عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هنالك محاولة من تيارات الإسلام السياسي على توظيف المفاهيم التي قامت علي أساسها الثورة من دولة المواطنة والديمقراطية من اجل عودتهم إلى الممارسة السياسية ولو بعد حين، ولكن ذلك التوظيف يتم دون ادراك ان تلك المفاهيم التي اختارتها الثورة بعد صراع طويل بين التيارات الفكرية ونتيجة لكثير من الفشل الذي استمر منذ الاستقلال واستفحل مع دولة الكيزان، تم اختيارها بعناية نتيجة لمعالجتها للمشكل الآني المتمثل في الصراع بين التيارات الفكرية وتحديدا لتيار الإسلام السياسي الذي صادر حتى حق الحياة من السودانيين من اجل سيادة افكاره، فتلك المفاهيم تحمل معاني ومضامين لا يمكن توظيفها الا من خلالها، ولذلك على تيارات الإسلام السياسي التي تحاول ان تظهر بمظهر الانتماء للمرحلة الحالية وهي تتناول تلك المفاهيم ان تدرك معناها أولا حتى لا تدخل إلى معترك فكري أو تدخل فيه بعض الشباب من المتحمسين لتيار الإسلام السياسي، وهي في الحقيقة لا علاقة لها بتلك المصطلحات، أو عليها ان تعود إلى مفاهيمها ومصطلحاتها في دار الإسلام ودار الحرب والإمام والشورى غير الملزمة للإمام وان تترك فقه التقية ومحاولة التسلق على أكتاف الآخرين.

فلا يدرك أصحاب ذلك الفكر ان تلك المفاهيم اختيرت بعناية لاحتوائها على ثنائية المبادئ والوسائل، فدولة المواطنة التي تقوم على الحقوق المتساوية من التعبير إلى تقلد المناصب المختلفة هذه هي المبادئ وهي لا تمنح من جهة إلى أخرى أو من فرد إلى آخر ولكن هي حق لكل الأفراد في هذه الدولة بحكم الانتماء، ويتم ذلك من خلال الدستور الذي هو تعبير موجز لتلك المبادئ ويتم التفصيل أكثر في القوانين التي تأتي من الدستور والذي يأتي من تعبير دولة المواطنة. اما الديمقراطية والتي منها المؤسسات والفصل بينها وشكل الدولة رئاسية أو برلمانية فهي من الوسائل لتحقيق تلك المبادئ التي يضمها مبدأ واحد هو دولة المواطنة. فلا يتم الاقتراع على المبادئ مثل هل نقترع على ان السودان دولة مسلمة أو مسيحية أو كافرة؟ فدولة المواطنة تعبر عن كل الأديان بذات المستوى ولا يوجد فرق بين دين واخر طالما ان من يعتنقه سوداني، أو ان نقترع مثلا بمحاكمة المسيحيين أو اليهود بقوانين ما تسمي بالشريعة الإسلامية؟ فالاقتراع ليس مفتوح على علاته ولكن يحكمه المبدأ الأول وهو حق المواطنة. فالذين يحلمون بان تقودهم وسيلة الاقتراع إلى فرض آرائهم ومصادرة حق الآخرين يهزون بنوع من الخطرفات فقط وتحديدا جانب تيارات الإسلام السياسي، نتيجة لدخولهم لمعترك فكري لا علاقة لهم به.

وحقيقة لا ندرك عندما صرح الوزير نصر الدين مفرح بالترحيب بعودة اليهود كان يقصد ذلك أم لا ولكنه كان يعبر عن حقيقة دولة المواطنة، فلا يأتي الوزير أو أي مسئول إلى منصبه حاملا معه معتقده الديني أو أفكاره المسبقة، ولكنه يدخل إلى تلك المسئولية حاملا معه الدستور فقط، وبذلك يصبح الوزير نصر الدين قد عبر خير تعبير عن الوثيقة الدستورية بترحيبه ذلك، فالوزارة مسئوليتها خدمة الجميع وعدم تمكين جهة بالتغول على حقوق جهة أخرى، فتنظر لهم الوزارة على انهم سودانيين فقط وترى معتقداتهم التي من حقهم التعبير عنها وممارستها ولا تنظر للعدد وليس لها الحق ان تقول ان هذا الدين صاح أو ذلك خطا. ويمكن النظر للعدد في توفير أماكن للعبادة كافية بالنسبة لأي مجموعة من اجل ممارسة الجميع لعباداتهم اما من ناحية الوزارات فهم متساويين في الفرص كأديان وليس كمجموعات كبرت أو صغرت، وكذلك يجب على الوزير رفع الضرر عنهم من فئة أو فئات أخرى حتى ولو ظهر بشكل منحاز فذلك واجبه حتى لا تفترض فئة انها بكثرة العدد يمكن ان تتغول على حقوق الفئات الأخرى الأساسية.

ومن هنا نرحب مع الوزير بعودة اليهود السودانيين كمثال لبداية عهد دولة المواطنة، حتى يأتي اليوم الذي لا نسال فيه عن ديانة المسئول أو عرقه أو لونه، ويكون همنا الأساسي البرنامج الذي يريد به خدمة السودان.