بدأت حكومة د. حمدوك تشق طريقها الشاق وسط ركام من التعقيدات وأكوام من الأشواق تضيئها إشراقات وتعتمها هنات، والشعب وقوفا على شاشتها يحسب عليها الأنفاس، وتتقطع أنفاسه أمام أي عثار يعترضها، رحمة بها ورأفة عليها، فقد انتظر طويلاً هذه اللحظة وبذل من أجلها الأنفس رخيصات، فمن الطبيعي وجود هذا الشد وهذا التوتر.
بدأت الحكومة ووزراؤها عملهم تحت هذا الضغط النفسي الرهيب وكل الثوار يرقبونهم، وكلهم يسعى لنيل ثقة الثوار، وأمام سيل الضغوط والانفعالات وتراكم المطالب حتى لا تعرف من أين تبدأ تحدث الربكة، وتكثر الأخطاء، وهذا أمر طبيعي، فلا حركة دون أن تخلف أخطاءً، وبالأخطاء نتعلم، واللذين يودون مسيرة مبرأة من الأخطاء فليبحثوا عنها خارج هذا الكوكب.
وقد توجهت تلقاء وزيرة الخارجية أكبر حملة نقد شهدتها حكومة حمدوك، حتى هممت بأن أضرب صفحاً عن تناولها بالتعليق على حديثها الذي ما رأيت فيه عيباً منذ بثه، فما هي إلا لحظات حتى انقلب ذمها مدحاً، والاستهجان استحساناً، والهجوم اعتذاراً، فحمدت الله على ذلك، لكننا علينا أن نتعلم من ذلك الخطأ أنه ليس مطلوب من وزرائنا أن يكونوا خطباءً مفوهين، أو متحدثين مقتدرين، فذلك بالقادة السياسيين أليق، وإنما المطلوب منهم جودة الأداء العملي ووضوع الرؤية واستيعاب الفكرة، فلا ينبغي أن نضع معيار حسن الخطابة مستقبلا كمعيار أوحد، بيْد أن وزيرتنا جيدة الحديث وإنما ذاك الذي ظهر أنما هو حبكة فنية مرادة أظهرتها هكذا، وأنا أراهن على أن عملها سيكون الأفضل لأنها لم تأت إلى الوزارة من خارجها، بل هي ابنة ساحتها.
نعم ربما كانت ثمة تصرفات إلى الصبيانية أليق من بعض المسؤولين، وحسبها عليهم الثوار، لكننا نظن أن مرد ذلك هو سعيهم الحريص للحاق وتيرة الثورة الخفاقة المتسارعة، وأعينهم على عيون الثوار الجاهرة بوهج التصميم والعزم، فتعشيهم بسناها ويسترضونها بتسرعهم، فوقعوا في تلك التصرفات، لكنهم علموا –لا ريب- خطأ ما وقعوا فيه مما يجنبهم مزالقه مستقبلاً، لكن علينا نحن بكلياتنا أن ننتقل من فوران نفس الثورة إلى، طمأنينة عقل الدولة، وبين الأمرين بون شاسع، فالثورة مطلوب فيها الفوران حتى تتفجر فتنجز ما تريده إيلاداً بالطلق، والدولة مطلوب فيها التروي والأناة لتنضج ما أثمرته الثورة هدْأةً بالطبخ.
وبدا أيضاً أن ثمة ثقوب في الإعلان الدستوري، إذن لنسعى إلى رتقها، ولا نسعى إلى تخوين بعض من أنجزها، فإن فعل ما فعل بعلم فلتقديرات علمها ربما أنقذ بها ثورةً من وأد، أو حقن دماءً من إسالة، فليس كل ما يعرف يقال، وكنت استغرب من دعواتٍ ترى أن يكون التفاوض مع المجلس العسكري علانية، ففي أي مفاوضات هناك سرٌ وجهر، وإلا لما تمت تسوية ولا أمهرت اتفاقية، والحاجات تقدر بقدرها.
حملت الأخبار أن ثمة صراع بدأ بين مكونات قوى الحرية والتغيير في لجان الأحياء، وهذا أمر طبيعي ليس فيه أدنى ازعاج، وينبغي ألا يودي إلى مخاصمات أو انفراط في جسم التحالف، فالتنافس مطلوب وفق أسس ديمقراطية وهكذا نتعلم الديمقراطية ونعرف حدودها، وينبغي أن نتخلى عن أساليب التخوين فلكلٍ فلسفته تقف خلف مواقفه، فليس من يخالفك الرأي هو خائنٌ بالضرورة.
اجتالت الثورة كل شيء في السودان حتى حزب المؤتمر الوطني -الذي قامت الثورة على حكمه- فقد صار عليه بروفسور غندور، وهو شخصية فضحت النظام السابق على رأس الأشهاد في كلمته في البرلمان حين أعلن إفلاس الدولة وعجزها عن دفع مستحقات بعثاتها الدبلوماسية فكان لكلمته دوراً مقدراً في لفت نظر العالم إلى انهيار النظام خاصة، أنه حينذاك وزير خارجيته، فنال لعنات النظام وعَبَسِه حتى سقوطه، وعرفت عنه لبراليته، ومقالته الأخيرة بوجوب محاسبة المفسدين لا الدفاع عنهم مقالة وراءها شأن، لذا يجب أن ينال هذا التغيير في قيادة حزب المؤتمر الوطني نصيب من التدبر والتأمل، لأننا أنما نهدف إلى تثوير كل شيء حتى جماعاتنا السلفية، فتتزحزح عن مواقفها السابقة خطوات، وتؤمن بأفق الديمقراطية، نريد أن ننتقل كلنا كسودانيين بمختلف توجهاتنا من مربع الماضي الرجعي المتزمت إلى مربع الحاضر المستنير القادر على التجدد، لأننا لا نستطيع القضاء المبرم على مخالفينا في الرؤية، ولا استئصال شافتهم من الوجود، فالأفضل إذن أن ينتقلوا إلى مربع أكثر ديمقراطية ورحابة فكرية تقبل الآخر وتؤمن بالديمقراطية كنتاج طبيعي لفعل الثورة التي ليس لها حيز يحدها، وهذا لا يعني بالطبع العفو عمن أجرم، حيث أن المحاكمات الناجزة تقيةً من تكرار دورة الانقلابات والسطو على السلطة، ولو أنه أُتبع نهج المحاكمة عقب أول انقلاب لما بلغ بنا الحال ما بلغ، لقد قام الحزب الديمقراطي المسيحي في النرويج سنة1933 وفي ألمانيا سنة 1945 بتحالف كاثلوكي بروتستانتي، قام على القيم المسيحية لكنه تطور وصار من أكثر الأحزاب لبرالية بعد أن كان حزباً دينياً، وهو يحكم ألمانيا الآن، وقل هذا في كل الأحزاب المسيحية في أوربا، فنحن نحتاج إلى التثوير والتطوير في كل أحزابنا التي تعاني من إهمال الديمقراطية في مؤسساتها، ويتسيدها قادة حتى يقبروا دون تغيير، فكيف لها أحداث التعيير في البلاد إذن، وهي أحوج إليه في مؤسساتها، وحركاتنا المسلحة ليست بدعاً عن ذلك وأن كنا نقبل مؤقتاً شكلها الجامد الحالي تحت ضرورات وضعيتها الاستثنائية، لأننا نحتاج إلى معارضة ثورية ديمقراطية متجددة، يكون نقدها لصالح الدولة لا نكاية في خصمها، فالثورة لا تتجزأ.


--
قاسم نسيم حماد حربة
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

//////////////////