لقد عاش السودان منذ الاستقلال في يناير غياب الرؤية القومية الجامعة والفهم الحقيقي للخيار الديموقراطي الذي يتسع للتنوع العرقي والثقافي والديني في البلاد. فبدلا من ان يكون هذا التنوع مصدر قوة وابداع انحسر في قصور مفاهيم الساسة الذين تعاقبوا على حكم السودان حتى أصبح هذا التنوع مصدر تشتت لقدرات البلاد. وعلى الرغم من ان النظام الديموقراطي كان هو اس حكم السودان منذ فجر استقلاله، حتى في حالات الحكومات العسكرية، الا انه وبكل اسف فان المفهوم الديموقراطي لكافة الاحزاب السياسية السودانية وفترات حكم العسكر كان بعيدا كل البعد عن التداول السلمي للسلطة في الدولة وفي التشكيلات الحزبية. واعتمدت الاحزاب نظما رئاسية شمولية غيبت الرؤية الجماهيرية وبرزت فيها رؤية رئاسة الحزب التاريخية ورهنت إرادة الجماهير الحزبية للنزعات الذاتية لرؤسائها حتى أضحت كافة احزابنا التقليدية والحديثة فيما عدي واحد فقط ممالك يدين العامة فيها لمالكهم الامر الذي عتم المفهوم الاستراتيجي للتطور الديموقراطي فأصبحت الحلقة العينة (انتخاب انقلاب) سمة حكم السودان الامر الي الانغلاق الذاتي للأحزاب السياسية السودانية حول رؤية قيادتها التاريخية بعيدا عن مواكبة التطور والنمو الطبيعي للأشياء الذي يفرضه التطور العلمي الذي نعيشه اليوم مما ادي لإخفاق في الفهم العميق لكيف يحكم السودان فانشغلوا في هذه الذاتية الضيقة بعيدا عنما يهم اهل السودان إذ:
1- لم يتفق السودانيون حول كيف يحكم السودان (جمهوريه رئاسية = برلمانيه – فدرالية – كونفدراليه الخ).
2- لم تضع خطة استراتيجية لكيف تدار البلاد ريفها وحضرها.
3- لم تضع خطة استراتيجية لكيف يدار اقتصاد البلاد وتنوع مصادره.
4- لم يتفق على هوية البلاد وانتمائها (عربيه – أفريقية – اسلاميه الخ).
5- لم تضع استراتيجية للتعليم وتنمية الموارد البشرية كأساس للنهوض بالبلاد وانفاذ مقاصد التطور.
6- لم تضع استراتيجية لصحة الاانسان والحيوان كونهما سواعد النماء والتطور.
7- لم يلتف الناس حول ميثاق شرف ملزم يصون حرية وكرامة الانسان.
8- ولما كانت الاحزاب جميعها شموليه مع اختلاف مدي الشمولية وكذا الحكومات العسكرية ظلت الديموقراطية شعارا لخداع الجماهير ففاقد الشيء لا يعطيه.
9- لقد حكمت البلاد منذ استقلالها بقوي شموليه (احزاب رئاسية شمولية وحكومات عسكرية وعسكريه حزبيه) متمركزة بالمركز أهملت الريف العريض فاستشرت الجهوية والعرقية وتفجرت أطراف السودان في نزاعات مسلحة هددت وحدة الوطن ومزقت نسيجه الاجتماعي وأدت الي تقليص رقعته الجغرافية.
10- ان الغياب الحقيقي للشوري وغياب الممارسة الديموقراطية ادي الي تفتيت الجهد السياسي الراشد إن وجد واستنساخ احزاب لم تستطع الخروج من النهج الساري.
إيماننا عميق بان هناك طريق آخر لحكم السودان يخرجه من دوامة التأرجح الي ثبات حكم مؤسس على سيادة القانون وصون كرامة انسان السودان يجعل من تنوع مكوناته اساسا للبناء والتنمية. هذا الطريق لا يعبد الا بالعمل الجاد لإدارة هذا التنوّع، لصالح الوطن بكافة شعوبه وأقاليمه، ومع الاعتراف بحقوق كافة المواطنين في ظل السودان الموحد وهذا لن يتأتى الا بفهم عميق للممارسة الديموقراطية الحزبية الراشدة التي تحول الملكية الحزبية لجماهيرها لتداول فيها القيادة والبعد فيها عن شائعة غياب البديل بدعة الملكية الحزبية.
واذ نتفيأ اجواء هذه الثورة المجيدة التي رويت بدماء خيرة شباب السودان الذين قدموا ارواحهم قرباننا للحرية والسلام والعدالة حري بنا الوفاء لهؤلاء الشهداء والمفقودين والمعذبين ان نسد كافة الذرائع امام النزوات الشخصية وان نسمو على الذات بقدر التضحيات التي قدمت لبلوغ الغايات التي ماتوا من اجلها فأرواحهم الطاهرة ستظل دوما ترفرف فوق الميادين والشوارع تذكرنا بالمطلوب متي ما أخفقنا وتثمن الجهود نحو الغايات. ويملي ذلك على قوي الثورة ومجلس سيادتنا وحكومتنا وقوانا السياسية التحلي بحس وطني بعيدا عن المحاور والذاتية لإيجاد الطريق الآخر الذي يخرجنا من ظلمات الماضي وكسر دوامة الجمود التي جسمت على البلاد والعباد املا في ان يعزز جدوى الحكم الديموقراطي وذلك ببسط العدالة والمساواة في ظل حكم القانون لبلوغ الحكم الراشد بعيدا عن الغلو والاحقاد.
ان الفترة الانتقالية، بجانب المهام الكبيرة التي كلف بها (الحكومة والسيادة والتشريع) لتصحيح اخطاء الماضي، عليهم ايضا التأسيس لقوي سياسية ناضجة للتنافس ولضمان الديمومة الديموقراطية بعد الانتقال الامر الذي يتطلب تصحيح الممارسة الحزبية مما هي عليه وذلك بنفض الغبار عن الممارسة الحزبية بالطريقة التقليدية وتطويرها بموجب قوانين تملي عليها تصحيح دساتيرها وقوانينها لتسمح بتداول القيادة وتحديد مداها الزمني. ان اهمية هذا الامر تكمن في بروز رؤي الجماهير وعلوها على المكلفين منها للقيادة استعادة للنهج الديموقراطي الصحيح بالمشاركة الجماهرية فمن خلال الممارسة الراشدة والتداول في المواقع القيادية لجميع الاحزاب ستجد جماهير هذه الاحزاب ما تتطلع اليه فيها فحيث ان القوي السياسية السودانية كلها قطعا تحتاج الي إعادة هيكلة وتدابير قانونية تضمن المبتغى وتدفع نحو غايات المستقبل الديموقراطي للبلاد.
ان الانفراج الذي الحدث على علاقاتنا الاقليمية والدولية يشير الي ان السودان موعود بالنمو السريع والازدهار ان أحسنا الانتقال بعيدا عن التحور والمحاور قيادة وسيأسين. وعلى جميع أطراف مؤسسات الحكم الترفع عن المصالح الضيقة حزبية كانت ام شخصية لغاية اسمي طالما قدم لها هذا الجيل من شباب هذا البلد المعطاء الغالي والنفيس فحري بنا جميعا العمل الدؤوب لبلوغ مبتغاهم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

////////////////