بسم الله الرحمن الرحيم

1- سأعتمد في هذه المقاربة على نسخة الوثيقة الدستورية الموقعة في السابع عشر من شهر أغسطس 2019م، واتجاوز اللغط الذي أثير حول وجود وثيقتين استناداً إلى أن وزير العدل قد صرح بأنه سيعتمد العلم بهذه النسخة. 

2- في وجهة نظري أن المقاربة المنهجية العادلة للوثيقة الدستورية للعام 2019م تقتضي مقايستها بمثلها من الوثائق الدستورية الانتقالية التي حكمت جمهورية السودان عقب وقوع ثورات شعبية، أعني بذلك دستور جمهورية السودان المؤقت لسنة 1964م – وتعديلاته للسنوات 1965م، 1966م، 1968م، والدستور الانتقالي لسنة 1985م، إذ الجامع بين ثلاثتها أنها كانت حلولاً تشريعية متعجلة لملء فراغ دستوري نتج عن انهيار نظام سياسي سابق عليها.
3- بما أن الوثائق الثلاثة السابق الإشارة إليها تمَّ إعدادها على عجل، في ظل ظروف غير طبيعية فإنها لهذا السبب لم تخلو جميعها من ثقوب، والحق يقال إن القراءة المنصفة تفضي إلى نتيجة مؤداها أن الوثيقة الدستورية للعام 2019م - على الهنات التي اكتنفتها- فهي أفضل الوثائق الدستورية الانتقالية التي أشرنا إليها فيما سبق، على النحو الذي سأبينه في هذه المقاربة، ولا يبزها من حيث سد الثغرات وجودة الصياغة إلاَّ الدستور الانتقالي لسنة 2005م الذي كتب بروية وتأنٍ واهتم بالتفاصيل على الطريقة الأمريكية حتى أنه اشتمل على موضوعات محلها الطبيعي في العرف القانوني التشريعات العادية.
4- لن أتبِّع في هذه المقاربة منهج نشر النص وشرحه على طريقة تفسير الماء بالماء، بل سأدلف إلى جوانب التميز والكمال في الوثيقة الدستورية لسنة 2019م على نحو سريع – حسب وجهة نظري، ثم أتطرق إلى جوانب النقص فيها والبحث فيما إذا كان هناك سبيل لمعالجتها من داخل الوثيقة الدستورية نفسها، أم أن أمر معالجتها متعذر إلا باستصحاب وسائل من مثل التظاهر والتجمهر والعصيان المدني وغير ذلك من الوسائل السلمية المتاحة.
5- بما أن إكمال أي نقص، أو إصلاح أي عيب في أي تقنين سوءاً كان في الموضوع أو في الشكل والصياغة منوط بإجراءات التعديل، فإن أول مقاربة للوثيقة أرى أن تنصب على آلية التعديل في الوثيقة الدستورية لسنة 2019م ومقارنتها بآليات التعديل في دستور جمهورية السودان الموقت لسنة 1964م والدستور الانتقالي لجمهورية السودان لسنة 1985م، بجامع أن الوثائق الدستورية الثلاث المستصحبة في هذا الصدد جاءت عقب ثورات شعبية بغرض ملء فراغ دستوري كما ألمحت إلى سابقا.
نصت المادة (78) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م على ما يلي: (لا يجوز تعديل أو إلغاء هذه الوثيقة الدستورية إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي)، بمعنى أن تعديل الوثيقة هو من صلاحيات المجلس التشريعي الانتقالي أصالةً، لكن من جهةٍ أخرى نصت المادة (25/3) من الوثيقة على ما يلي : (إلى حين تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، تؤول سلطات المجلس لأعضاء مجلسي السيادة والوزراء يمارسونها في اجتماع مشتركٍ وتتخذ قراراته بالتوافق أو بأغلبية ثلثي الأعضاء)، وهذا يعني أن أيلولة سلطات وصلاحيات المجلس التشريعي بموجب هذا النص لمجلسي السيادة والوزراء مجتمعين تدخل فيها بداهةً صلاحية تعديل الوثيقة التي نصت عليها المادة (78) من الوثيقة، ذلك أن أيلولة سلطات المجلس التشريعي جاءت وفق المادة (25/3) عامةً من غير استثناء ولا تخصيص ومن المعلوم وفق قواعد التفسير القانوني أن العام يبقى على إطلاقه طالما أنه لا يوجد ما يخصصه، وهو ما نخلص معه إلى انَّ هذه الآلية المرنة للتعديل تعطي الوثيقة ديناميكيتها اللازمة لتسيير أعمال السلطة التشريعية إلى حين تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، بما يمكن مجلسي السيادة والوزراء مجتمعين من ملء أي فراغات دستورية أو تشريعية غير متوقعة مثل قضية تشكيل المجلس الأعلى القضاء والمجلس الأعلى للنيابة العامة وقس على ذلك من مسائل، هذه المرونة التشريعية في آلية التعديل خلى منها تماماً الدستور المؤقت لسنة 1964م فيما يخص فترة ما قبل انتخاب الجمعية التأسيسية التي أناطت بها المادة (52/2) من هذا الدستور المؤقت مهمة وضع الدستور الدائم وإقراره بأغلبية ثلثي الأعضاء وفق المادة (60/1) من نفس الدستور، بمعنى أنَّ الفترة الانتقالية (حكومة سر الختم الخليفة) السابقة على انتخاب الجمعية التأسيسية لم تتوفر فيها أي آلية لتعديل الدستور لمواجهة أي إشكالات محتملة، ونفس هذا الإقعاد المعيق لازم الدستور الانتقالي لسنة 1985م، إذ نصت المادة (136) منه على أنه : (لا يجوز تعديل هذا الدستور إلا بقرار تجيزه أغلبية 60% من أعضاء الجمعية التأسيسية الذين يتم انتخابهم)، بمعنى أن فترة رئاسة الفريق سوار الذهب وحكومة الجزولي دفع الله خلت جميعها هي الأخرى من آلية لتعديل الدستور الانتقالي لمواجهة أي أزمات دستورية، وهو نقصٌ قانوني واضح، ذلك أن أي دستور أو تشريع يحكم الناس ينبغي أن تتوفر له مرجعية قانونية لتعديله حلاً لأي إشكاليات تسفر عنها تطبيقاته العملية، هذا النقص تم تلافيه في الوثيقة الدستورية لسنة 2019م بصورة جيدةً وموفقة على النحو الذي أشرت إليه فيما سبق، وفي وجهة نظري طالما أن الوثيقة توفرت على آلية لتعديلها خلال الفترة الانتقالية السابقة واللاحقة على تشكيل المجلس التشريعي، فإن معالجة أي خلل في أي نصٍ من نصوصها هو أمر في منتهى اليسر عبر الأغلبية المدنية في مجلسي السيادة والوزراء المراقبة من مرجعيتها في قوى الانتفاضة، الأمر الذي يجعل للنقد الموجه إليها ثمرة، هي إمكانية تعديل الأخطاء بما يتفق مع القانون سواءً قبل أو بعد قيام المجلس التشريعي الانتقالي.
6- مقارنةً بالدستور المؤقت لسنة1964م والدستور الانتقالي لسنة 1985م، جاءت الوثيقة الدستورية لسنة 2019م أكثر وضوحاً من حيث تقسيم مستويات السلطات وصلاحياتها والعلاقات بينها، فقد نصت المادة (10) من الوثيقة الدستورية صراحة على أن أجهزة الحكم الانتقالي تتكون من مجلس السيادة ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي، فميزت بذلك بين أجهزة الحكم وبين أجهزة الدولة التي تندرج فيها - إلى جانب المجالس الثلاثة السابق ذكرها- السلطة القضائية والمحكمة الدستورية والنائب العام والمراجع العام وغير ذلك من السلطات الرقابية المستقلة عن مجلس السيادة والمجلس التشريعي ومجلس الوزراء، ولا شك أن التمييز بين أجهزة الحكم وأجهزة الدولة بهذه الصورة الواضحة فيه زيادة تأكيد على استقلال السلطات الرقابية عن أجهزة الحكم، وفيه توسيع مفاهيمي لمبدأ توزان السلطات والرقابة المتبادلة بينها Check and Balance) )، ومثل هذا التمييز الواضح خلا منه الدستور المؤقت لسنة 1964م وخلا منه الدستور الانتقالي لسنة 1985م الذي نصت المادة (58-1) منه كمثال على تكوين الهيئة التشريعية من رأس الدولة والجمعية التأسيسية على سبيل الديمومة فيما يخص كل الفترة الانتقالية اللاحقة على انتخاب الجمعية التأسيسية.
7- من محاسن الوثيقة الدستورية لسنة 2019م أيضاً أن الأحكام التي تتعلق بصلاحيات السلطة التشريعية وردت فيها واحدة وتحكم كل الفترة الانتقالية، إذ تسري أحكامها الفترة الانتقالية سواءً ما قبل أو ما بعد انتخاب المجلس التشريعي، بينما فصل الدستور المؤقت لسنة 1964م والدستور الانتقالي لسنة 1985م مسالة أحكامه فيما يخص صلاحيات السلطة التشريعية على مرحلتين داخل الفترة الانتقالية الواحدة، إحداهما لما قبل انتخاب الجمعية التأسيسية والثانية ما بعدها، فمثلاً المادة (41 ) من الدستور المؤقت لعام 1964 نصت صراحة على أن الفصلين الخامس والسادس منه واللذان يتعلقان بالسلطة التشريعية تسري أحكامهما فقط على الجمعية التأسيسية التي تعقب فترة الانتقال، أما الدستور الانتقالي لسنة 1985م فإن جميع أحكام الباب الرابع منه تسري فقط لفترة ما بعد قيام الجمعية التأسيسية، فحسناً فعلت الوثيقة الدستورية حين جعلت أحكامها جميعاً تسري من أول يوم لتوقيعها إلى تاريخ انتهاء الفترة الانتقالية بعد أن أوجدت حلولاً وضمانات لعلاج أي إشكاليات دستورية يحتمل وقوعها خلال الفترة الانتقال، ومن تلك الحلول أن الوثيقة أكدت على مباشرة مجلسي السيادة والوزراء لأعمال السلطة التشريعية حتى على المستوى الدستوري نفسه، إلى حين تكوين المجلس التشريعي وفق المادة (25/3) من الوثيقة التي تؤول بموجبها جميع صلاحيات المجلس التشريعي بلا استثناء إلى مجلسي السيادة والوزراء كهذا بإطلاق لا تقييد فيه إلى حين تشكيل المجلس، وهو أمر تدخل فيه حتى صلاحية تعديل الوثيقة نفسها كما ألمحت إلى ذلك سابقاً، لأن صلاحية التعديل المنوطة بالمجلس التشريعي بموجب المادة (78) من الوثيقة لم يحصل بشأنها أي استثناء فيما يخص أيلولة صلاحيات المجلس التشريعي إلى مجلسي السيادة والوزراء مجتمعين إلى حين تشكيل المجلس.
8- ورد في المادة (6/2) من الوثيقة الدستورية ما نصه ( على الرغم من أي نص ورد في أ ي قانون آخر لا تسقط بالتقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم القتل خارج نطاق القضاء وانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وجرائم الفساد المالي وجميع الجرائم التي تنطوي على إساءة لاستخدام السلطة الي ارتكبت من الثلاثين من يونيو 1989م)، وهذا أمرٌ محمود تمايزت به الوثيقة عن غيرها، إذ فيه ضمانة كافية للمحاسبة وعدم التحلل من الأفعال الإجرامية، وبالمقارنة نجد أن المادة (109) من الدستور المؤقت لسنة 1964م حصنت الأفعال التي تمت أثناء تأدية الواجب من أي ملاحقة قانونية، هكذا بإطلاق بمعنى حتى ولو مثلت هذه الأفعال انتهاكاً لحقوق الإنسان فإنه لا مسؤولية قانونية عنها إذا ما سقطت بالتقادم، أما الدستور الانتقالي لسنة 1985م فقد خلا من إي إشارة تمنع سقوط الجرائم بالتقادم، الأمر الذي تحصنت بسببه كثير من جرائم منتسبي النظام المايوي ضد إثارة أي إجراءات قضائية بشأنها .
9- من الإيجابيات أيضاً أن مهام الفترة الانتقالية وردت في المادة (8) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م في ستة عشر بنداً واضحةً ومحددة، وجعلت الأولوية لتحقيق السلام كما أنها أفردت الباب الخامس كاملاً لقضايا السلام مع تصور شامل لحل هذه القضايا، بمعنى أن هناك خطة عمل واضحة للفترة الانتقالية، بينما خلا الدستور المؤقت لسنة 1964م من مثل هذه الخطة، أما الدستور الانتقالي لسنة 1985فقد أحالت المادة (16-1-أ) منه إلى أهداف الميثاق الوطني من غير تحديد أو إعطاء أولوية لهدف على آخر فجاءت مهام الفترة الانتقالية مقتضبة جداً فيه مع ملاحظة أن الفترة الانتقالية في هذا الصدد هي الفترة الممتدة من تاريخ إجازة الدستور الانتقالي لعام 1985م إلى تاريخ وقوع انقلاب الإنقاذ في 1989م.
10- من إيجابيات الوثيقة أيضاً أنها يسرت مسألة رفع الحصانة الإجرائية عن أعضاء مجلسي السيادة والوزراء فجعلت ذلك يتم بالأغلبية البسيطة لأعضاء المجلس التشريعي وفق ما ورد في المادة (22/2) من الوثيقة، وسكتت بعد ذلك عن الإجراءات التي تتخذ في مواجهة العضو بمعنى أنها تركت الأمر للإجراءات القضائية العادية، بينما في الدستور المؤقت لسنة 1964م تتصدى الجمعية التأسيسية نفسها لمباشرة التحقيق في الاتهام وفق المادة (22-4) من الدستور المذكور وتتخذ الجمعية بناءً على نتيجة التحقيق قرارها بإقالة العضو أو الإبقاء عليه، ومما يحمد للوثيقة في هذا الصدد أنها وتحسباً لأي فراغ في أجهزة الحكم جعلت بموجب المادة (22/2) منها صلاحية النظر في أمر الحصانة للمحكمة الدستورية القائمة الآن إلى حين تشكيل المجلس التشريعي صاحب السلطة الأصيلة فيما يخص أمر رفع الحصانة، وهذا حل مرن لأي إشكاليات قد تنشأ في فترة ما قبل تشكيل المجلس التشريعي.
11- يحمد للوثيقة أيضاً، أنها أفردت فصلاً كاملاً لضمان الحقوق والحريات هو الفصل الرابع عشر منها، خاصةً المادة (42-2) من هذا الفصل التي نصت صراحةً على اعتبار كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان المصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءاً لا يتجزأ من الوثيقة، وهذا بلا شك فيه ضمانات للحريات الشخصية وتوسيع لدائرة الطعن دستورياً في أي تشريع أو أفعال تصدر من أجهزة الحكم بالمخالفة للمواثيق والاتفاقيات والعهود التي أشارت إليها المادة (42-2)، وفيه قطع لأي جدل فقهي بشأن مسألة سمو أو عدم سمو المواثيق الدولية على القوانين الوطنية، مثل هذه المعالجة الصريحة خلت منها الوثائق الدستورية الانتقالية السابقة والنظيرة للوثيقة الدستورية.
هذه في وجهة نظري أهم الملامح الإيجابية التي تتمايز بها الوثيقة الدستورية لسنة 2019م عن الوثائق الدستورية السودانية السابقة المثيلة والمشابه لها في النشأة والظروف المحيطة.
12- أما الهنات التي اكتنفت الوثيقة، فإن أهمها في وجهة نظري الخلل الذي اكتنف المادة (16) من الوثيقة والتي نصت على ما يلي: (تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة بدعم أفريقي عند الاقتضاء وفق تقدير اللجنة الوطنية لإجراء تحقيق شفاف ودقيق في الانتهاكات التي جرت في الثالث من يونيو 2019م والأحداث والوقائع التي تمت فيها انتهاكات لحقوق وكرامة المواطنين مدنيين أو عسكريين وأن يشمل أمر تشكيلها ضمانات لاستقلالها وتمتعها بكافة الصلاحيات للتحقيق وتحديد المدى الزمني لأعمالها)، أنعي على هذا النص أنه لم يحدد المرجعية التي تشكل لجنة التحقيق، وهذا قد يفتح الباب ابتداءً لنزاع بين كثير من الجهات والسلطات لتدعي كل واحدة منها أن لها الأحقية في تشكيل لجنة التحقيق، هذ من جهة، ومن جهةٍ أخرى يجعل أي لجنة يتم تشكيلها عرضة للطعن في أمر تشكيلها بعدم الدستورية، طالما أن صاحب الصلاحية قد بُنِيّ أمره فيما يخص تشكيل اللجنة على الجهالة والتخمين، قد يقول قائل، إن الوثيقة الدستورية بسكوتها عن تحديد الجهة التي تشكل لجنة التحقيق فهي بذلك قد تركت الأمر للتشريع العادي – أي لقانون لجان التحقيق لسنة 1954م- ، قانون لجان التحقيق هذا نص في المادة (3-1) منه على أنه (يجوز لرئيس الجمهورية أو من يفوضه أن يصدر أمراً بتعيين لجنة تحقيق أو أكثر لتقصي الحقائق في أي حادث أو موضوع يرى أن الصالح العام يقتضي إجراء التحقيق فيه..ألخ)، ولا شك أن الركون إلى هذا النص في ظل الوضع القائم حالياً، يجعل أمر تشكيل اللجنة منوط بمجلس السيادة اصالةً لأنه بشكله الاعتباري الحالي هو رئيس الدولة، لكن لا يفوت علينا أن المادة (74) من الوثيقة نصت على أنه (باستثناء السلطات والصلاحيات الممنوحة لمجلس السيادة بموجب هذه الوثيقة الدستورية، تؤول كل سلطات وصلاحيات رئيس الجمهورية ذات الطبيعة التنفيذية الواردة في أي قانون سارٍ لرئيس مجلس الوزراء)، وبما أن الوثيقة لم تمنح مجلس السيادة صلاحية تشكيل اللجنة صراحةً، فاستنادا على نص المادة (74) من الوثيقة تؤول هذه الصلاحية لرئيس مجلس الوزراء، فإذا تصدى رئيس مجلس الوزراء لتشكيل اللجنة بموجب هذا المنطق التشريعي، فإن الأمر الصادر منه سيكون من جهةٍ أخرى عرضة للطعن بعدم الدستورية ويمكن تأسيس الطعن في هذا الصدد على أن نص المادة (16) من الوثيقة اشترط أن تكون اللجنة مستقلة، والتعيين عن طريق مجلس الوزراء يُفقد اللجنة صفة الاستقلال لأن من له حق التعيين يملك حق العزل الأمر الذي يجسد علاقة التبعية بين اللجنة ورئيس مجلس الوزراء في أسفر صورها، وهكذا نكون أمام ضرب ٍمن الدّوْر لا تنتهي دوامته بسبب الخلل الذي اكتنف المادة (16) من الوثيقة حين سكتت عن تحديد الجهة التي يكون لها صلاحية تشكيل اللجنة، وفي تصوري أنَّ حلْ هذا الإشكال يتطلب تعديل نص المادة (16) من الوثيقة، بتصدي مجلسي الوزراء والسيادة للأمر استناداً للمادة (78) من الوثيقة مقروءةً مع المادة (25/3) من نفس الوثيقة اللتان تخولهما مجتمعين الحق في تعديل الوثيقة الدستورية خلال الفترة السابقة على تكوين المجلس التشريعي وفق وجهة النظر التحليلية القانونية التي طرحتها في صدر هذه المقاربة، ويمكن أن يكون التعديل على النحو التالي : ( يصدر قانون خاص ينظم تشكيل لجنة التحقيق في أحداث كذا وكذا ويحدد – القانون- صلاحياتها وسلطاتها)، ثم يترك أمر اللجنة وضوابط تشكيلها وآليات عملها لمشروع التشريع (القانون) الذي يجاز لهذا الغرض من السلطة التشريعية المخولة التي هي مجلسي الوزراء والسيادة خلال فترة ما قبل تشكيل المجلس التشريعي.
13- أثير لغط كثير حول معالجة الوثيقة لمسألة تعيين رئيس القضاء ونوابه والنائب العام، مما رسخ قناعة لدى كثيرين بأن هناك نقصاً في الوثيقة في هذه الجوانب، وفي وجهة نظري أن الوثيقة عالجت هذه المواضيع بطريقة جادة تحسبت فيها لكل احتمالات الفراغ في أجهزة الدولة والحكم، ذلك أن نص المادة (29/1) من الوثيقة أكد على إنشاء مجلس للقضاء الأعلى يحل محل المفوضية القومية للخدمة القضائية الحالية ويتولى مهاهما وأن القانون يحدد تشكيله واختصاصاته وسلطاته، وأن هذا المجلس بموجب المادة (29/2) هو الذي يختار رئيس القضاء ونوابه وأعضاء المحكمة الدستورية، اللغط أثير بسبب أن أمر تعيين رئيس القضاء معلَّق على مجلس قضاء هو في رحم الغيب، لكن من يتأمل في الوثيقة ملياً يجد أنها سددت كافة الثغرات فيما يخص هذا الموضوع الحيوي الهام، فتشكيل المجلس الأعلى يحتاج لقانون، ولا يوجد حتى الآن مجلس تشريعي؟، نعم إثارة هذه المسائل تجلب الغم، لكن الوثيقة تحسباً لحدوث ذلك، جعلت صلاحية التشريع بموجب المادة (25/3) بيد مجلسي السيادة والوزراء مجتمعين خلال فترة ما قبل تشكيل المجلس التشريعي، لذلك من السهل جداً إصدار قانون ينظم مسألة المجلس الأعلى للقضاء ويحدد كيفية تشكليه وصلاحياته ليقوم هذا الأخير بتعيين رئيس القضاء، هنالك من رأى أن هناك تعديلاً أضيف إلى المادة 12/1/و من الوثيقة يخول مجلس السيادة الحق في تعيين رئيس القضاء، إذا صحت هذه الرواية فإن مثل هذا التعديل وفقاً للمادة (78) من الوثيقة لا يكون شرعياً ودستورياً إلا إذا تم بأغلبية ثلثي المجلس التشريعي أصالةً، أو بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس السيادة ومجلس الوزراء مجتمعين وفقاً للمادة (78) مقروءةً مع المادة (25/3) من الوثيقة الدستورية، وإلا فإن أي تعيين لرئيس القضاء من قبل مجلس السيادة في غياب اتخاذ هذا الإجراء سيكون عرضة للطعن بعدم الدستورية لتجاوز الصلاحيات (Ultra vires act)، وما يقال عن تعيين رئيس القضاء في هذا الصدد يقال عن تعيين النائب العام بموجب المادة (12/1/ز) مقروءة مع المادة (33) من الوثيقة، في غياب إعادة تشكيل المجلس الأعلى للنيابة.
ومن وجهة نظري أنَّ حل هذه الإشكاليات القانونية ينبغي أن يكون من خلال تبني مشاريع تشريعات مستعجلة يجيزها مجلس السيادة ومجلس الوزراء مجتمعين بما لهما من صلاحيات تشريعية بموجب المادة (25/3) تظل ساريةً إلى حين تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي الذي له صلاحية إعادة النظر فيها واتخاذ القرار بشأنها سواءً بإقرارها أو تقديم تشريعات بديلة عنها.

والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.


خليفة محمد السمري

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.