- إن أقلَّ ما يُقال عمّا جرى أنه كان إستثنائياً وخرافي... 

لقد فرضت عليَّ فُلّة قبل نصف قرنٍ من الزمان أن أصطحبها معي إلى دياري الجديدة، ورغم أنيي لم أفعل، ولم أستجب لندائها، وألبي إرادتها، إلا أن سؤالاً لحوحاً ظلَّ يراودني في النوم أو الصحيان:
- أكان عليَّ إصطحاب فُلّة والسماح لها بمرافقتي إلى دياري، أم من الأفضل أن أتركها بين بناتها و حفيداتها؟
ورغم بساطة السؤال، وهوان الإجابة عليه، إلا أنه ظل مُعلقاً في ذهني، هكذا، لمدة نصف قرن من الزمان!
لقد إفترقنا أنا وفُلّة عندما كان عمرها سنتين عندما صارت قادرة على الإنجاب، وطالت مُدَّة فراقنا وامتدت لأربعة سنوات كانت كفيلة بأن تسمح لبناتها وحفيداتها بالإنجاب: أيضاً!
ولكن، كلَّ ذلك لم يخطر ببالي عندما ودعتني فّلّة الوداع الأخير، طاويةً الأرض طيّاً وهي تجري خلف البص الذي أقلَّني من الجريف غرب إلى حيثُ دياري الجديدة، في الدُيُوم الشرقيَّة. ولكن، وأظن ذلك كان على سبيل التبرير وتناسي الذنب والتغاضي عن خذلان صديقة،فقد عشعشت في ذهني ذلك النصف قرن من الزمان صورة فُلّة ومقامها بإعتبارها ربّة لأسرة ممتدة وجدة لكلاب وكلبات كثر.... بل قل قبيلة بأكملها من الكلاب، إذا ما اعتبرناالدور الذي وجب أن تقوم به كلاب أخرى من الحي، والأحياء المجاورة، في انجاح مسيرة فُلة وبناتها وحفيداتها التناسليّة.
كانت رغبة فُلّة أن أصطحبها معي، ولكن كان مكانها الطبيعي ومصلحتها في البقاء في الحي العريق حيثُ تقيم أسرتها الممتدة!
هذه هي قناعتي الآن، بعد كساني مُرور السنوات وتقدُّم العمر بالحكمة مدفُوعة الثمن...ولكنني أجد ةالجُرأةَ لأعترف، الآن:
- ( إنَّ عدم اصطحابي لها كان إهمالاً وقسوة قلب، جالبة للندم!).
لقد غبت عن الجريف لمدة أربعة سنوات، ولكن مناسبة اجتماعية (عزاء) كانت قد إضطرتني بالذهابِ إلى هُناك... بغرض المجاملة والمؤازرة.
نزلت في محطة البص، ويممت وجهي غرباً شطر الحي الذي كنتُ اقطنه قبل أربعة سنوات، والذي كانت تفصله من الأسفلت مفازة كبيرة من جهته الشرقيّة،
وسالت الذكريات ومرت سجلاتُها في خاطري وأنا اقطع المفازة، ساهماً، شاخصاً ببصيرتي إلى ماضٍ عزيز، متأملاً تفاصيل صاغتها الأيام التي لن تعود، وإذا بصوتٍ يمتليء تحذيراً يُخرجني من حالة التأمل تلك:
- يا زول!... أعمل حسابك، الكلاب دي جاية هاجمة عليك.
ورغم توجُّسي بعد سماعِ التحذير، وأنا الذي لا يهابُ الكلاب أبداً، فأنني تطلعت ناحية الكلاب اللاهثة لأستجلي حقيقة الأمر.
ورأيتُها...
فُلة في المُقدمة، على رأس وفدٍ كلابي عالٍ لأستقبالي، كانت هي الوحيدة التي تعرف من تستقبل ولماذا تحتفل، يتبعها قطيع جاهل بأمري من كلاب الحي.
ورغم محدوديَّة أدوات التعبير التي تمتلكها فلة، فقد استطاعت أن توصل لي مشاعرها: بالكامل!
كانت تقترب مني، وتلتصق بأرجلي، في حركة دائريّة غير منتظمة، وهي تحمحم وتنبح نباحا خفيفاً يشبه التأوه، ثم تجري تجري مبتعدة وهي تهز ذيلها في حبور وانشراح...لمس شغاف قلبي.
وتذكرت الأدهم ...
الذي شكا لصاحبه بعبرةٍ وتحمحم!
ومن منتصف الطريق بدأت الكلاب المرافقة لفلة في الرجوع إلى حيثُ أتت...ولكن فلة تبعتني... وجلست قُبالتي في الصيوان. وعلى غير العادة، فإنه لا أحدا قد انتهرها، أو أقلق حالة السكون التي دخلت فيها، وهي ترمقني بنظراتها الحالمة بثبات وتركيز عاليين.
ولم أشاء أن أعطيها من الطعام الذي قُدَّم لي، ولكن يبدو أنه كان هنالك من يتابعها من أهل الحي، وكانه أدرك الخجل والحساسيّة التي انتابتي في اطعام فلة، فما كان منه إلا أن أحضر لها طعاماً فاخراً، لا يحتوي على فضلة أو تسمه الكرتة... في صحنٍ نظيف... وأكلت فلة دونما تتخلى عن تركيزها معي ودونما نزيح بصرها عني.
ولازمت مكانها، إلا أن وقفتُ مُودعاً، فوقفت إستعداداًلمُرافقتي، إلى سقط لقط، حسب ما بان من جريها خلف البص... بعد أن رفضت اصطحابها معي إلى دياري الجديدة.
لقد قالت فلة يومذاك كل ما عندها، وعبرت عن مشاعرها نحوي ببلاغة تعوز أغلب بني البشر... و أبانت الكم الهائل من الوفاء الرابض بين جوانحها... وعلى ذلك، فقد أوفت من ناحيتها بصداقتي وبرتني بصورة وجدانية لن تبارح خيالي ماحييت عن كيف يكون الوفاء للاصدقاء.
لله درها فّلة، من كلبة عظيمة فاقت فصاحتها عجزها على المُحاورة والكلام.

إنتهت


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

//////////////////