كما أسلفنا القول فإن مفتاح الدخول إلى التصالح الدارفوري الدارفوري يكمن في الخلاص من متلازمة الأصلانية التي تمنح أحد الأطراف ميزة تفضيلية في احتكار التاريخ أو الجغرافية على حساب آخر داخل الإقليم، أو بالمقابل الاعتقاد الواهم بتفوق مزعوم على آخر غير منفصل عضوياً عن تكوين الطرف المعتقد، هذا الخلاص يظل هو الرهان الأكبر لبداية انطلاق تصالح داخلي منتج، والرهان الأكبر نحو بناء إقليم متزن. فما فعلته الانتهازية السياسية على مستوى القُطر على امتداد الحكم الوطني من تشويه لبنية الهوية الثقافية السودانية بدعوى العروبية الزائفة، لم يحقق لهوية السودان مكسباً غير تفكيك تنوع وثراء البلاد. وينبغي بالضرورة أن يشكل هذا التخبط (الذي اصطلى بنيرانه إنسان دارفور) رصيداً إضافياً لخبرته وتجاربه لتقويم مسيره مستقبلاً لبناء مجتمعه الجديد.

لقد وضعت اتفاقيات سلام دارفور المتعددة في غير مقام أهمية واضحة للحوار والتشاور الدارفوري الداخلي خاصة تلك التي أُبرمت في العاصمة القطرية الدوحة، بيد أنها لم تعدو عن كونها حديثاً عابراً سرعان ما تراجع الاهتمام به وانزوت القضية التي يمكن وصفها بأنها الأكثر تعقيداً في فضاء الإقليم حتى أضحت حبراً أنيقاً على ورق فخيم، لا تمت إلى واقع الناس وإشكالهم بأدنى صلة. فقد ورد في وثيقة الدوحة (الفصل السابع: الحوار والتشاور الداخلي وطرائق التنفيذ) أن الأطراف "تشدد على ضرورة مواصلة الحوار والتشاور داخل دارفور، بغية تعزيز السلم والتشجيع على المصالحة والتئام الجراح"، وأن "يسعى الحوار بشكل أساسي إلى ترسيخ السلم في دارفور وتعزيز بناء الثقة والتشجيع على تحقيق المصالحة والوحدة بين أهل دارفور والسودان بشكل عام عن طريق المشاورات الشعبية والحوار". وبالرغم من ذلك فقد كان هذا المحور على أهميته جزءاً من المحاور التي لم تشهد عملاً جذرياً يناقش حقيقة الإشكالية على مستوى الرؤى والأفكار وعلى مستوى التنفيذ، فطريقة صياغة المشروعات كانت مرحلية مؤقتة قُصد منها احتواء النزاع بصورة أقرب منها إلى العمل الاستراتيجي طويل المدى الذي يفترض فيه أن يعمل على معالجة مشكلات اجتماعية ثقافية متجذرة منذ عقود، كما أن مشاركة الجماهير في ذلك الحوار والأنشطة المصممة له لم تكن بالمثالية المناسبة التي يصبح معها الحوار مزاجاً شعبياً في الإقليم، حتى انتهى أمد الوثيقة وأهدرت السلطة الأموال الطائلة في برامج وأنشطة منها ما يصل إلى درجة العبثية.
إن التشاور والحوار الداخلي بقدر ما يحتاج لمواثيق لترعاه ومؤسسات توفر له الدعم المادي والتشجيع المعنوي، وبقدر ما يحتاج لأفكار وجهود ترسم الخطط وتصمم البرامج والفعاليات التي من شأنها تحقيق التعافي الداخلي، فإنه أيضاً يحتاج وبقدر أكبر لانخراط الجماهير فيه ولتفاعلهم مع أولوياته، ولن يتيسر ذلك بطبيعة الحال ما لم تلامس الأفكار والخطط والشعارات هموم جمهرة أهل دارفور، وهموم أهل دارفور في ما يتعلق بالحوار الداخلي تتطلب توفير الحد الأدنى من المشتركات كقاعدة للانطلاق ومن تلك المشتركات؛ الاعتراف بالحقائق التاريخية والاستعداد لتجاوز المرارات والمظالم التي لها القابلية على التجاوز الحقوقي، ثم العكوف على فهم واحترام ثقافة الآخر (المزعوم) بوصفها الجزء الأولي في بناء هُوية الإقليم الجامعة التي تقوم على صهر تعددية الثقافة والعِرْق في بوتقة واحدة يحكمها احترام التداخل الأزلي. ولعل من أهم المقاربات التي يمكن أن تُصاغ في هذا المجال هي إعادة الاعتبار إلى اللغات المحلية واحترامها والسعي من جميع المكونات إلى تقديم ما يمكن للترويج لها وحفظها من الاندثار ليس لأغراض التأريخ والأرشفة فحسب وإنما لأنها ما تزال تشكل عنصراً أساسياً في التواصل عند بعض القبائل والمكونات. إن اللغة كائن حي يعيش ويتنفس ويمرض ويموت ويندثر، وهي بهذا التوصيف معرضة للخطر وتعرضها للخطر يحدث بعدم استخدامها لأن متحدثيها يموتون أو ينتقلون إلى التحدث بلغة أخرى. وقد يحدث فقدان للّغة عندما لا يتحدث بها الأصليون من أهلها، وقد تُمسي اللغة ميتة أو منقرضة إذا لم يتكلم بها أحد في النهاية. وقد سجل التاريخ في السودان القديم عدد من اللغات المحلية التي انمحت بسبب موت أهلها أو تحولهم إلى التحدث بلغة أخرى بفعل الهجرات أو اعتناق الأديان أو نحو ذلك، من أحوال حركة المجتمعات. وفي ظني أن هذه اللغات رغم ما واجهت من تحولات واضطرابات ما كان لها أن تضمحل أو تنمحي لو أنها كانت مسطورة وموثقة. وقد آن الأوان للمثقفين من أهل دارفور والمؤرخين أن يلتفتوا إلى مسألة اللغة في دارفور بتدوينها والعناية بها، لكونها تمثل في مجملها جزءاً من إرث الإقليم وتركيبه الاجتماعية، متجاوزة بذلك حدود المتكلمين بها إلى ما هو أعمق من ذلك. ليس من أجل التدوين فحسب وإنما أيضاً لتجسير العلائق الثقافية بين مكونات الإقليم العرقية.
إن تداول لغات أهل دارفور والانفتاح نحوها بالتوثيق قمين بأن يؤسس لمرحلة من التعافي الداخلي والتجاذب الوجداني بين أبناء الأقاليم، وقد أثبتت هذه الإجراءات نجاعتها على المستوى الإعلامي إبان الأزمة، فراديو دبنقا مثلاً ما كان سيتأتى له ذلك الصيت والحشد الجماهيري لولا خطابه الإعلامي متعدد اللغات الذي تمكن عبره من الولوج إلى وجدان الجماهير ودغدغ مشاعرهم من خلال شكل المحتوى الإعلامي الذي يقدمه قبل مضمونه، الأمر الذي يستدعي منا الاعتراف للقائمين بهذا النمط الإعلامي بحصافتهم في هذا المسعى النابه.
من جانب آخر من الضروري أن تسعى مكونات الإقليم الثقافية والتعليمية إلى إيجاد صيغة مناسبة للتعامل مع تدريس اللغة العربية، فاللغة العربية هي لغة أهل دارفور المتداولة في المرافق العامة الرسمية والأسواق ومناسبات الدارفوريين الاجتماعية وهي بهذا الأساس لغة حية يتفاعل بها الناس ويتعاطونها في حيواتهم اليومية، لا شك لا ريب. بيد أن الأمانة تقتضي الإشارة إلى أن البون شاسع بين هذه اللغة العربية الدارجة التي يتداولها إنسان دارفور واللغة العربية الفُصحى أو تلك المستخدمة في مناهج التدريس الأساسي أو العام، فالكثيرون من أبناء دارفور يواجهون مشقة كبيرة في التعامل معها واجتيازها في سياق المناهج التعليمية الحالية، الأمر الذي ولّد توجساً منها أو إن شئت قلت كراهية تجاه هذه اللغة التي ظل النجاح فيها يشكل عاملاً حاسماً في التنافس على مقاعد القبول لدى مؤسسات التعليم العالي.
في ظل تعددية هذه المنطقة يكون من الحيف البائن، أن تفرض مناهج التعليم على أناس النجاح في مقرر لغة (هي بالأساس ليست لغة أم بالنسبة لهم) كشرط أساس لدخول مرحلة الطلب الجامعي، في وقت كان يمكنهم أن يكونوا نابغين فيما سواها من العلوم الإنسانية أو التطبيقية الأخرى، إذا ما طُرحت مسألة اللغة كتحصيل أكاديمي اختياري غير مصيري أو حاسم في تحديد مسار الدارسين. وعلى أي –اختلفنا أو اتفقنا مع هذا الطرح- فإن محصلة المناهج التدريسية في مجال اللغة بإقليم دارفور تفرض الحاجة إلى ضرورة خلق وصفة واقعية للتعامل مع معضلة اللغة العربية في مؤسساتنا التعليمية ليس لإيجاد مخرج لهؤلاء الطلاب من غير الناطقين بها فحسب وإنما لتعبيد الطريق نحو التداخل الطوعي بين اللغة العربية واللغات المحلية ولتأسيس تصالح داخلي بلا إكراه أو قسر.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.