عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


ان بناء سد النهضة والمشاريع الكثيرة التي قامت بها دول حوض النيل وضعت اتفاقية المياه بين السودان ومصر على مهب الريح، فقد عملت تلك الاتفاقية على ان تكون دولتي السودان ومصر أوصيا على مياه النيل وهو ما رفضته دول حوض النيل، فقد نصت على الانتفاع الكامل لمياه النيل بين الجمهورية العربية المتحدة والسودان، وذلك الانتفاع الكامل يعني انهما فقط الأحق بمياه النيل دون غيرهم، ونصت في بند اخر على موافقة السودان ومصر أولا اذا أرادت أي دولة من دول حوض النيل استخدام حصة منه بل وتحديد الكمية التي يمكن لتلك الدول سحبها من النيل، وامتلاك حق الفيتو لأي مشروع داخل تلك الدول له علاقة بالنيل، وبالتالي قيام الكثير من المشاريع دون الرجوع إلى السودان ومصر يجعل من تلك الاتفاقية حبر على ورق فقط. وهي في جوهرها تعتبر اتفاقية وصاية وليست اتفاقية مشاركة لدول الحوض للاستفادة من النيل لذلك تم رفضها تماما من قبل كل دول الحوض وحاولت إيجاد اتفاقية بديلة ولكن تعنت مصر التي ترى ان حصتها من النيل حق أصيل لا يجب التعدي عليه من قبل أي جهة حال دون التفاهم.
وتزمر دول حوض النيل فرصة للسودان لإلغاء تلك الاتفاقية، فبالإضافة إلى انها مجحفة ولا تعترف بحق تلك الدول في حوض النيل وهي اقرب للاتفاقات الاستعمارية، فهيا كانت مجحفة للسودان أولا ولا ندري كيف تمت الموافقة عليها، فقد تم بناء السد العالي الذي قام على أساس تلك الاتفاقية على أراضي سودانية وشرد الكثير من السودانيين من منازلهم بعد ان دمرتها المياه وفقدنا الكثير من الأراضي الخصبة وما لا يقل عن مليون من الأشجار المثمرة كما يقول الخبراء وكذلك فقدنا شلالات طمرت في بحيرة السد كان يمكن الاستفادة منها في توليد الكهرباء والكثير من الكنوز الأثرية التي طمرت وطمر معها حقبة مهمة من تاريخ السودان، كل تلك الخسائر ولم يستفيد السودان أي فائدة من ذلك السد بل حتى الكهرباء التي وعدت مصر بان تمد السودان بها من إنتاج السد العالي لم يحدث ذلك. وما دفعته مصر من تعويضات لم يكفي إنشاء مساكن لمن شردتهم من اجل بناء السد العالي ناهيك عن الخسائر الأخرى. بل واجبرت معها السودان تقاسم ناتج التبخر من بحيرة السد وذلك بان يخصم مناصفة من حصة مصر والسودان رغم ان فائدة السد كلها لمصر. ولازالت تريد ان نتحمل المزيد من الآثار السلبية لتلك الاتفاقية، فعندما تحدث جنوب السودان بعد الانفصال عن حصته في مياه النيل ذكرت مصر بان عليه ان يقتسم من حصة السودان باعتباره كان جزء منه ولا علاقة له بحصة مصر، وعندما تحدثت الدول الأخرى عن حصتها تحدثت عن البند الذي يقول بان حصص تلك الدول تخصم مناصفة من حصة السودان ومصر رغم ان حصة مصر السنوية أكثر من 55 مليار متر مكعب وحصة السودان حسب الورق 18.5 مليار متر مكعب ولم يستخدم منها طوال فترة الاتفاقية أكثر من 12 مليار متر مكعب ويذهب الباقي إلى مصر. فإذا تمسك السودان بتلك الاتفاقية ستتمسك مصر ببند خصم حصة دول حوض النيل مناصفة من السودان ومصر. وهذا ما تحاول ان تفعله عندما دعت إلى إبعاد السودان من مفاوضات سد النهضة حتى تفرض على السودان ما ينتج عن مفاوضاتها مع أثيوبيا.
فتلك الاتفاقية مجحفة واستعمارية وغير عادلة وعلى السودان اخذ المبادرة وإلغاء تلك الاتفاقية لانها كانت نتاج حكومة غير ديمقراطية ولا تعبر عن راي الشعب ولان السودان تأذي منها أولا قبل الدول الأخرى، ويجب ان يكون ذلك الإلغاء للاتفاقية مع الاحتفاظ بحق السودان في مقاضاة مصر على الآثار السالبة طوال الفترة السابقة وكذلك الحق في التعويض عن السلفة التي كانت تأخذها مصر وهي مليار ونصف كل عام. بعد ذلك علينا التوجه نحو أثيوبيا ودول الحوض الأخرى ومحاولة التوصل إلى اتفاقية تضمن الحقوق المشتركة لكل دول حوض النيل وتعمل على تبادل المنافع، ونذهب إلى اثيوبيا تحديدا اذا أدركنا كما يقول الخبراء بان أكثر من 75% من مياه النيل تاتي من الهضبة الأثيوبية، فنحن في حاجة إلى اتفاقية تقوم على الأسس العالمية التي تحدد نصيب الدول على أساس العوامل الجغرافية والبشرية والمناخية وغيرها، فمصر تستخدم أكثر من 80% من حصتها في الاتفاقية المجحفة في الزراعة فإذا أدركنا ان مصر بلد صحراوي بالإضافة إلى ذلك بانها تعمل على زراعة الأرز الذي يستهلك كميات قياسية من المياه نجد ان مصر تهدر مياه النيل وتريد ان تصبح بلد زراعي بالقوة، فكيف لبلد صحراوي ان يأخذ تلك الحصة في حين ان السودان البلد الزراعي الذي يمكن ان تكون به عدة دورات ذراعية في السنة يأخذ فقط 12 مليار لكل استخداماته.
فعلينا وقف التفاهم مع مصر والتحول للتفاهم مع الدول الأفريقية الأخرى فمصر لا تنظر إلى تلك الدول كشريكة في النيل ولها حق وانها دول ذات سيادة ويجب ان يتم احترامها، فالحكومات والنخب المصرية لازالت تتوهم الفرعونية ولا تنظر للآخرين كبشر، ويجب علينا كذلك تحديد طريقة لقياس حاجة السودان من مياه النيل وكيفية تبادل المنافع مع الدول الأخرى، فالسودان اذا استتب الامن ونهض اقتصاديا سيحتاج إلى ضعف حصته في اتفاقية 59، لذلك علينا السعي إلى اتفاقية مرنة تستوعب التنمية البشرية وتنمية الموارد وفق الاسس الدولية من اجل تنمية كل الاقليم.