بسم الله الرحمن الرحيم

محمد عبد القادر عبد الله أحمد
جامعة القصيم / كلية اللغة العربية
وحدة تعليم العربية للناطقين بغيرها
6/4/2018


مستخلص
يبدو من هذا الكتاب أن بوركهارت لم يكن مجرد رحالة يدوّن مايراه وما يسمعه بل بدا محللا لغويا ، له أدواته وخبراته ، التي يعملها في المقارنة والتحليل والتنبؤ ..
اهتم بوركهارت فيما دوّنه خلال هذه الرحلات بلغة النقوش القديمة والوسيطة ، ووصف الحدود الجغرافية للغات واللهجات ، كما تحدث عن لغات الشعوب التي عبر أراضيها ، والتداخل اللغوي . .
اهتم بوركهارت كذلك بالنواحي المعمارية ، والاقتصادية عموما ، والتجارية خصوصا ، والدينية ، والاجتماعية ، والثقافية ، والتاريخية ، وكل واحدة منها في هذا الكتاب تحتاج إلى بحث مستقل فهو تصوير شامل لكل تفاصيل الحياة لتلك الفترة من عمر بلادنا..
Abstract
It's detectable that Pork Heart is not merely traveller who jot down WHAT he has seen or heard , but throughout his work It's obviously revealed, the writer is the one who is really aperfect critical linguist who has used his own tools and experience, achieved successfully in analysis and predictions.
He gave his attention in what he has written about painting and symbols of old ages and those of the middle ages .
He described the geographical boarder of languages and accents. He talked about the nations he came across them and languages interaction. Pork Heart description the sort of commercial and trading situation in general and the commercial, religious ,social, historical and cultural in particular and each one of these scientific aspects deserves an independent research itself. The book represented comprehensive picture for details of life for our country in certain time .

مقدمة عن المؤلف والكتاب :
جون لويس بوركهارت ولد في مدينة لوزان سنة 1784 ، أبوه هو الابن الثامن لجون رودولف بوركهارت ، استهل الأب حياته في ظروف ممتازة ، ولكن حكم عليه بالإعدام بعد قيام الثورة الفرنسية بتهمة الخيانة ، ثم ظهرت براءته ، التحق بالفرقة السويسرية التي تعمل في خدمة إنجلترا ، وترك زوجته وأطفاله في بازل ، وفي هذا الجو المفعم بالأحداث ولد بوركهارت .
كان لويس بوركهارت صبيا طموحا لا تعوزه القدرة المادية ، ولا ينقصه الذكاء ،ولأن أسرته ميسورة ؛ تلقى الغالب من تعليمه على يد معلم خاص يزوره في بيت أبيه ، ولم يلتحق بدراسة نظامية إلا لمدة سنتين قضاهما في معهد بنيو شاتل .
حينما بلغ ستة عشر عاما من عمره أي في سنة 1800 حمله أبوه إلى جامعة ليبزج ، التي قضى فيها أربع سنوات ، ثم انتقل إلى جامعة جوتنجن ، وفي كلا الجامعتين كان طالبا مثاليا ، ذا مواهب ممتازة، ورغبة صادقة في المعرفة ، متمسكا بقواعد الشرف ، مرحا رقيقا ، صافي الطبع ، حظي بتقدير أساتذته وزملائه .
ترك جوتنجن في سنة 1805 ليلحق بأبيه ، فقد كان يريد العمل ، ولكن بعيدا عن فرنسا ، وكانت الدول الأوربية إما متحالفة مع فرنسا أو خاضعة لها . ولذا رفض وظيفة في السلك السياسي عرضها عليه البلاط الألماني .
ثم قرر في نهاية المطاف أن يرحل إلى بريطانيا التي لم تخضع بعد لفرنسا ، أو تتحالف معها ، فوصل إلى لندن في سنة 1806مزودا بكثير من التزكيات التي كتبها له أشخاص معروفون .
عرف بوركهارت الكثيرين من الأعضاء البارزين في الجمعية الإفريقية في بريطانيا للكشف عن إفريقيا ، وعلم عن طريقهم أن الجمعية قد قررت أن الأفضل لرحّالتها الذين تبعثهم للكشف عن إفريقيا أن يحاولوا الوصول إليها من الشمال لا من الغرب كما كانوا يفعلون .
لقيت أهداف الجمعية هوى في نفس بوركهارت ، الذي تميز بحب العلم ، ورجاحة العقل ، وروح المغامرة ، فتقدم عارضا خدماته ، فرحبوا به لما عرف عنه من خلق ، وشجاعه .
عرض طلبه على الجمعية في سنة 1808 ، وصلت موافقة الجمعية رسميا على طلبه في 25 يناير من سنة 1809 ، وفي فترة الانتظار انتقل إلى جامعة كيمبردج ، ليتعلم العربية ، والعلم الضروري ، الذي يعينه في رحلته ، فحضر محاضرات في الكيمياء والتعدين والفلك ، والطب والجراحة .
وقضت التعليمات الصادرة إلى بوركهارت بأن يسافر إلى سوريا أولا ؛ ليتقن اللغة العربية ‘ فهي مهمة له مادام يريد أن يدخل إلى إفريقيا عن طريق الشمال ، ليتسنى له العيش في بيئة قريبة ، أو مشابهة للبيئة التي سيتوجه إليها .
كان عليه أن يقضي عامين في بلاد الشام قبل أن يرحل إلى القاهرة ؛ ليصحب إحدى القوافل التي تسير منها إلى واحة مرزوق ، التي سيتخذ منها بداية لرحلته داخل إفريقيا .
بعث بوركهارت خطابا مؤرخا في 22مايو 1809 يقول فيه إنه سيسافر من مالطة إلى حلب كتاجر هندي مسلم ، اسمه إبراهيم بن عبد الله ، يحمل رسائل من شركة الهند الشرقية إلى قنصل بريطانيا ، الذي يعمل وكيلا للشركة في حلب ، . ويذكر أنه نحج في أن يظهر وهو في مالطة بالمظهر الشرقي الصحيح ، وأنه تدرب قدر المستطاع على الحديث باللغة العربية .
عاش بوركهارت عامين ونصف ، يضيف إلى معلوماته في اللغة العربية كل يوم شيئا جديدا ، كما يضيف إلى خبراته من أخلاق أهل الشرق وطباعهم ، وأحوال المجتمع الإسلامي .
كان مقررا لبوركهارت ألا تطول إقامته في الشام لأكثر من عامين ، ولكنه بعد أن أمضي عاما كتب إلى الجامعة بأنه رغم بذله لكل ما في وسعة لإجادة العربية إلا أنه يشعر بأن صعوبتها تجعل المدة الباقية غير كافية لتحقيق رغبته ، ويلتمس من الجمعية أن تسمح له بستة أشهر أخرى ، يقضيها في بلاد الشام ، وقد قبلت الجمعية طلبه .
في فبراير سنة 1812 غادر بوركهارت حلب بلاعودة ، ووصل إلى دمشق وأقام بها فترة ، ثم وصل إلى القاهرة في سنة 1812.
كتب بوركهارت رسالة في 13 نوفمبر سنة 1812 يتحدث فيها عن اعتزامه القيام برحلة برية إلى مصر العليا وبلاد النوبة حينما تسمح له حالة النهر بذلك ، وكان يأمل في أن تجعله هذه الرحلة ملما بطبيعة الأمم الإفريقية ، وسلوك تجار الرقيق ، فإن هذا سيسهل عليه المهمة ، وتوقع أن تستغرق رحلته خمسة أشهر .
وقد حقق بوركهارت القسم الأول من خطته على الصورة التي وصفها ، ولكنه قام برحلات هامشية في الصحراء النوبية كانت أوسع مما تعلقت به آماله .
استمر بوركهارت متخفيا خلال الفترة التي قضاها في مصر في زي تاجر مسلم بسيط ، وكان حريصا على ألا يكشف أمره ، أو تعرف أغراضه ، ثم بدأ رحلته النوبية الثانية في سنة 1814.
سافر بوركهارت من مصر إلى بلاد النوبة في السودان ومصر ، ثم وصل إلى حلفا ، ودنقلة ، والسكوت ، وأرض الشايقية ، ثم إلى الدامر، وبربر وشندي ، وعطبرة ، ثم إلى سواكن عن طريق التاكا ، ثم إلى جدة ، ولكن المعلومات المفصلة عن هذه الرحلة لم تصل إلى الجمعية إلا في سنة 1816 وهي التي تكوّن الجزء الأكبر من الكتاب .
وقد ساعدت بوكهارت معرفتُه بالعربية ، وعادات المسلمين على أن يمثّل دور المسلم بنجاح ، واستطاع أن يقيم في مكة موسم الحج كله ، وأن يؤدي مع الحجاج جميع المناسك ، دون أن يحوم حوله أدنى شك .
وقد أراد محمد علي - مرة - أن يختبر إسلامه ، ولم يكن يجهل أن بوركهارت على صلة بإنجلترا ، فدفع باثنين من كبار العلماء في الحجاز في ذلك الوقت ؛ لامتحانه ، ولمعرفة مدى علمه بالقرآن ، ومبلغ فهمه للشريعة ، وكانت النتيجة اقتناع عدد من الحاضرين بصحة إسلامه على الأقل .
حمل بوركهارت لقب حاج ، وهو لقب كان يعتقد أنه مهم لرحلاته المقبلة في قلب إفريقيا وجمع المعلومات من بلاد العرب ، ولكن بوركهارت لم يسترد عافيته بعد إقامته في بلاد الحجاز ، ولم يبرأ من الآثار التي سببها له جوّ الحجاز ، لقد كانت هجمات الحمى ، والزحار التي بدأ يعاني منها في بلاد العرب ، هي السبب الأول الذي أدى إلى وفاته بعد سنتين من عودته .
وفي فترة انتظاره للقافلة المتجهة إلى النوبة في القاهرة قام بوركهارت ببعض الدراسات المتصلة بالأدب الشعبي ، فقد بعث في يونية سنة 1817 مجموعة من الأمثال القاهرية ؛ ليوصلها إلى الدكتور هاملتون ويجعل عنوانها الأمثال العربية ، أو شمائل وعادات المصريين ، كما تصورها الأمثال العربية القاهرية ، وقد جمع فيها ( 782 ) مثلا تعطي صورة صادقة للمجتمع القاهري في ذلك الوقت .كما كتب بحثا عن (بدو الجزيرة العربية ) وآخر عن تاريخ الحركة الوهابية ، وحملة محمد علي إلى الحجاز ، كما ترجم ما كتبه المقريزي عن بلاد النوبة ، مع بعض الملاحظات جمعها من داخل إفريقيا .
وبالرغم من أن رحلات بوركهارت في بلاد النوبة ، والمعلومات الشفوية التي جمعها من المناطق الداخلية من إفريقيا هي وحدها التي تتصل بأغراض الجمعية التي يتمثل هدفها الأساس في تشجيع اكتشاف المناطق الداخلية من إفريقيا إلا أن دقة ملاحظاته ، وطرافتها عن المناطق المختلفة كبلاد الشام وجزيرة العرب دفعت الجمعية الإفريقية إلى أن تهتم بها جميعا ، فنشرت مذكراته عن بلاد النوبة في مجلد ، هو الذي بين أيدينا ، ونشرت كتاباته عن بلاد العرب في مجلد آخر .
وقد نشرت رحلاته في بلاد النوبة سنة1819 ، وأعيدت طباعتها في سنة 1822 .
كتب بوركهارت مذكراته بالإنجليزية ، التي لم يتعلمها في وقت مبكر من حياته ، كما أنه كتبها في ظروف غير مواتية ، كتبها كما يقول هو في زاوية من فناء مكشوف ، أو بجانب إبله تحت حرارة الصحراء وفي رياحها السافية وهو يشكو من رمد بعينيه .
ومهما يكن من أمر فلرحلة بوركهارت قيمتها العلمية حيث إنها تعطي صورة صادقة إلى حد كبير عن المجتمع النوبي ، وعن حياة العبابدة والبشاريين ، وعن أهل شندي والدامر وبربر ، والطريق إلى سنار ، في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي ، ولا يدعي أنه قد أحاط بكل شيء .
نشرت رحلات بوركهارت في سوريا وفلسطين في سنة 1822 ، وترجمت إلى الألمانية في سنة 1824 ، ورحلاته في بلاد العرب في سنة 1829 ، وقد ترجمت إلى الفرنسية، والإسبانية ، والإيطالية ، وترجمت ملاحظاته على البدو الوهابيين في سنة 1830 ،
أما الأمثال العربية فقد نشرت في سنة 1830 ، وأعيدت طباعتها في سنة 1875 ، ونشرت مترجمة إلى الألمانية في سنة 1834 ، وهي آخر ما نشر من آثار الرحالة الشاب .
مات بوركهارت في القاهرة ، وهو في الثالثة والثلاثين من عمره دون أن يبلغ كل ما أراد بلوغه ، و ودون تحقيق جل ما كان يصبو إليه من مقاصد ، وقد دفن في مقابر باب النصر في القاهرة .
أشرفت على ترجمة هذا الكتاب الجمعية المصرية للدراسات التاريخية 15 سبتمبر 1959 .
ونشير هنا إلى أن الكتاب يحتوى على خريطة تبين طريق رحلته الذي سلكه إلى دنقلة ، والتاكا .
وقد قسمت هذه الدراسة إلى مبحثين ، تندرج تحت كل واحد منهما الكثير من التفاصيل المتصلة بأصل البحث .
المبحث الأول : ملاحظاته حول اللغات واللهجات على اختلافها ، ويندرج تحت هذا القسم تأصيله للنقوش ولغاتها ، وأنواع الخطوط التي كتبت بها ، وملاحظات عامة متعلقة باللغات ، والعربية في السودان ، والتوصيف الجغرافي لحدود العربية ، والنوبية ، والسمات العامة المميزة لعربية السودان كما يراها ، وعربية القبائل في شمال السودان ، والعربية في كردفان ودارفور ، والشعر ، والألحان والموسيقى والحداء ، وملاحظات حول لغة البشاريين ، ومعرفة البشاريين بالعربية والحبشية ، ولغة أهل سواكن ، والمقارنة بين الكنوز والنوبة في اللغة والطبع ، واللغة الاجتماعية كما اشتمل على ملاحظات اجتماعية كالعلاقة بين العربية والتدين ، واليمين عند العبابدة وأسماء العبيد والأحرار ...وهكذا .
المبحث الثاني : التأصيل والمقارنة :
تناول هذا المبحث ما ذكره حول مقارناته للنطق القديم وما وجده خلال رحلاته ، ومحاولات الترجيح أحيانا ، والفرق في التسمية – تسمية بعض الأشياء - بين مصر وبلاد النوبة ، وذكر المقابل النوبي لبعض المفردات العربية ، ومحاولات تأصيل المفردات من العربية والبشارية كأسماء الخلجان والجزر وغيرها ، ومقارنة لأسماء عربية في النوبة والشام ومصر ، وبعض ما يتعلق بالمفرد والجمع والتوسع الدلالي .
وسنقدم أولا ملخصا باهتماماته اللغوية إجمالا ، قبل الشروع في تفاصيل القسم الأول ، نعرض فيه السمات العامة للبحث اللغوي في هذا الكتاب ، وفائدة هذه الدراسة حسب رأينا ، وملاحظات حول الترجمة والأسلوب ..


اهتماماته اللغوية وما يتصل بها .
لدى بوركهارت اهتمام عام باللغات ، ولهذا الاهتمام مظاهر متعددة ، تجلى في اهتمامه بلغات النقوش عربية وغير عربية وعزوها إلى تاريخها ومحاولة فك طلاسمها ، وذكر كل ما يعرفه أو يكتشفه عنها ، أو ما ذكره عنها آخرون ممن سبقوه ، واهتم بأنوع الخطوط العربية في النقوش التي رآها في الآثار الشاخصة ، وفي شواهد القبور، ويتصل بهذا وصفه للمجموعات القبلية ، ومعرفتها بالكتابة ، والقراءة ، وخطوطها ومستوى جودتها .
كما اهتم بلهجات القبائل عموما – عربية وغير عربية - وصفاتها ، وانتماءاتها اللغوية ومميزاتها ، وتداخلها مع غيرها من اللهجات الإفريقية ومع العربية ، كما اهتم بحدودها الجغرافية ، وتأصيل أسماء المناطق ، من مدن وقرى وجزر وخلجان - وأسماء القبائل أحيانا - وردها إلى اللغات التي أخذت منها وقد اعتمد في هذا على معارفه الشخصية ومروياته أحيانا ، واجتهاده المبني على ما عرفه من العربية في بعض الأحيان .
يضاف إلى ذلك اهتمامه الواضح بلغات المجوعات القبلية غير العربية ومدى معرفتها بالعربية ، وفي هذا تحدث أيضا عن السلالات فتحدث عن عرب من أصول نوبية وعن النوبة من أصول عربية ، كما سجل كثيرا من الملاحظات العامة حول هذه اللهجات ، واستعصائها على ماجاورها من اللغات ، كاستعصاء لغة الكنوز على النوبية والعربية واستعصاء عربية العليقات على لغات النوبة والكنوز ، كما اهتم بما يتقنه بعض العرب من لغات غيرهم ممن جاورهم ولم ينس أن يدوّن ملاحظاته عن الرجال والنساء في اللغة كل على حده كما فعل في حديثه عن عرب العليقات .
كان مشغولا كذلك بذكر أوجه الشبه والاختلاف والتعليق عليها ، وعلى أصواتها وتوضيح الفروق اللغوية في المفردات العربية بين الشام والنوبة ومصر .
كما أشار إلى أصول تاريخية عامة تتعلق باللغات كتعلم المستعمِرين لغة المستعمَرين .
وله اهتمام خاص بالنوبيين وما يحسنونه من اللغات فذكر أولا عن خطابه (فرمان) الذي بُعث معه أنه كان مكتوبا بالتركية ، وعلق على هذا بأنها لغة لا يقرؤها النوبيون ، وأنه لا يهمه منه سوى اسم قلعة (إبريم ) وحاكمها ، والاسمان واضحان يستطيع أن يتبينها حتى من لا يعرف سوى العربية .
ويذكر دائما أصول ولغات من يستعين بهم فقد ذكر في الخبير الذي جيء به إليه أنه عربي من أصل نوبي .
كما اهتم بأسماء الحيوانات والطيور ، والأشعار والألحان ، وأسماء العبيد والأحرار .
كما اهتم بذكر المفرد والجمع أحيانا ، وتصويب ما يراه من الأخطاء والأسماء عند من سبقوه من الرحالة في كتاباتهم ، أو من أهل البلاد ، أو للفهم العام للمفردات ، كما حاول تعليل بعض المفردات الاجتماعية ، واستعمالاتها ، أخطأ في بعضها وأصاب في بعضها الآخر .
ولسنا هنا بصدد تتبع ما اجتهد فيه بوركهارت ، وتبيين ما أصاب فيه وما أخطأ – وإن كنا سنشير إلى شيء منه – ولكنا بصدد تبيين اهتمامه اللغوي ، ونقل فكرته حول اللغات واللهجات ، ورؤيته الشخصية التي تشكل رؤية خارجية للغاتنا وثقافتنا المتصلة بها ، فهي نظرة من غريب مشبع بمنهج دقيق قد يظهر له ما لا يظهر لنا .
وسنفصل ما أجملناه حول هذه المباحث اللغوية ، في نقاط موجزة مما أورده في الكتاب لإعطاء فكرة حول تفكير الرجل ، واهتمامه اللغوي، ولنقل بعض المعارف التي نراها مهمة حول لغات القبائل وتداخلها ، وثقافتها اللغوية ، قبل قرنين من الزمن ، حيث كانت ومازالت بلادنا – التي هي استثناء – تمر بمراحل من التشكل من الناحية اللغوية ،؛ ولذا أعتقد أنما ذكره بوركهارت وبخاصة فيما يتعلق باللغة الاجتماعية ، ولهجات القبائل ، يصلح لأن يكون أصلا يعتمد عليه في معرفة درجة التغير الذي طرأ على الحركة اللغوية في بلادنا ، خلال القرنين الماضيين .
وأول ما يثير انتباه القارئ لهذا الكتاب ، هو اتباع صاحبه منجها دقيقا في التصوير ، ولعله استفاد من المنهج الذي وصف له من قبل الجمعية التي ابتعثته في ذلك الوقت ، وعلى كل حال فقد بدا أنه طبق المنهج الوصفي للجوانب اللغوية ولغيرها بشكل صارم ، وهذا ما جعل هذا الكتاب يحتوي علي كثير من المعلومات المهمة ، التي يمكن تصنيف كل واحدة منها تحت باب من أبواب المعارف .
يلاحظ أيضا أن المترجم والناشرين قد بذلوا جهودا كبيرة في نقل المحتوى وضبط الأسماء السودانية (بالنسبة للمصرية لم تكن لديهم مشكلة لقربها منهم) وقد وفقوا غالبا – وكانوا وقافين عند حدودهم تحلّوا بدرجة عالية من الحساسية في النقل عن أجنبي غير مسلم يرى الأشياء أحيانا بعين غير العين التي يرى بها العرب والمسلمون أشياءهم والأشياء من حولهم.
ويلاحظ أيضا أن المترجم قد بذل جهودا مضنية في نقل النص بأقرب عبارة مع عدم الإخلال بالمعنى وذلك يتضح من خلال الانسجام بين الفقرات والجمل ، وعدم وجود العبارات القلقة التي لا تكاد تخلو منها النصوص المترجمة ، وهذا لا يعني عدم وقوعهم في بعض الأخطاء في نقل ما كتبه بسبب جهلهم بالثقافة السودانية ، أو العامية أحيانا كما سنشير إليها مواضعها.
ورغم تركيزنا هنا على الجانب اللغوي ، ولكن كتاب بوركهارت كما أسلفنا يقدم معلومات مفيدة حول الآثار وتأريخ المناطق التي مرّ بها ، كما يقدم معلومات حول الحياة الاقتصادية ، والتجارية والسياسية ، والاجتماعية والأمنية والعمرانية التي تستحق الدراسة لمعرفة مدى التطور الذي طرأ على مجتمعاتنا في هذه النواحي جميعها.

المبحث الأول : ملاحظاته ،حول اللغات اللهجات وما يتصل بها .
لغة النقوش القديمة وما فيها من أنواع الخطوط .
يتحدث عن كنيسة إغريقية بعد قرية فرقندي بسبع ساعات فيها نقش يبين أسماء عديدة للزائرين لها كتبت على ملاط أبيض بخط آخر فترة من حكم الدولة الحديثة .
وبالقرب من وادي فريق يصف معبدا بأن جدرانه تحمل كثيرا من آثار أسماء كثير من الرحالة الإغريق ، ثم يشير إلى أن نقوشه الهيروغليفية شبيهة بنقوش معبد الدر .
يصف وصفا مفصلا معبد فيلة ونقوشه ، فيقول وعلى ظاهر البوابة الثانية خُط سطران طويلان أحدهما بالهيروغليفية والآخر بالخط الدارج الذي تقرؤه على أوراق البردى ويشير إلى أنه يبدو له أن كاتب الخطين واحد وفي ظنه أن الثاني ترجمة للأول .
ثم يبين النصوص التي على البوابة والمدخل ويشير إلى أنها نصوص إغريقية ومصرية كتبها زوار جاؤوا إلى المكان بدافع حب الاستطلاع ثم نسخ جزءا منها وأثبته في الكتاب .
كما نسخ نصوصا أخرى منقورة في الصخر من مقبرتين في الدر
ثم يبين أنه في شمال أحد المعابد توجد خرائب مدينة عربية وأن شواهد القبور فيها كتبت بخط كوفي ، كتلك التي رآها في مقابر أسوان .
ملاحظات متعلقة باللغة :
دوّن بوركهارت كثيرا من الملاحظات الخاصة حول اللهجات بجوانبها المختلفة نعرضها فيما يلي :
يشير بوركهارت إلى أن عرب الكنوز الذين يزعمون أنهم قدموا من صحاري نجد على اختلاف بطونهم وعشائرهم ما لبثوا أن اختلطوا بالسكان الأصليين المغلوبين على أمرهم ، واتخذوا لغتهم ومازالوا يتكلمونها ، ويصفها بأنها لغة ليس فيها أي أصوات عربية ، ويتكلمها السكان من أسوان شمالا إلى السبوع جنوبا ، لأن أفواجا منهم استوطنت صعيد مصر حديثا .
ثم يشير إلى حقيقة يراها غريبة مفادها أن تبقى طويلا لغتا الكنوز والنوبة الغريبتان هذا الزمن الطويل ، ويمتنع استعمال العربية امتناعا شبه تام في الإقليم المحصور بين دنقلة جنوبا ومصر شمالا .
ثم يشير إلى أن العربية لا يتحدث بها من الكنوز إلا من زار مصر ، وأن معظم نسائهم يجهلنها تماما .
هذا ما ذكره بوركهارت ولكن المشهور أن لهجة الكنوز خليط من العربية والنوبية ولهجة البجا .
ثم يبين أنه بعد حاضرة اسمها ( الدر ) بقرب قرية قتة قضى الليل مع قوم يتكلمون العربية ، والنوبية على السواء ،ولهم بشرة سوداء ولكن ليس لهم قسمات الزنوج .
كما يشير إلى أنه من اللافت للانتباه احتفاظ عرب العليقات بعربيتهم الخالصة وهم في الحدود بين الكنوز والنوبة ، كما يشير إلى أن رجالهم يعرفون اللغتين أي لغة الكنوز والنوبية ، ولكن نساءهم لا يتكلمن سوى العربية .


العربية في السودان :
التوصيف الجغرافي لحدود العربية في بلاد النوبة
يشير بوركهارت إلى أن وادي دنقلة الذي ينتهي عنده الكلام بالنوبية يمتد مسيرة خمسة أيام إلى الجنوب .
كما يشير إلى أن سكان النيل من دنقلة إلى سنار يتكلمون العربية دون سواها ، وكذلك سائر القبائل العربية الصحيحة إلى برنو، ولكنك تسمع أحيانا بينهم ما تسمع بين البدو الأعراب ، من رطانات متعددة واختلافا في النطق والألفاظ .
فالشرقيون النازلون منهم عطبرة صوب التاكة والبحر الأحمر يتكلمون الرطانة البشارية ، أما النوبيون فأقرب الرطانات إليهم رطانة كردفان، التي لا تختلف عن لهجة الفور إلا في النطق .
سمات عامة مميزة لعربية السودان :
ثم يشير إلى أن عرب السودان أفصح لسانا من إخوتهم في مصر، وأشد تمكنا من عربيتهم ، ونطقهم بالعربية مشابه لنطق أهل الصعيد ، وهو يختلف اختلافا كبيرا عن نطق أهل القاهرة والدلتا ، ويشير إلى أن السبب في هذا هو أن أهل الصعيد ليسوا سوى قبائل البدو القديمة ، وعربيتهم في نظره نقية من الشوائب ، ولا يفضلها في النقاء سوى عربية شبه الجزيرة العربية ، ورغم نطقها بلغة مصرية ، إلا أن ألفاظهم وعباراتهم جلها مأخوذة من أهل الحجاز ، واليمن ، ويبين أن هذا ما تحقق منه بنفسه في أثناء مقامه بجدة ومكة بعد ذلك .
ثم يشير إلى أن عرب الجنوب يستعملون كثيرا من العبارات الدخيلة على العربية ويعلل ذلك بأنه ربما كان نتيجة لاتصالهم بالزنوج .
وكذلك الألفاظ الفنية الكثيرة التي يستعملونها يرى أنها ربما كانت مشتقة من الحبشية ولغات البشاريين والزنوج .
عربية القبائل :
الجعليين والحسانية .
يبين أن قبيلة الجعليين تعتز بلسانها العربي المبين ، ويذكر هنا أنه سمع عربا من بني حسان ينتجعون بحر الغزال يتكلمون بلهجة الجعليين لا تشوبها شائبة ، وهذا جعله يرجح أن أصلهم من الشرق لا الغرب .
الشايقية :
يشير إلى أن قبائل الشايقية لا يتكلمون سوى العربية ، وأن الكثيرين منهم يكتبونها ويقرؤونها ، وأنه رأى كتبا منسوخة في مروي بخط لا يقل جمالا وروعة عما يكتبه خطاطو القاهرة .
العربية في كردفان ودارفور
يبين أن في دارفور وكردفان كثيرا من القبائل العربية تحتفظ بلغة أجدادها وإن تكلمت رطانة البلاد إلى جانب العربية .
ولم ينس بوركهارت أن يبين هنا أنه لا يعرف القراءة والكتابة من القبائل العربية مع فصاحة اللسان وسلامة العبارة إلا قلة لا تذكر ، ولكن الجميع يجيدون التحدث بعبارة واضحة وسليمة ولا تخلو من البلاغة في كثير من الأحيان .
الشعر والغناء والألحان والموسيقى والحداء .
هنا يشير بوركهارت إلى أنه ليس من الغريب ولا النادر أن تجد من عرب السودان شعراء يتغنون بذكر أبطال الحرب في قصائدهم ، كما يفعل الشعراء العرب .
ومن أوجه الشبه - كما يشير- أن قصائدهم لا تكتب ، وإنما تتناقلها الرواة شفاهة ، ورغم أن شعرهم يسير على خطى الشعر العربي إلا أنه لا يسلم من بعض الهنات اللغوية ، كا يرى .
ويرى أن شعرهم لا يخلو من بعض الأخطاء الموسيقية ولكنه عموما لا يخرج عن أوزان الشعر العربي .
والعبابدة حسب رأيه استعاروا أغانيهم كلها من البشارية ، وهذا ليس ببعيد لمجاورتهم إياهم ، ولشدة احتكاكهم بهم وطول أمده ، أو بسبب الخصائص العامة - من جغرافيا وغيرها - المميزة لطبيعة الإقليم ، وما تفرضه على النفوس من أحاسيس ومشاعر .
ويرى بوركهارت أن ألحانهم أي -عرب السودان - دخيلة ، وذلك لأن العرب على اختلاف أمصارهم – العراق والشام وشبه الجزيرة العربية – يغنون حسب رأيه ألحانا مشتركة تختلف تماما عن ألحان المغاربة والعرب الزنوج ، ثم يبين أنه ربما كان السبب أن غناء العرب الزنوج مأخوذ عن بدو البشارية ، ويرى أن أغاني البشارية القومية أقرب إلى أغانيهم من أغاني المصريين .
ولعل ماذهب إليه صواب – فألحان الشعر العربي في السودان – متأثرة إلى مدى بعيد بألحان شرق إفريقيا أي البشاريين والبجا عموما ومن جاورهم ،من شعوب شرق إفريقيا حتى في السلم الموسيقى ، وهذا مشهور معلوم .
ويشير إلى أنه قد سمع هذه الأغاني ( البشارية ) من تجار سنار يتغنون بها في شندي أثناء جلسة (البوظة) .
ملاحظاته حول الحداء
يذكر بوركهارت أن الحداء الذي تساق به الإبل مشترك بين هذه الشعوب جميعها ويشير إلى أنه أحب ضروب الغناء إلى البدو في الصحاري العربية -- فالناس في السودان ، ليسوا بدعا في هذا الأمر فهم يسيرون على ذات النمط الذي يحكم الحياة هناك ، ويبدو أن الظروف البيئية وطول الرحلات والحاجة إلى الأنس وقلة الأنيس للتترويح كلها استوجب هذا الفن على بدو الجزيرة كما استوجبته على أهل السودان .
معرفة البشاريين بالعربية والحبشية ، واشتراك لغة البشاريين والحبشية .
ويشير إلى أن قليلا من البشاريين يفهمون العربية فلا يفهمها إلا من اتجر مع بربر وشندي ، ثم يشير إلى أن عبيدهم يفهمونها ؛ لأنهم تربوا على ضفاف النيل .
ثم يستطرد فيقول إن من يعرف العربية من البشاريين لم يرض أن يترجم بينهم وبين من لا يعرفونها إلا بمقابل .
ثم يبين أن البشاريين يتكلمون الحبشية أو على الأقل يفهمونها ، ثم يشير إلى أن الاحباش يفهمون لغة البشاريين بصعوبة بالغة .
ثم يبين وجهة نظره وأنه يرى أن اللغتين ربما كانتا مشتقتين من أصل واحد شأنهما في ذلك شأن غيرهما من اللهجات المنتشرة على حدود الحبشة الشمالية .
ملاحظة حول لغة البشاريين
ولاهتمامه الشديد بأدق التفاصيل اللغوية ، يذكر أنه رأى أصنافا من الطيور في أرض البشاريين ثم أشار إلى أن لغة البشاريين ليس فيها أسماء لهذه الطيور كما بدا له .


لغة أهل سواكن
في سواكن يشير إلى أن اللغة الغالبة في الكلام هي البشارية ، أما العربية فيتكلمونها بلهجة ركيكة مع أن سكان القيف (البر الرئيس) جميعا يفهمونها ، ولكنها هي اللغة القومية في المدينة ، ونطقهم لها بلغة أهل جدة ، ولكن الهدندوة الذين يجلبون السمن والغنم يجهل الكثير منهم العربية جهلا تاما .
كما يشير إلى أن بدو الأمرأر - الذين يبيعون الماء والغنم والمحار والسمك المسلوق والأرانب الجبلية - كانوا يجهلون العربية جهلا مطبقا .
وفي حديثه عن الحداربة يشير إلى أنهم يشاركون بدو سواكن والبدو الذين يعيشون في أرض النوبة لغتهم وزيهم وسحنهم ، ولباسهم من الدمور المجلوب من سنار .
الكنوز والنوبة اختلاف اللغة واتفاق الطبع ..
ويشير إلى أن الكنوز والنوبة تفصلهم اللغة ، ولكنهم في عاداتهم وطباعهم متماثلون ، ويشير إلى أن افضل من كتب من العرب عن النوبة هو ابن سليم الأصواني ، في أخبار النوبة .
اللغة الاجتماعية
بين إجادة العربية والتدين
يرى بوركهارت أن هناك علاقة ما بين إجادة العربية والتدين كما يشي بهذا حديثه عن النوبة الذين أقاموا في مصر طويلا وتعلموا العربية ، ويذكر أنهم في الغالب أتقياء يؤدون الصلوات كل يوم ، أما الذين يجهلونها فلا يعرفون من الصلاة إلا التهليل والتكبير .
لفظ اليمين عند العبابدة :
وفي الحديث عن العبابدة واليمين عندهم - في ذلك الزمان - يشير إلى أن الرجل منهم لا يتورع عن الحنث بأي يمين أو قسم ، إلا إذا شفعها بقوله ( وحياة العافية ) ثم يشير إلى أن من سكن منهم مع البشاريين يتكلم لغتهم .
أسماء العبيد والأحرار
لدى بوركهارت ملاحظات دقيقة على المجتمع كعادته ‘ ففي حديثه عن العبيد، ذكر أن العبيد يختنون وتطلق عليهم أسماء عربية ، ولكنهم نادرا ما يحظون بالأسماء الإسلامية الصحيحة ، مثل محمد وحسن وسليم ومصطفى ، ، فهم يحملون أسماء مثل خير الله وفضل الله ، وفضل الواسع وجبر الواحد ، والنساء مثل أم الخير ، وقد يطلقون عليهم أسماء أغرب من هذا - حسب رأيه - كصباح الخير وجراب .
ويبين أنه لم ير بين العبيد المجلوبين إلى شندي من يعجز عن التفاهم بالعربية رغم أن لغاتهم الأصلية غير عربية وذلك لطول بقائهم فيها - أي شندي - ثم يشير أن جل الأرقاء المجلوبين من دارفور وكردفان على شيء من علم بلهجات هذين الإقليمين ، كما يعرفون لغاتهم القومية والعربية .
المبحث الثاني :
التأصيل والمقارنة :
حاول بوركهارت كثيرا معتمدا على معرفته – المحدودة – بالعربية وغيرها من اللغات التأصيل والمقارنة لبعض المفردات من أسماء المناطق ، والمدن ، والألفاظ الاجتماعية ، ويحمد له على كل حال تدوينه لوجهة نظره في صراحة ووضوح دون مواربة ، وقد وفق في بعضها ، وكما أسلفنا من قبل فليس القصد من هذه الدراسة تتبع ما أصاب فيه وما أخطأ من اجتهاد ، وإن كنا سنبدي بعض الملاحظات حولها ، ولكن الهدف الأساس هو عكس وجهة نظره كما أوردها .
دنقلة ومروي :
في حديثه عن دنقلة يبين بوركهارت أن الأهالي يسمونها دنقلة العجوز ، أو على الأصح (تنكل) هكذا يقول ، وفي حديثة عن مروي يقول : ومن العجيب أن يتفق نطقها ونطق (مروي ) القديمة .
أبو سنبل
عن جبل أبو سمبل ، يقول لعلها كلمة يونانية ، مقطعها الأخير (بل )
. Polis فهي تحوير لكلمة بوليس أي مدينة
والحقيقة أن الآراء حول الاسم متضاربة وما ظنه بوركهارت هنا سببا للتسمية ليس شائعا ، ولا معروفا ،حسب ما اطلعت ، وتشير بعض الآراء إلى أن الاسم حديث .
أصل امتلاب عون اللاب :
في حديثه عن قبيلة ( أمتلاب ) (عون اللاب ) يقول لعلها أمة الأب لأن نطقهم بالعربية ضعيف .
وكان الأصل في هذا أن يرد بوركهارت هذه العبارة إلى لغة البشاريين كما فعل مع غيرها مما يختم بـ (آب) من الألفاظ ولا سيما أن تأثير البشاريين قد وصل إلى تلك الأنحاء ، ولو ردّها إلى لغة البشاريين لأضحت (أمة الله ) وهو أشد مناسبة والتعبير ما زال مستخدما في العامية في السودان وبخاصة في الوسط حتى اليوم (الله ، اللاب ) فيقولون في آل رحمة الله ( الرحمتللاب).


ريح السموم (الفرق بين دلالة الكلمة في العربية وحقيقتها ) .
يقول عن ريح السموم إنها بالرغم من اسمها فإنها لا تعدو أن تكون رياحا جنوبية هوجاء ، ثم ينكر كثيرا من القصص التي تنسب إليها ، ويثبت حرها الشديد ولعله لم يفهم معنى كلمة السموم .
الفرق في التسمية بين مصر وبلاد النوبة :
يجتهد بوركهارت في تفسير لفظ برابرة عند المصريين ويظن أن (بربر )السودانية هي أصل هذا الاسم ، فيقول لعل لفظ ( بربر) أي مدينة بربر هو الأصل في هذا الاسم الذي يطلق في مصر على النوبيين ، أي البرابرة وهو لفظ لا يطلقونه على أنفسهم في بلادهم ، فهم يسمون أنفسهم النوبيين والكنوز – ثم يبن أن العلة ربما كانت أن المصريين رأوا التجار القادمين من بربر ومن إقليم إبريم متشابهين في اللون فأطلقوا علي الشعبين اسما واحدا .وهذا جعلهم يخلطون بين أهل بربر وأهل سنار ، فهم يسمون البربري سناريا . .
كلمة (مك) .
وفي حديثه عن الشايقية يذكر أن زعيمهم يحمل لقب مك وبأن هذا اللقب يحمله صغار زعماء القبائل من حتى دارفور وسنار ’ وأنه اختصار للفظ ملك .
نعلك طيب (لعلك ).
ذكر بوركهارت عن السودانيين أنهم يقولون ( نعلك طيب ) في التحيات وأشر إلى أن هذه أغرب عبارة سمعها عندهم وأنه لم يسمعها من قبل ، ثم أخذ يبحث في أصل هذه العبارة ، فقال : ولعلهم يريدون هل أنت من القوة بحيث تستطيع أن تمشي على نعلك ما شئت أن تمشي .
وواضح أن سبب هذا الخطأ من بوركهارت جهله بقوانين الإبدال في العربية ، واستعمالها في اللهجة السودانية ، فـ( نعلّك ) هو (لعلك) وكلاهما مستخدم إلى يومنا هذا ، الأولى في العامية ، والثانية في الفصيحة ، وقد ظن المترجم أن المؤلف أخطأ في كتابة اللام (نونا) فكتبها (لعلك ) وأشار في الهامش إلى أن هذا هو الصحيح - نعم هو الصحيح ‘ ولكن بوركهارت أصح في نقله .
في سبيل الله
ذكر بوركهارت أنهم أي عرب السودان إذا لقي أحدهم صاحبه أول مرة بعد موت قريب له جثا إلى جواره على إحدى ركبتيه ، وطفق يردد متفجعا " في سبيل الله " .
وكعادته أخذ في تعليل العبارة فقال : " وهو يعني أن الفقيد مضى في سبيل الله القويم ، وأن له أجره ومثوبته " .
الشديد الشديد :
من عبارات الاستعداد للسفر :
يقول إنهم إذا أرادوا السفر بعد استراحة القافلة من عناء السفر صاح بهم رئيسها (الشديد) (الشديد) ويرى بوركهارت أن العبارة من وسق الأحمال والشد عليها فإذا أرخى الليل سدوله هتف بهم حطوا ، وهذا التفسير للعبارة محاولة منه للبحث في أصلها .


أم بلبل - لنوع من الخمرة :
وفي حديثه عن الخمور البلدية يذكر أن أسماءها تختلف بحسب درجة تخمرها فهي أولا (مريسة ) ثم ( بوظة ) أو أم بلبل ثم يبين أن أم بلبل سميت بهذا الاسم لأنها تطلق لسان شاربها بالغناء .
وقد ورد في تكملة المعاجم العربية (بِلْبِل ) أنها جعّة حمراء ، وأنها عند بوركهارت نوبية ولا أدرى ما إذا كان اعتماده على هذا الكتاب أم على كتاب غيره .
الوردة (الحمى ) .
وفي حديثه عن الحمى يشير إلى أنهم ذكروا له نبأ حمى يسمونها الوردة تفتك بالمرضى في أغلب الأحيان وانها تتفشى في فترة فيضان النيل .
هذا ما ذكره هو ، والمعلوم أن الوردة للحمى اسم فصيح وليس تسمية منهم ورد في معجم العين الورد من أسماء الحُمَّى، وقد وَرَدَ الرجلُ فهو مَورُودٌ أي مَحْمُوم، قال الشاعر:
إذا ذَكَرَتْك النفسُ ظَلَّت كأنَّها ... عليها من الوِرْدِ التهامِيِّ أَفْكَلُ
تصويب براون في اسم (الأبيض) .
ويصوب بوركهارت في كتابته المستكشف السابق له براون في اسم مدينة الأبيض فيقول هي
Obeydh
وليس كما ذكرها براون أي ليست( لبيّت ) .
Lbeyit
الحضارمة والحداربة
في حديثه عن أهل سواكن يشير إلى أنهم أخلاط من الناس ، ثم يذكر أن فيهم عنصرا متميزا ، فأسلاف الأسر الكبيرة من عرب سواكن كانوا من أهل حضرموت وينسب الأجانب أهل المدينة إلى هؤلاء فيسمونهم الحضارمة ( الحداربة ) ، ونطق الحجازيين لها هو الحضاربة فهم يجمعون حضرميا على حضاربة لا على حضارمة ، هذا ما ذكره بوكهارت ..
ولكن عون الشريف قاسم رحمه الله يشير إلى أن الكلمة البجاوية – حدري أو حدريب (الحداربة ) تعني بالبجاوية الشخص الكريم ، وهي كلمة كانت تطلق على التجار الذين يسافرون مع القوافل من ميناء باضع إلى داخل السودان ......ثم أصبحت لقبا لعموم الطبقة الأرستقراطية ، الغنية والحاكمة والمسيطرة على الموانيء وطرق القوافل التجارية ، ثم صارت اسما لقومية بأرتريا للناطقين باللغة البجاوية .
تعليل اسم عطبرة
وفي تفسير غريب يشير إلى أن عطبرة سميت بهذا الاسم لقربها من النهر ، هذا ما ذكره حولها ، والمشهور عند ساكنيها اليوم أنها من (أتبرا) من التتبير العربية قلبت الهمزة عينا ثم فخمت الطاء فصارت عطبرة وهناك روايات أخرى .
الحمَداب والحميداب
يشير بوركهارت إلى أن عطبرة هي مقر شيخ قبيلة الحمداب البشارية ، وينبه إلى أنه لا ينبغي الخلط بينها وبين قبيلة الحميداب التي هي إحدى قبائل العبابدة أما الحمداب فهي أقوى قبائل البشاريين .
التكارنة
في حديثة عن التكارنة (صادفوه في طريقهم إلى الحج) يشير إلى أن واحدهم تكروري ، وأن اسمهم هذا ليس نسبة لبلد تسمى تكرور كما يتبادر إلى أذهان الناس في الشرق وكما ظن جغرافيو العرب فهذا خطأ منهم جميعا ، فهو يرى أن اللفظ مشتق من الفعل (تكرر) أي تنقّى أي أن مشاعرهم الدينية تنقّت ، وتطهّرت بحفظ القرآن والحج ، ويطلق هذا الاسم كما يشير على جميع الحجاج القادمين من الغرب مهما اختلفت أوطانهم ،ثم ينبه على أنهم لا يسمون أنفسهم تكارنة ، وأكدوا أنهم لم يسمعوا هذا الاسم حتى بلغوا حدود دارفور ، ثم يبين أنهم كلهم على علم، ولو قليل بالقراءة والكتابة ، وأنهم من طائفة الفقهاء وأنه لم يجد منهم أمياّ قط .
وما ذكره بوركهارت هنا غريب فالجغرافيون منذ زمن بعيد يجمعون على أن تكرور حاضرة من الحواضر في غرب إفريقيا سكانها أقرب إلى الزنوج ، ثم نسب كل سكان الإقليم عند العرب إليها وصار كل من يأتي من تلك النواحي ينسب إليها ، وربما ينسب إليها من لا علم له بها كما ذكر بوركهارت .
اللبس :
وفي إشارته إلى آلة الحرب - مما يصنعه عرب الميرفاب - تغطى بها ظهور الخيل قبل المعركة فبعد وصفها يبين أنها يطلق عليها ( اللبس ) ويقول وهو الاسم نفسه الذي يطلقه البدو الشرقيون ، على أغطية خيلهم ، ولم ينس أن يبين أن الذي يصنعه عرب الميرفاب يمتاز بالأناقة والمتانة .

تأصيل المفردات من اللغة البشارية
وادي أرواد
في حديثه عن وادي أرواد الذي استراحوا عنده في أرض البشاريين يشير بوركهارت إلى أن اسم هذا الوادي ليس عربيا كفيره من أسماء الأماكن التي اجتازوها منذ أن خرجوا من عطبرة .
أرتيقة
ذكر بوركهارت أن زمام مدينة سواكن أي إدارتها بيد أمير الحداربة ، ويتم اختياره من كبريات أسر القبيلة ، ويميزونها عما عداها بكلمة (أرتيقة ) وهي تعني أشراف بلغة البشاريين .
تأصيل ميرفاب
يشير إلى أن أهل بربر عرب من قبيلة الميرفاب وأنم يردون أصولهم إلى جزيرة العرب ، كا تفعل سائر القبائل العربية التي تسكن بوادي النيل ، ثم يشير هو إلى أن هذا الاسم (ميرفاب ) بلغة البشاريين أشبه .
عنقريب
ويؤصل لكلمة عنقريب وذلك في التفريق بينه وبين السرير ، فيقول إن له قوائم أربع فإن كان مقعده من الجريد فهو سرير وإن كان من سيور رقيقة متعارضة من جلد الثور فهو عنقريب ثم يبين ان أصل هذه الكلمة من البشارية ، وأفضله المجلوب من سنار ويصدر منها إلى صعيد مصر وبلاد العرب .


وادي ديمو كايب
وفي الطريق إلى بربر بعد خروجه من أرض النوبة اجتاز واديا اسمه وادي ديمو كايب ولم ينس أن يشير إلى أنه اسم بشاري .
أسماء خلجان وجزر :
خليج الفجع
وفي حديثه عن خليج الفجع يبين أنه اسم عربي ، أما بقية الخلجان التي مروا بها فأسماؤها بشارية .
جزيرة جبل مكور :
يقول جزيرة جبل (مكور ) سميت بهذا الاسم لأنها تكاد تكون جبلا صخريا واطئا ، ومكور مشتق من كوّر يكوّر ، وهي في لهجة بحارة اليمن تعني العبور إلى البر المقابل ، أو الإقلاع بغرض العبور .
فيقولون نحن كورنا البحر في اليوم الفلاني ، أو نحن كورنا من الجبل إلى جدة ، أما في الأنحاء الشمالية فيستعملون الفعل دفع . فيقولون نحن دفعنا من رأس محمد إلى البر الغربي .
أسماء بين النوبية والعربية في الشام ومصر.
بين النوبية والعربية :
الجعران
يشير إلى مكانة الجعران في الثقافات القديمة المصرية ، والنوبية ثم يبين أن النوبيون يطلقون عليه اسم الكافر .


فرس البحر
يشير إلى أن أفراس البحر كثيرة الانتشار في أرض النوبة ، وأن الواحد منها بالعربية يسمى البرنيق ، أو فرس البحر وأنه بالنوبية يسمى (الإرد) .
نبات العشر
تحدث عن شجيرات برية تسمى العشر ، أشار إلى أن عرب البحر الميت يسمونها عشيرا ، ويسميها المصريون الفتنة .
تسمية النوبيين لأحفاد البشناق وتسميتهم هم لأنفسهم
يتحدث عن أأحفاد الجنود البشناق بأنهم يسمون أنفسهم (قلعتجية ) أو أهل القلاع ، ولكن النوبيين يسمونهم العثمانلية ، ويصفهم بأنه قد نسوا لغتهم القومية .
الصرف والدلالة :
مفرد الكنوز :
يشير بوركهارت أحيانا إلى مفرد ما يذكره من جمع فقد أشار مثلا إلى أن واحد الكنوز كنزي
ويسكن وادي الكنوز عرب كنوز واحدهم (كنزي ) .
دلالة صاي
وفي لفظ (صاي) يشير إلى أنه بالرغم من أنه علم إلا أنه يطلق عادة على كل الإقليم الواقع بين السكوت والمحس .


الخاتمة
من هذا العرض يتضح أن بوركهارت اهتم فيما دونه خلال هذه الرحـــلات بكل ما يتعلق باللغة من حيث لغة النقوش التاريخة القديمـــــة ، والوسيطــــة ، ووصف خطوطها ، كما وصف الحدود الجفرافية للغات ، واللهجات التي سمعها ، كما تحدث عن لغة كل شعب من الشعوب التي مر بها في طريقه ، كما تحدث عن التداخل اللغوي، والتقارب الجغرافي والتباعد اللغوي ، كما تحدث عن ضده ، كما أنه دوّن هذه الملاحظات بشفافيه تامة ، واستفاد فيما كتبه من احتكاكه المباشر بعامة الشعب في حلّه وترحاله .
اهتم بوركهارت بأدق التفاصيل اللغوية ، من تأصيل للمفردات حسب قدراته المحدودة في العربية ، ومقارنته بينها ، وقد أعمل فكرا لغويا وحدسا مستنيرا على كل حال في محاولاته للاستنباط.
وما سطره هذا الكاتب الشاب خلال هذه الرحلات رغم وقته المحدود الذي قضاه في تعلم العربية ، ورغم التباعد اللغوي والبيئي بين لغته الأصلية والعربية ، إلا أنه تعلم الكثير من العربية ، ولم يذكر أنه عانى من مشكلات في التفاهم بها ، رغم أن الناس في تلك الحقبة من التاريخ ، وبخاصة في السودان ، كانوا يتكلمون على سجيتهم ، وكانوا أبعد عن التكلف في إيصال المعنى بل وأجهل الناس به ، فقد فهم العامة من الناس وفهموه رغم أنه تعلم العربية في بيئة غير البيئة التي رحل إليها ، وهذا يشير إلى قرب الشقة بين العاميات العربية ، رغم ما يبدو من مظاهر التباعد بين العاميات في العربية ، والعربية الفصيحة التي يتوقع أنه قد درسها ، أو تلقى لغة نموذجية أقرب إليها على الأقل .
تأصيله للمفردات من البشارية وغيرها ، ومقارنته بين الكلمات في النوبية وغيرها ، وحديثه عن العلاقة بين لغة الفور واللغة النوبية وخصائص الرطانات المختلفة ، يدل على تمتعه بحس لغوي مرهف مكّنه من إدراك بعض الظواهر اللغوية ، كما يدل على أنه قد كان في طريقه نحو تعلم بعض اللهجات كالنوبية والبشارية .
بدا لنا بوركهارت من خلال هذا الكتاب أنه ليس رحالة يدّون ما يراه وما يسمعه فقط ، بل بدا محللا لغويا ضليعا له أدواته التي يعملها في المقارنة والتحليل ، والتنبؤ .
يبدو أن كل ما سجله بوركهارت في هذا الكتاب ، من النواحي المعمارية ، والاقتصادية ، والتجارية ، والدينية ، والاجتماعية والثقافية ، والتاريخية - يحتاج إلى بحث مستقل ؛ فهو تصويرشامل للتفاصيل الدقيقة في الحياة ، من شاب لا ينقصه الذكاء وقوة الملاحظة التزم بمنهج صارم في التدوين استطاع من خلاله أن ينقل لنا صورة متكاملة للمجتمعات التي صادفها في تلك الحقبة وفق ما أتيح له .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم .


المراجع
ـــ آثار البلاد وأخبار العباد زكريا بن محمد بن محمود القزويني (المتوفى: 682هـ) الناشر: دار صادر – بيروت .
ـــ تكملة المعاجم العربية ، رينهرت بيتر ،نقله إلى لعربية وعلق عليه محمد سليم النعيمي ،وزارة الثقاة والإعلام العراق، ط الأولى 1979- 2000
ـــ رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان ، جون لويس بوركهارت ، ترجمة فؤاد أندراوس ، تصدير حسن نور ، حقق أعلامه الشاطر بصيلي ، أشرف على نشره محمد شفيق غربال ، من منشورات المجلس الأعلى للثقافة القاهرة ، 2007 .
ـــ العين – الخليل بن أحمد ، ت :مهدي المخزومي ود إبراهيم السامرائي دار ومكتبة الهلال ج8 ، ص 66 .
ـــ قاموس اللهجة العامية في السودان ، عون الشريف قاسم .
ــــ معجم البلدان ، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي ، دار صادر، بيروت ، الطبعة: الثانية، 1995 م.

الشبكة الدولية :
ـــ ويكيبيديا الموسوعة الحرة .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.