تنفس الشعب الصعداء عند صدور الوثيقة الدستورية، فمهما قيل بشأنها فهي تنص صراحة على وجوب تحقيق أهداف الثورة ومنها الإصلاح القانوني وإعادة بناء وتطوير المنظومة الحقوقية والعدلية وضمان استقلال القضاء وسيادة القانون.

تحول أعضاء المجلس العسكري ليكونوا ضمن مكون مدني سيادي، تتبعهم التمنيات بالتوفيق والأمل بأن يسيروا في خطى الثورة، فمهما كان من أمرهم فالعشم لن ينقطع في كل أبناء الشعب...

تم تعيين د. حمدوك رئيسا للوزراء واستقبله الشعب بالاحضان والآمال العراض والتمنيات بالتوفيق..

تم تشكيل الحكومة وبدأت في مباشرة أعمالها ...

لكن ظل ملف الأجهزة العدلية، فيما يلي الهدف المتعلق بتحقيق استقلال القضاء والنيابة، مجرد وعود تمضي وتصريحات تتضارب، أثارت الشكوك حول النوايا، فخرج الشعب في مسيرات سلمية لتأكيد مطالبه، ولا يعد ذلك من قبيل الاملاءات، لأن المطالبة بتحقيق أهداف الثورة المنصوص عليها دستورا يعد حقاً مشروعاً للشعب تجاه حكومته .

أما مطالبة بعض الثوار بأسماء معينة، فلا ينبغي أن تستوقف أحد، فالشباب اوعى من أن يلتف حول الأسماء، والجميع يعلم أن المسيرات خرجت للمطالبة باستقلال القضاء والنيابة، وليس تعيين أشخاص بعينهم، وفي إطار هذا المبدأ كل شخص يعبر بطريقته التي يراها مناسبة.

ففيما يتعلق بالقضاء الجميع يعلم ان (قحت) دفعت باسم كاتب المقال واعترض المجلس العسكري وبدوري اعتذرت في حينه، وتم تجاوز هذه المرحله بأن قامت (قحت) بترشيح أسماء أخرى، بالتالي المسيرات هدفها التمسك بمبدأ استقلال القضاء بعيدا عن الأسماء.

هناك قناعة داخل مكونات السلطة الحاكمة بأن القضاء في حاجة لإصلاح يحقق استقلاله، بدليل أن هذا ما نصت عليه الوثيقة، وبدليل ان السيد رئيس الوزراء شدد في أكثر من مناسبة بأهمية تحقيق استقلال القضاء، والجميع على قناعة بأن نقطة البدء تكمن في تعيين رئيس قضاء، لكن ظل الموضوع معلقا دون أن يلمس الناس خطوات جادة، فكان طبيعيا أن يخرجوا للمطالبة باستقلال القضاء، ولا أرى في ذلك ما يستوجب الاستنكار، وعلى الحكومة قبل أن تحتج على المسيرات أن تملك الناس الحقائق بشأن ملف الأجهزة العدلية، ولا تترك مثل هذه المواضيع الهامة عرضة للشائعات...

لا يخفى على أحد أن التعقيدات التي تلازم ملف الأجهزة العدلية ، سببها أن كل الأطراف تربط بين الهدف المتعلق باستقلال الأجهزة العدلية والهدف المتعلق بمحاسبة منسوبي النظام البائد عن كل جرائمهم منذ 89، ومحاكمة المسؤولين عن مجزرة ميدان الإعتصام.

فالشعب يرى القتلة ومن نهبوا واستباحوا المال العام يحملون أثقالهم ويروحون ويجيئون كأن شيئا لم يحدث، بل ويخرجون ألسنتهم شماتة وتهكما في الثورة والثوار...

والشعب لا زال يعاني صدمة مذبحة ميدان الإعتصام التي هزت ضمير الإنسانية في كل بقاع الدنيا، ودماء الشباب لا زالت آثارها على الطرقات، والحزن لا زال يعتصر قلوب أمهات واباء وأهل وجيران وزملاء وأصدقاء الشهداء.

لذلك علينا أن ندرك بأن ملف الاجهزة العدلية يختلط بجوانب بالغة الحساسية والتعقيد، وحتى لا يتسبب ذلك في خلق أزمة قد تعوق مسيرة الفترة الإنتقالية، لا بد للحكومة بكافة مكوناتها من التحلي بقدر عال من المسؤولية الوطنية ومواجهة الأمر بالحكمة والاحاطة بكل جوانب الموضوع وتطوراته المحتملة وآثارها السالبة على الوطن.

وإنه مما يزيد الأزمة تعقيداً وخطورة أن تتعرض مثل هذه المسيرات السلمية للقمع .. في ظل دولة الحقوق والحريات وسيادة حكم القانون ، وفي وقت أصبح فيه التعبير السلمي حقا محميا بالوثيقة الدستورية.

نسأل الله الأمن والسلامة
لبلادنا وجميع أهلها


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.