أخيرا حسم السيد وزير العدل مولانا الدكتور نصر الدين عبد الباري الجدل الذي كان دائرا حول الوثيقة الدستورية، وأكد وجود وثيقتين دستوريتين إحداهما تتكون من ٧٠ مادة هي الوثيقة التي تم التوقيع عليها في الاحتفال الرسمي الذي حضره ممثلوا الدول الصديقة والشقيقة، كما وقع على هذه الوثيقة بصفة شاهد كل من رئيسي وزراء اثيوبيا ومصر وبعض ممثلي المنظمات الاقليمية والدولية. أما الوثيقة الأخرى فتتكون من ٧٨ مادة، وهي وثيقة تم تعديلها في فترة لاحقة في اتفاق بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي، وتم بموجب ذلك زيادة ثمانية مواد إلى نصوص الوثيقة من بينها المواد التي تمنح مجلس السيادة الحق في تعيين رئيس القضاء والنائب العام، كما تمنح المجلس التشريعي الانتقالي الحق في تعديل الوثيقة الدستورية بأغلبية ثلثي أعضائه. 

والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تم السكوت طيلة هذه الفترة عن التعديلات التي جرت على الوثيقة الدستورية، وإخفاء المعلومات عن الشعب؟. فلا شك أن بلادنا تعيش مرحلة مفصلية ترسى فيها الأعراف وتوضع الاسس لدولة القانون، ومن الأولى أن تكون الشفافية والوضوح هي القيم السائدة التي تتعلق بأي تعديل على الدستور.
ولايزال الواجب قائما على عاتق وزارة العدل بصفتها المستشار القانوني للحكومة، أن تصدر إعلانا وافيا يملك الشعب كافة الحقائق ويضع أمامه الصورة كاملة حول الظروف والوقائع التي تعلقت بتعديل الوثيقة الدستورية وإضافة نصوص جديدة عليها.
أما السؤال الأهم فهو هل يصح قانونا تعديل الوثيقة الدستورية على الطريقة التي تمت بها؟. فمن الثابت أن الوثيقة الدستورية لم تتضمن نصا يحدد كيفية تعديلها أو يعطي لأي جهة حق التعديل، وهي بهذا الفهم تتصف بصفة عدم المرونة، وتدخل في إطار الدساتير المتعارف عليها فقها بأنها دساتير جامدة. ومن ثم يصعب جدا التسليم من ناحية قانونية بإمكانية تعديلها على النحو الذي جرت به بعد توقيعها.
وقد ناقش القضاء السوداني هذا الأمر بصورة مستفيضة في قضية جوزيف قرنق (ضد) حكومة السودان وهي القضية المشهورة بقضية حل الحزب الشيوعي السوداني. وخلصت فيها المحكمة إلى بطلان حل الحزب الشيوعي، وأسست ذلك على عدة قواعد من بينها أن الحقوق الأساسية المضمنة في الدستور الانتقالي المعدل عام ١٩٦٤ محصنة من التعديل التشريعي أو الدستوري، ذلك أن الدستور الانتقالي لم يتضمن آلية للتعديل، ومن ثم قصد إلى بقاء تلك النصوص على حالها خلال الفترة الانتقالية التي تمتد لعامين.
وقد كانت هذه القضية من أخطر قضايا فترة الديمقراطية الثانية، واستغلت فيها الاحزاب التقليدية أغلبيتها داخل الجمعية التأسيسية لاجراء تعديلات دستورية غير مشروعة للعبث بالنظام الديمقراطي وإهدار الحقوق الاساسية، مما أدى الى الاسراع بزوال كل النظام الديمقراطي وعودة الحكم العسكري مرة أخرى بعد أقل من خمس سنوات على الثورة عليه وزواله في أكتوبر ١٩٦٤.
نصت الوثيقة الدستورية الاصلية الموقعة بين قوى إعلان الحرية والتغيير علي كيفية تعيين رئيس القضاء، فذكرت المادة 28 من الوثيقة:
(1- ينشأ مجلس للقضاء العالي ليحل محل المفوضية القومية للخدمة القضائية وتولى مهامها ويحدد القانون تشكيله واختصاصاته وسلطاته
2- يختار مجلس القضاء العالي رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية ورئيس القضاء ونوابه)
كما نصت المادة (31) من الوثيقة على كيفية تعيين النائب العام فذكرت:
( ١- النيابة العامة جهاز مستقل يعمل وفق القوانين المنظمة.
٢- يرشح المجلس الأعلى للنيابة العامة النائب العام ومساعديه ويعينهم مجلس السيادة)
وعليه يبدو جلياً أن الوثيقة الدستورية الأصلية هدفت إلى إبقاء الوضع الراهن لرئيس القضاء ونوابه إلى حين تشكيل مجلس القضاء العالي، وإبقاء الوضع الراهن للنائب العام إلى حين تشكيل مجلس النيابة الأعلى، وأن مجلسي السيادة والوزراء سواء مجتمعين أو منفردين لا يملكان الصلاحية في تعديل هذا الوضع. والخيار المتاح أمامهما ليس تعيين رئيس القضاء ونوابه أو النائب العام، وإنما السير في اتجاه إصدار قانون لمجلس القضاء العالي، يوضح تشكيل المجلس ويبين كيفية اختيار رئيس القضاء ونوابه، ومن ثم يتم تعيين رئيس القضاء ونوابه وفق ما تورده نصوص ذلك القانون. إضافة إلى إصدار تشريع للنيابة العامة يوضح كيفية تشكيل مجلس النيابة الأعلى ومن ثم ترشيح النائب العام من قبل ذلك المجلس المعين وفق ذلك التشريع.
تعديل الدساتير ليس أمرا هينا يتم في جلسة أنس، وإنما هو إجراء خطير يهم كل الشعب و يتطلب الاحتكام فيه إلى قواعد القانون الدستوري، ومن ثم يتعين على وزارة العدل التأني ودراسة عواقب التسليم بالتعديلات التي تمت على الوثيقة الدستورية قبل الافتاء بتطبيقها.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.