* لا تشيدوا مجزرة للقضاة، من فضلكم، إذا فعلتم، و باسم ثورة ديسمبر المجيدة، تكونوا قد جنيتم على ركن من أهم أركانها الثلاثة: "حرية سلام و عدالة"، و جنيتم،بالتالي، على الثورة ذاتها جناية لا تغتفر..

* في الذاكرة الجمعية مجزرة تم تشييدها في بدايات إنقلاب النظام (المنحل).. أُريقت فيها دماءُ الكفاءة و الخبرة و تم تجريف المؤهلات على مذبحة الأطماع الحزبية و الأحقاد الشخصية.. و ظل السودان ينزف دماً حتى اليوم..
* قلتُ هذا، رغم ما يبدو من أن الثورة بدأت تسير بخطى مبشرة لترسيخ مبادئها.. و من علامة ذلك إصدار رئيس القضاء السوداني مولانا نعمات عبدالله محمد خير، قرارات بتنقلات عدد كبير من القضاة من أعلى الهرم القضائي إلى أدناه، مع تعيين قضاة آخرين بذات الدرجات من الكفاءات الموجودة بالسلطة القضائية..
* و شملت التنقلات قضاة محسوبين على النظام (المنحل).. و يُقال أن ثمة قرار سوف يصدر بإبعاد القضاة المحسوبين على النظام " في إطار خطة لهيكلة السلطة القضائية وإنهاء سيطرة التنظيم البائد عليها، "
* و من بشريات سير الثورة على خطىً مباركة لترسيخ المبادئ المبتغى تحقيقها، إصدار مسودة (مشروع قانون مفوضية إعادة بناء المنظومة الحقوقية والعدلية لسنة 2019).. بهدف ".... وضع الاسس وتعديل التشريعات اللازمة لتشكيل مجلس أعلي للعدالة والقانون ، للاشراف علي اجهزة العدالة والانظمة الحقوقية الاخري.... و تعيين و/ أو اعادة تعيين ، و إعفاء القضاة واعضاء النيابة والمستشارين القانونيين في كل الدرجات ، وترتيب و/ أو اعادة ترتيب الاقدميات والترقيات والدرجات وفق ما تحدده من اسس و ضوابط لازمة..."
* و بمناسبة القرار الذي سيصدر من مولانا نعمات لإبعاد القضاة المحسوبين على النظام، أتذكر قائمة تم تداولها في وسائل الإتصال الإجتماعية، قبل أشهر خلت، حوت أسماء بعض قضاة يعرفُ كلُّ من تعرَّفَ إليهم عن كثب أنهم أبعد ما يكونون عن شبهات الفساد.. و أن ممارساتهم المهنية لا تشوبها أي شائبة.. بل و أن تعاملهم مع غير المنسوبين للحزب، على المستوى الإنساني، لا يشبه تعامل معظم الكيزان مع أي فرد من خارج دائرة العصابة..
* أعرف أحد أولئك القضاة معرفًة شخصيةً.. و هو، بالرغم من إحتلاله أحد أعلى مراتب السلم القضائي، إلا أنه لا يمتلك سوى بيت من البيوت العادية في أحد الأحياء الشعبية.. و لا يمتلك أية سيارة خاصة، و لا شروى نقير.. كما أعرف قاضياً آخر في بدايات السلم القضائي و يمتلك عمارة فخيمة و سيارة فارهة تجوب الحي بعنجهية مفرطة..
* و في ظني، أن معالي رئيس القضاء مولانا نعمات تعرف الكثير عن زملائها القضاة مهنياً، بما فيهم المذكورين أعلاه، مثلما أعرف بعض القضاة اجتماعياً، بل و أعرف بعضاً منهم بالممارسة حيث وقفتُ أمام منصات ذلك البعض قضائياً مرات و مرات..
* و قد حضرتُ جلساتٍ عديدة في المحاكم، على مدى ثلاث سنوات و نيف.. و كتبتُ كثيراً عن (العدالة العاجزة) حيث التقيتُ أنماطاً من القضاة.. و فهمتُ مدى خطورة أن تكون قاضياً يتعامل مع مختلف النماذج البشرية يومياً.. ثم يعود إلى بيته مثقلاً بما تركه وراءه من (معضلات) لا بد أن يجد لها، في اليوم التالي، حلولاً تتفق مع نص القانون.. و ربما تتسق مع روح القانون، إذا لزم الأمر..
* و يقيني أنه لا توجد أزمة قانونيين في البلاد، فالقانونيون السودانيون المدركون لحقيقة مهنتهم و احترامها متوافرون في الداخل و الخارج.. لكن توجد أزمة تشريع لمصلحة المجتمع.. أزمة استحدثتها تعديلات خطيرة على قوانين ما قبل انقلاب الثلاثين من يونيو، ثم أحدثت تشويهات أخطر على دستور عام ٢٠٠٥.. بما سبب إرباكاً في المحاكم..
* و ثمة أزمة أخرى معروفة لدى جميع السودانيين هي أزمة أخلاق بعض القضاة، خاصة الكيزان منهم.. و هي أزمة مرتبطة بالمصالح الشخصية و التسييس شبه الكامل للقانون في زمن (الإنقاذ)..
* و يقيني أن مخرجات (قانون مفوضية إعادة بناء المنظومة الحقوقية والعدلية) سوف تُواجِه إنتقادات عنيفة إذا لم تُرضِ رغبات بعض المغبونين على النظام (المنحل) و بعض المتطلعين للإنتقام من بعض القضاة لسبب ذي صلة بمحاكمات سابقة..
* و سوف تتلقى المفوضية أسئلة لا حصر لها، إن أجابت عليها من الزاوية القانونية البحتة، في إطار تخصصها، هاجمها البعض هجوماً لا هوادة فيه.. و إن أجابت عليها وفق (ما يطلبه الجمهور)، هاجمها ضميرها المهني هجوماً يلازمها للأبد..
* إن على القائمين بأمر المفوضية أن يظلوا بعيدين في أعمالهم عن ضغوط الناقمين على النظام (المنحل) و بعيدين عن ضغوط بعض الأفراد و الجماعات الذين أصابهم حكم قاضٍّ يعتبرون أنه قاضٍّ ظالم من القضاة الكيزان الفاسدين/ المرتشين..
* صدقوني، هذا و ذاك سوف يحدثان، و ما على المفوضية سوى الإنكباب على القانون و أخلاق المهنة فقط!
* فالناسُ عقولٌ حيناً.. لكنهم لسانٌ، فقط، في بعض الأحايين!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////