته الإعتماد على خبراء محليين واقليميين ودوليين ومعاهد متخصصة في مجال صنع السلام.
3/على السيد رئيس الوزراء وضع "قحت" عند حدها وعدم السماح لها بالتدخل في شئون حكومته.
4/على السيد رئيس الوزراء تقديم الأفعال على الأقوال بالإنحياز للنظالم العلماني لأن دون هذا النظام لم ولن تتقدم السودان شبرا واحدا للأمام.
5/المجتمع الدولي كله يقف خلف الحكومة الانتقالية، فعليها أن تنتهز هذه الفرصة النادرة جدا بإخراج السودان من أزماتها التأريخية المزمنة من خلال قرارات جريئة وشجاعة دون اعتبار لقوى الحرية والتغيير وجماعات الإسلام السياسي والسودان القديم التي تتحرش بها من وقت لآخر، فالقائد الفعال هو من يجعل الظروف تعمل لصالحه.
على العموم، تمنياتنا لحكومة حمدوك النجاح في مسعاها لتحقيق السلام وانتشال السودان من أزماتها التأريخية.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.