في الطرفة أن محتالاً فهلوياً استطاع عن طريق الفهلوة الاستيلاء على مبلغ من المال من أحد (الداقسين)، ولما كانت عملية (اللهلبة) في غاية البراعة والدقة لم يجد صاحب المال حجة عليه غير أن يقول له (والله انت تاكل مال النبي)، وما كان من الفهلوي غير أن يرد عليه بطريقة فهلوية قائلا (ومالو مش حبيبنا)، أو كما قالت الطرفة، ولكن ما رأيكم لو علمتم أن أكل مال الله تتحدث عنه وقائع حقيقية وليس مجرد طرفة، ففي عددها الصادر الأول من أمس كشفت صحيفة الصيحة عن تعدٍّ كبير على الأوقاف السودانية داخل وخارج البلاد، وبخبرها هذا تفتح الصيحة مجدداً ملف الأوقاف المنهوبة وتعيد التذكير بتلك المعلومات الصادمة التي كان قد تم كشفها سابقاً، ويبدو من هذا التكرار والإعادة لنفس الجريمة ولعدد من السنين المتوالية دون وضع حد لها، أن أكلة مال الله مصرون على أكله وربما بمنطق الطرفة (ومالو مش ربنا)..
وعلى ذكر أكل مال الأوقاف، أذكر أن أمين ديوان الأوقاف الأسبق كان قد شكا من تعدي العاملين برئاسة الجمهورية على قطعة أرض وقفية بالمقرن، في مقابل منح الديوان أرضاً بديلة بحي الصحافة لا هي مكافئة لأرض المقرن ولا هي أفضل منها كما يقضي الواجب الديني، رغم أن آراء طيف واسع من العلماء والفقهاء، تقول إن بدلاً كهذا لا تعريف له غير أنه اغتصاب وأن الأرض المغتصبة لا تصح فيها الصلاة، ومع هذا الوعيد الشديد لم نسمع أو نقرأ حتى الآن ما يفيد بإرجاع العاملين بالقصر الجمهوري لقطعة الأرض الوقفية التي انتزعوها ليقيموا عليها داراً لهم، أو على الأقل قدموا بديلاً لها مرضٍ ومجزٍ. هذا غير جملة من التعديات والتغولات الحكومية وغير الحكومية على الأوقاف وتحويلها لأغراض أخرى، قدرت بآلاف التعديات الولائية والمركزية على المباني والأراضي الوقفية، مثل التعدي على أوقاف قاعة الصداقة وحديقة الحيوان سابقاً (فندق كورنثيا حاليا)، والإيجار من الباطن والمبالغ الضعيفة الرمزية التي يدفعها المستأجرون، بجانب تجاوزات في طرح العطاءات والعقودات، الى آخر ما يعد استهانة وتلاعباً بمال الله.
إن الله تعالى ينهانا من أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل فما بالكم بمال الله يأكله البعض دون خشية وبكل طيب نفس، فيا آكلي مال الله اتقوا الله في ماله واعيدوا كل الأوقاف والأملاك التي اعتديتم عليها، وعلى المتقين الله من القائمين على أمر الوقف أن ينشروا على الملأ قائمة سوداء بأسماء المعتدين على أموال الوقف، حتى يعلم المواطنون من هم هؤلاء الذين لا يتورعون عن أكل مال الله، وقبل ذلك على السلطات تغليظ العقوبة على المعتدين على أموال وأراضي الوقف ومن يسهلون الاعتداء عليها..اعوذ بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله من أمثال هؤلاء.

الجريدة