العبد لله من محبي مشاهدة اليتيوب، كل المواد قديمها وجديدها (ما عندي قشة مرة). أثناء المشاهدة أحرص علي متابعة التعليقات المصاحبة للعرض. معلقون لا يكتبون إلا فاحش القول، و آخرين لهم نقد موضوعي، بإسلوب أدبي رفيع، لكن ما أبحث عنه بين هؤلاء جميعا، المعلقون الساخرون، سخرية تبعث فكرة لم تخطر على بال.

من هؤلاء الساخرين، تعليق أحدهم علي ماما أميرة بأنها تشبه رجاء الجداوي! و آخر سخر من حسين خوجلي عندما تحدث عن عملية العين التي اجريت له خارج السودان في برنامجه مع حسين خوجلي، قائلا ( ما قلت للدكتور شوف لي تمصمص الشلاليف و التمطق دا سببه شنو!).

من خلال اليتيوب كذلك يدرك المرء الي أي مدي يبغض الشعب السوداني مشروع الإسلاميين السياسي. حسين خوجلي افضل إنموذج لهذا الكره، فهو أكثرهم نشاطا و حضورا في الوسط الإعلامي، و ما بثه من احاديث لا يدانيه احد. تحدث في كل شيء و علق علي كل شيء. أنشأ لنفسه فضائية إعلامية يرغي، و يزبد، و يهدد، ويتوعد.

في المقابل جيش جرار من المعلقين لحديث الرجل بالمرصاد، و لو تأمل حسين ببصيرته و من خلفه جموع الاسلاميين بالطبع وبعيدا عن شماعة شيوعي وعلماني، فسيدرك ليس الرفض لشخصه و حسب، بل لكل المشروع الإسلامي الذي يتحدث باسمه و يريد ترميمه و تسويقه، بشعارات زائفة و هتافية لا تثمن ولا تغني.

رغم ان الرجل وقف بشدة ضد الثورة و الثوار ، و هذه ليست القضية، وإنما رفض الشارع شمل كل ما انتجته أدبيات الإنقاذ، من شعر حماسي و فرق إنشاد في القاعات المكيفة و إنتهاء بعمليات الاستشهاد في احراش الجنوب. كل ذلك في نظر الكثيرين رقع في ثوب الإنقاذ البالي، لا قيمه له.

لاشك عندي ان الغالبية الساحقة من مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي شباب، يمثلون عصب الثورة و يدعمون التغيير، و بالتالي اي حزب او كيان سياسي يريد خوض الإنتخابات بعد الفترة الإنتقالية لابد من التنبه لهذا القطاع العريض الغير مؤدلج و لا يعترف بيسار او يمين، و له راي سلبي في الاحزاب الطائفية.

الاسلاميون و بكافة مدارسهم الفكرية ان ارادوا الدخول في سوق السياسة، و تقديم انفسهم مرة اخري للشعب السوداني فلهم في تجربة المخرج سعيد حامد اسوة حسنة. الرجل بعد ان تدرج في عالم السنما و وصل مرتبة مخرج، اخرج فلم الحب في التلاجة كانت نتيجته مخيبة،و سبب له مشاكل ولكن بعد سبع سنوات من المراجعة و التقييم اخرج اعلي الافلام دخلا في تاريخ السنما المصرية صعيدي في الجامعة الأمريكية.

نهاية حكومة الإنقاذ للاسلاميين كمثل التيه الذي ضرب بني إسرائيل في سيناء، تاهوا اربعين سنه، خلال تلك الفترة مات كل الجيل المهزوم نفسيا، و عقبه جيل جديد غير متأثر بافكار الأسلاف، يحمل رؤي مغايرة و منفتح علي تجارب العالم. هم من قاموا بفتح فلسطين.

لن نقول للإسلاميين إنتظروا اربعين سنة ولكن وطنوا انفسكم، و استمعوا للآخر المغاير فهو مرآة تعكس بصدق كل اخطاءكم و تجاربكم فانتم بشر تتعلمون بالتجربة. و لابد ان تعلموا ان للعمل السياسي قواعد و أخلاقيات و قوانين نضجت بالممارسة المتراكمة، يمكن ان تطبق في اي مجتمع في العالم و تنجح. كما انه لابد من سيادة مفاهيم بعينها من ذلك ان مفهوم المواطنة مقدم علي مفهوم الإنتماء الديني و الأيديولوجي. و ان وظيفة الاحزاب طرح برامج خدمية وليست افكار دينية و شعارات.

ان إستطاع الإسلاميون غسل أيديهم من الإنقاذ وتبروا من تلك التجربة فيمكن تسويق انفسهم للشارع السوداني، و الخيار في ذلك للناخب ان اقتنع ببرنامجهم الإنتخابي ولا اتصور ذلك قريبا.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.