عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


كانت ردود الأفعال لاستعلاء ياسر عرمان ومحاولته في الاستخفاف بالآخرين غاضبة ومنطقيَّة، وذلك كما جاءت كثيرة عقب قراءة القرَّاء للحلقة الأولى من مستهل هذه الحلقات التي سوف نوردها تباعاً. ففي هذه الحلقة نبدأ تعليقنا على مسألة تقرير المصير التي كتبها عرمان بأسلوب ركيك لا يرقى إلى أي مستوى من مستويات اللغة العربيَّة التي تعلَّمناها، فقال كلاماً غير صائباً ولا بليغاً لغة ولا مضموناً. خاصة المثل الذي ضربه بخصوص "البقرة" التي يريد صاحبها بيعها بمائة جنيه، ولكن قبل بخمسين جنيهاً فقط. إذ استقدم ياسر ذلك المثل ليعلِّل أنَّ الحركة الشعبيَّة كشفت عن وستقبل بحدها الأدنى للتفاوض.
على أيَّة حال، فقد واصل ياسر ترهاته ليتساءل:"كيف لمفاوض أن يكشف حده الأدنى في التفاوض؟" فإذا رجعنا إلى الوراء قليلاً إلى إحدى جولات التفاوض التي ترأسها ياسر كثرت عليه الأسئلة مثل: "النُّوبة دايرين شنو؟" أجاب: "دايرين الحكم الذاتي بصلاحيات أوسع للمنطقتين". ونحن نسأله وقد يستفهمه غيرنا، أيضاً، بسؤالين ذات صلة: أولم يسمع بأنَّ في البيع والشراء ما يسمى بالمفاصلة أو المفاوضة أو المساومة في الثمن بغرض التخفيض؟ وهل سمع أنَّ بائعاً وضع السعر الحقيقي لبضاعته دون هامش فائدة حتى ولو بسيطً. بيد أنَّنا نعلم ونعي أنَّ هناك حالات نادرة يحدث فيها النزول عن السعر الحقيقي تفاديَّاً للخسارة أو الخروج من المعاملة بأقل خسارة.
مشكلة ياسر في الإجابة عن "النُّوبة دايرين شنو"، هي أنَّه لم يحدِّد آلية تنفيذ مقترحه الذي درج على ترديده بمناسة وبدون مناسبة، ولا فكَّر في تداعيات استخدامه لها بهذه الطريقة غير المسؤولة. ثم من خوَّل ياسر عرمان للمطالبة به آنذاك أو في أي وقت؟ على أية حال، يمكن تعريف الحكم الذاتي بأنَّه "ترتيب سياسي وقانوني لسكان إقليم معيَّن يتميَّز عن الأقاليم الأخرى عرقيَّاً، وإثنيَّاً وثقافيَّاً"، لإدارة شؤونهم الداخليَّة. هذا هو الحكم الذاتي كمصطلح أممي. نظريَّاً يمكن أن يحقِّق نوعاً من المساواة والعدالة الاجتماعيَّة بين جميع القوميات والأعراق والأديان والمذاهب وكافة مكونات المجتمع بشرط إبعاد القوانين المجحفة والظالمة من أجل تطبيق هذا النظام.
ففي حالة السُّودان اعتقد ياسر عرمان وبعقليته القديمة بأنَّه لا توجد الاشتراطات التي تحقِّق قيم العدالة والمساواة لأنَّ فيها تهديد للامتيازات التاريخيَّة للنخب الحاكمة أياً كان توجههم أو الجهات التي أتوا منها أو ميولهم القبليَّة. إذن، الحكم الذاتي الذي يعنيه ياسر المشحون والمشبَّع بعقلية بعض نخب الوسط النيلي الإقصائيَّة، هو أن يتم تعيين "كوكو/"كاكا" أو "حميدان/خادم الله"، أو "أبكر/فاطمة" أو حتى "أحمد هارون" ليكون حاكماً/حاكمة على الإقليم لتنفيذ سياسة المركز الإقصائيَّة الظالمة وغير المتسامحة لخلق أجواءً من الجفاء والحروب الدائمة. فياسر لم يخطر في باله حتى الآن ما هي الأسباب التي دفعت أبناء الهامش السُّوداني لحمل السلاح في وجه شيطان السلطة في المركز.
أياً كانت فحوى الحكم الذاتي الذي اقترحه ياسر عرمان، لم يكن ذلك هو السقف الأعلى للحركة الشعبيَّة التي كان عضواً فيها، لأنَّ الحركة الشعبيَّة تهدف إلى"بناء سودان جديد على أسس جديدة، سودان ديمقراطي عادل، وعلماني". وأما مقترح ياسر فمرفوض لديها مثلما رفضه وفد الحكومة التفاوضي؛ وكما السُّودانيون في الداخل والخارج عند سماعهم بالمقترح، لا لسبب غير أنَّهم لا يريدون ما فيه الخير للنُّوبة، كونهم لا يشعرون بمعاناتهم. فتجارب الحكم الذاتي في العالم فشلت تماماً. فمثلاً لم تفشل التجربة في جنوب السُّودان فحسب، بل اندلعت على إثرها الحرب التي أدت في خاتمة المطاف إلى انفصال الجنوب بسبب تعنُّت وتمترس النخبة السُّودانيَّة التي رأت في نفسها حق الحكم، في خندقها القديم: الاستعلاء الديني، والاجتماعي، والثقافي وتخيُّل النقاء العرقي للعروبة. كذلك تجربة الأكراد في شمال العراق آيلة للفشل، وكذلك في أماكن أخرى كثيرة، فلماذا يصر ياسر على تجريب المجرَّب الفاشل في الإقليمين؟
يتضح أنَّ ياسراً استخدم خيار الحكم الذاتي بطريقة سيئة للغاية في قضية استراتيجيَّة ومصيريَّة، فكلَّفه ذلك، ومن اتَّبعه، ثمناً عالياً وغالياً سياسيَّاً، واجتماعيَّاً وأخلاقياً لعدم التزامه الأخلاقي بالمبادىء التي حدَّدتها الحركة الشعبيَّة. فشعب جبال النُّوبة والنيل الأزرق قد سبق وأئتمن ياسراً على مصيرهما فخانهما بدليل محاولاته العديدة لتكوين أحزاب سياسيَّة بأسماء وأهداف مختلفة عن تلك التي حدَّدتها الحركة الشعبيَّة منذ تأسيسها. ومن تلك المحاولات "الحركة الشعبيَّة للديمقراطيَّة والمواطنة". تبع ذلك سعيه البائس لإبرام اتفاق مع النظام البائد لتسليم الجيش الشعبي لتحرير السُّودان – شمال لولا الثورة التصحيحيَّة في مارس 2017م ويقظة طلائع الحركة الشعبيَّة. أما مساعيه الحاليَّة تشير إلى الخطوات الجادة التي تسير بخطى حثيثة لتكوين جسم سياسي جديد أُقترح له اسم: "حركة السُّودان الجديد أو تيار السُّودان الجديد".
وما يثبت ذلك التمثيليَّة السريَّة التي عرضها في مكانٍ مجهول، سماه "المؤتمر القيادي" لحركتهم في الفترة من 16 أكتوبر – 13 نوفمبر 2019م. الغريب في الأمر أنَّ مؤتمرهم هذا تم تدشينه بعد سنتين وثلاثة أيام من تاريخ المؤتمر الاستثنائي للحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال الذي عقد في الأراضي المحرَّرة وحُشدت له الوفود من جميع المناطق المحرَّرة، ومن الداخل والخارج، وبأعداد كبيرة وتنظيم مشهود في 6 أكتوبر 2017م! وهل من الصدف أنَّهم ناقشوا في مؤتمرهم 20 ورقة في 18 يوماً مقابل 22 مشروع قوانين أجازتها الحركة الشعبيَّة بواسطة ممثلين من جماهيرها؟ كلا! كان مؤتمر الحركة الشعبيَّة عملاً منظماً وليس عشوائيَّاً، ولا وليد اللحظة ونشوة اللهفة والتلهُّف للحاق موائد الوظائف في الخرطوم. والأهم في الأمر أنَّ المؤتمر إيَّاه كان قد تمَّ بالموارد الذاتيَّة وبسواعد أبناء وبنات المنطقتين، ثم مثَّل ذلك الإنجاز العظيم ضربة معلِّم لياسر عرمان، وهو الذي سعى سعيَّاً حثيثاً طيلة فترة تقلُّده منصب الأمانة العامة للتنظيم في إحباط وإفشال أي تحرك للقيام بهذا المؤتمر، وكانت معاذيره المختلقة كثيرة، منها الادِّعاء بأنَّ الأوضاع الأمنيَّة غير مستتبة وغيرها.
وكما ذكرنا، من اللافت في الأمر أنَّ هذا المؤتمر – أي مؤتمر عرمان ومالك – لم يُعلن عن تأريخه ولا مكانه مسبقاً وسكرتارياته المختلفة، لذا خرج منه 22 قراراً (دون التوصيات)، أي بواقع قرار لكل ورقة. وما يمكن قوله عن هذه القرارات أنَّ معظمها عبارة عن: "أقطع، وألصق" من أدبيات الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان، بتغيرات طفيفة لزوم المكياج للتجميل، والبعض الآخر بتغييرات جوهريَّة لا تتفق مع مبادىء ولا أخلاقيات أو مفاهيم الحركة الشعبيَّة. أما النسب التي وردت في القرارات مثل 40-50% تمثيل النساء، و80% من السلطة التشريعيَّة لحركتهم وقوى الكفاح المسلَّح، و20% لقوى الحرية والتغيير؛ 70% من الموارد المنتجة للمنطقتين لمدة 10 سنوات، و50% كنسبة ثابتة، إلا محاولة رخيصة لجذب المناصرين. فإذا كانت حركة ياسر وعقار + الحركات المسلحة + قحت ستنال المجلس التشريعي، فما هو نصيب القوى "الوطنيَّة الديمقراطيَّة" التي أشار إليها ياسر في مقاله؟
على أي، ورد قراران مهمَّان يستحقان التعليق عليهما باختصار شديد: الأول "وحدة الحركة تظل خياراً إستراتيجيَّاً". فالسؤال أية حركة ووحدة؟ ومَنْ يوحِّد مَنْ"؟ إذا كان ياسر عرمان والذين معه يحلمون بالعودة إلى أحضان الحركة الأم بعد كل ما فعلوه، وبعد أن جرت مياه كثيرة تحت الجسر، فهذا أمر قد قال فيه شعب المنطقتين قولته. إذ بات الأمر يتعلق بالمؤسَّسات وهذه المؤسَّسات هي التي رفضت ولفظت عرمان وصحبه، وذلك حينما أيقن شعب المنطقتين بأنَّهم يسوقون الحركة الشعبيَّة إلى الزوال، وذلك بالتفريط المستعظم في مبادئ وركائز الحركة وقضايا شعوبها المحوريَّة. أما الأمر الثاني فهو متصل برفع "عضوية المجلس القيادي" من 12 عضواً إلى 30 عضواً. فنحن نعتقد أنَّ هذا على شاكلة المجلس الأربعيني لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم، وال 40 عضو في المجلس الأربعيني الذين حكموا السُّودان لمدة 30 سنة حسوماً، أو لنقل "علي بابا و40 حرامي". وكما يا لها من صدفة العلاقة بين 30/30 يساوي واحداً!
مهما يكن من أمر، فإنَّ مناورات ياسر هذه لن تنطلي مرة ثانية على الشعب السُّوداني الذي أُحيط علماً بسلسلة استقالات منسوبة إلى قياديين في تنظيمه، وكلهم أرجعوا أسباب تلك الاستقالات لقناعتهم بعدم جدوى البقاء في تلك الحركة لأنَّها خرجت عن المسار الصحيح لتحقيق السُّودان الجديد، فضلاً عن الطريقة العشوائيَّة والديكتاتوريَّة التي تدار بها التنظيم. ففي لقاء مع أحد المستقيلين بقناة 24 سودانيَّة، سمعناه وهو يتناول قضية تقرير المصير ورفضه لها بنفس سياق ونبرة مقال ياسر عرمان، مما يبرهن أنَّ هذه الاستقالات تعتبر مناورات عرمانيَّة، وأدوات لتعكير الأجواء التصالحيَّة التي بدأت تدب وسط الشعب السُّوداني، وإن كانت بخطى بطيئة وثابتة.
الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال، واضحة في مسألة حق تقرير المصير لكل أقاليم السُّودان، كما جاء في البند السادس من مخرجات المؤتمر الاستثنائي لها في أكتوبر 2017م. ففي حال تعنُّت المركز ولم تلتزم حكومة الأمر الواقع، أو أية حكومة في الخرطوم بمعالجة جذور المشكلة السُّودانيَّة في المفاوضات التي تجري الآن في جوبا عاصمة جمهوريَّة جنوب السُّودان، فسيكون تقرير المصير هو الخيار الأنسب. فياسر عرمان يعتبر ثورة مضادة لرغبات الشعب السُّوداني، بتناقضاته فيما يتصل بتقرير المصير، كما كشف عنوان مقاله: "قضايا الثورة والثورة المضادة في السودان".

نواصل...