ونحن نبدأ عهد جديد من بعد ثورة ديسمبر العظيمة .. ثورة الوعيّ والتغير ، وفي طريقنا الشائك نحو الديمقراطية طريقاً للحُكم منهجاً وممارسة في كل مؤسسات الدولة المدنية والسياسية ، لا بُدّ من إعادة بناء أحزابنا السياسية وإصلاحها حتي تكون مؤهلة للقيام بمهامها في العمل السياسي الديمقراطي وبالتالي أداء مهمة الحُكم ديمقراطياً كما ينبغي أن يكون عندما يتثني لها الوصول عبر آليات الديمقراطية ، فإنه وبغير المعقول أن تتم ممارسة ديمقراطية حقيقية من غير مؤسسات ديمقراطية حقيقية ولايستقيم أن يكون هنالك إفتقاد للديمقراطية داخل أحزابنا ومكوناتنا السياسية نفسها ومن ثم تأتي هذه الأحزاب للسلطة كي تحكم بها ، ففاقد الشئ لا يُعطيه ..
الطريق نحو الديمقراطية يبدأ بإصلاح هذه الأحزاب وممارستها للديمقراطية داخلياً وتطويرها هنالك قبل أن تمارسها داخل السلطة أو مؤسسات الحُكم والدولة ..
خاصة وأننا في السودان وللأسف الشديد لم ننعم بفترات حُكم ديمقراطي مستقرة ومُستدامة تتطور من خلالها ممارسة الديمقراطية .. ولكن هذا لا يعتبر مبرراً أو عائقاً يحول دون الإصلاح والتصحيح للسلوك الديمقراطي داخل أحزابنا السياسية ..
سنبدأ تناول الإصلاح الديمقراطي داخل أحزابنا السياسية مع التركيز علي الأحزاب الكبري وذات الثقل الجماهيري والتجربة السياسية الطويلة في السودان وتحديداً حزبي الأمة والشيّوعي ، وسأبدأ بحزب الأمة القومي ..
حزب الأمة يعتبر من أقدم الأحزاب السياسية في السودان وقد تأسس منذ العام 1945 أي ماقبل الإستقلال .. ولعب ادوراً هامة في مجمل الحركة الوطنية سواء أتفقنا معه أو إختلفنا ، وله ثِقل شعبي كبير وجماهيري ويكفي فوزه بغالبية مقاعد البرلمان في آخر ديمقراطية 1986 ..
لكننا ومع هذا نعتبر حزب الأمة ورغم محاولات التحديث والتغيير خاصة من خلال خطابه السياسي إلا أن الواقع داخل الحزب وإعتماداً حتي علي البرنامج والدستور الخاص به ومن خلال ممارسته السياسية وديمقراطيته الداخلية نجدها تعاني من ( فقر ) شديد و تناقض كبير مابين الخطاب الذي يُقدمه حول الديمقراطية والمؤسسية ومابين واقع الحال ..
أقام الحزب ومنذ نشأته فقط سبع مؤتمرات عامة ، آخرها منذ 10 سنوات ونصف في مارس 2009 ، ظل السيد الصادق المهدي رئيساً للحزب بالإنتخاب منذ العام 1964 أي لأكثر من 55 عاماً وقد خلف والده السيد الصديق عبدالرحمن المهدي .. قد يقول قائل ولكنه يأتي بالإنتخاب ، فنقول لهم أن هذا ليس صحيحاً ، والدليل آخر إنتخابات في المؤتمر السابع فقد فاز بالتزكية ، وقد ترشح معه محمد حسن العمدة وطُعن في ترشُحه بينما إنسحبت سارة نقدالله التي إعترضت هي نفسها علي ترشيحها دون إستشارتها أو الرجوع إليها ، ففاز السيد الصادق المهدي بالتزكية ! ..
هل يستقيم ديمقراطياً أن يكون الرئيس في مقعده طوال الحياة .. أليست هنالك أُسس ديمقراطية لإتاحة الفرصة للآخرين وذلك بتحديد أمد للرئيس .. فرئيس يجلس في مقعده كل هذه السنوات فهو بلا أدني شك ( مُستبد ) وإن لبس رداء الديمقراطية ..
ثم إن الرئيس داخل حزب الأمة وبناء علي دستور الحزب نفسه له من الصلاحيات ما يجعله حقاً مستبداً ، فالرئيس يُعين نوابه ومستشاريه ، والرئيس يعين 5٪ من أعضاء المكتب السياسي ، وله حق تكوين أي عدد من الاجسام أفقياً تساعده في أداء مهامه ، وتعيين أي عضو لتمثيله في أي أمر يحدده الرئيس ويخص الحزب ، وله حق تعيين أعضاء الهئية الرقابية ( 10 أعضاء ) ، ومهمة هذه الهيئة مراقبة أداء الاعضاء وسلوكهم الحزبي وتنفيذهم لقرارات الحزب ، هئية بمقاييس ( أجهزة الأمن ) ، تقوم بالتحقيق مع الاعضاء ، ويُطعن فقط في في قراراتها لدي الرئيس وقرارات الهئية نهائية ! ..
في لقاء للسيد الصادق المهدي مع الصحفي جمال عنقرة في أغسطس من العام 2017 وفي سؤال للسيد الصادق المهدي عن من يخلُفه في حزب الأمة وعن إتهامه بسعيه للتوريث من أبنائه وأهل بيته ، أجاب السيد الصادق أن أبناءه مثلهم ومثل أعضاء الحزب وهم موجودين في الهيئات القائدة ، ولا تهمه مسألة حديث الناس عن مسألة التوريث هذه ، وأنه شخصياً سيقترح للمؤتمر الثامن أن تكون هنالك ( كُلية إنتخابية ) يتم إختيارها من ( 7أشخاص ) حتي لايكون أمر إختيار الرئيس مفتوحاً للجميع ، وأن يتم تقديم هؤلاء السبعة أشخاص للمؤتمر العام للإختيار من بينهم !!
أي أن السيد الصادق المهدي لايؤمن بأن يكون الرئيس مقعداً يمكن أن يترشح له أي عضو داخل حزب الأمة ! فهل هذه ديمقراطية ! ...أن تظل رئيساً مدي الحياة وأن لايأتي بعدك من يجلس علي مقعد رئاسة الحزب إلا باختيارك وتزكيتك وإشارتك الضمنية لأنه سيكون من أهل بيتك ، لان السيد الصادق المهدي وفي ذات اللقاء قال صحيح أن الناس يمكن أن تختار بالعاطفة من بين السبعة الذين قد يكون أحد بناته أو أبنائه منهم ! ..
حزب الأمة وفي الفقرة الثالثة من الدستور ينص علي أن الحزب يستهدي بالديمقراطية والمؤسسية ، فأين الديمقراطية والمؤسسية من كل ما أسلفنا ! ، من شروط العضوية نصاً أن لايُدلي العضو بأي تصريح لوسائل الإعلام دونما أخذ الإذن بذلك ، أي أن دستور الحزب لايؤمن بحرية التعبير ، فكيف لحزب يُريد أن يمارس الديمقراطية يكتم علي أنفاس أعضائه ولا يعطيهم حرية التعبير ويُسلط عليهم هئية رقابية تراقب مثل هذا السلوك الذي يُعتبر خروجاً عن مؤسسية الحزب ! .. وهذا يُفسر الإحتكار الدائم للإمام للتصريحات لوسائل الإعلام في حين نادراً جداً أن تري تصريحاً في صحيفة مثلاً مُزيلاً بعبارة ( عضو حزب الأمة القومي ) ..
الإصلاح داخل حزب الأمة يبدأ بتعديل دستور الحزب نفسه وفي طريقة إنتخاب هئياته العليا ومكاتبه وفي عدم إختزال الحزب في شخص الرئيس ، هو فقط من يفكر ويوجه ويُعين ويُصرح ولا يُسأل أو يُحاسب ، الديمقراطية لا تعني صُنع مستبدين بإسمها وبإختيار طوعي لعبودية سياسية ، فيا أهل حزب الأمة وأعضائه حرروا أنفسكم ومارسوا الديمقراطية كما ينبغي ، و يا أيها السيد الرئيس ومع كل الإحترام إترك مكانك لآخر يختاره أعضاء حزبك من بين الأعضاء ولست أنت من تقرر لهم ذلك فهكذا هي الديمقراطية ! ..
ونواصل ..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.