عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


خارج المتاهة /

 

في تاريخنا ، تاريخ السودان المعاصر ، ثلاث تجارب ديمقراطية كانت السمة البارزة المشتركة بينها هي أنها كانت نخبوية ، أي أن أمر إدارتها والسيادة على البلاد باسمها كانت محصورةً في / ومتداولةً بين نخبة محددة ومحدودة في الحزبين الكبيرين (حسب التسمية السائدة) المستندين على الطائفتين المعروفتين ثم حلفاء لهما من "الهامش" في غرب البلاد وجنوبها القديم في شكل شخصيات وأحزاب مختلفة .. ورغم أن الكثيرين من أعضاء الحزبين الكبيرين كانوا خريجين مستنيرين ومثقفين ، مهنيين وتجار ، رغم ذلك ارتضوا ذلك الشكل الباهت من الديمقراطية ؛ التهريج في الليالي السياسية وإطلاق الوعود لجماهير الدائرة مبتدأ كل انتخابات عامة ، ثم الدخول في التحالفات والمناورات ، أي الصراع حول المناصب وكراسي الوزارة .. وكان السودان بالنسبة لهم - كما ذكرت مراراً - هو العاصمة المثلثة وبعض المدن الكبيرة ، فلم ينتبهوا لأنسجة التنوع الثرية التي تلون البلاد ليتعاملوا معها بمهارة تجعلها مصدر قوة واندماج ووحدة ..

ومع ذلك ، ورغم هذا التقييم السلبي لها ، إلا أننا لا نستطيع اسقاطها من حساباتنا ، بل هي تجارب مفيدة جداً - وكان لا بد منها - في نشأة ومسيرة وتطور الديمقراطية في السودان ، بمثل هذا النقد و (المعرفة) ، ألهمتنا تلك التجارب لطرق أفضل في فهم الديمقراطية وممارستها حكاماً ومحكومين ، سياسيين وجماهير ، بمعنى أن التجارب الديمقراطية الثلاث : (٥٦ -١٩٥٨ / ٦٤ -١٩٦٩ / ٨٥ -١٩٨٩) والانتفاضات التي رافقتها وفتراتها الانتقالية ، ليست كلها سوءاً وإنما تراث يحكي مراحل تطورنا الوطني ومفاهيمنا الجمعية ..

ثم كان هذا الانفجار الضخم في تكنولوجيا الاتصالات ووسائل التواصل الإنساني وما رافقها من الانتشار المتسارع للمعلومات هي العوامل الحاسمة في توسيع مدارك الأجيال الجديدة وشحذ هممها وتفجير طاقاتها - رغم بؤس الأوضاع التي نشأت فيها (١٩٨٩ - ٢٠١٨) - ليرسموا هذه اللوحة المذهلة ، المشحونة بالتوق للحياة القويمة واللحاق بالعصر ، المدججة بسلاحي السلمية المرعب والمحبة اللا محدودة للشعب والوطن ؛ فوقف العالم احتراماً لثورة السودانيين وحقهم في الكرامة والسعادة والاستقرار .. كان ذلك في مواجهة ثلاثين عاماً من التمكين وتمكين التمكين من قوم يحبون الحياة ومتعها بجنون ، لا ولاء لهم لتراب أو حدود وطن ولا لأملاكه العامة ، التمكين الذي خلف - بعد سقوط رأسه - جسداً ملغوماً بقنابل الردة و (ألانا) أو الطوفان .. كان رأس الجليد فيه المجلس العسكري الانقلابي والقوى المختبئة خلفه .. غير أن ثوار السودان انتبهوا للمخاطر وتدثروا بلباس المرونة امتداداً لأسلحة السلمية والمحبة ، فدخلوا في شراكة مع المجلس العسكري يتقدمون من خلالها نحو أحلامهم خطوةً خطوة ، وحلماً حلماً ، تجلى في الحكومة المدنية وستتجلى أكثر في المجلس التشريعي .. تجلى في الحكومة المدنية ؛ في طريقة تكوينها ، معاييرها ، وفي إفادات السيد رئيس الوزراء في مؤتمر إعلانها ، الإفادات التي كان من أهمها : ان السعي لإسقاط الحكومة بالوسائل القانونية حق مشروع ، وان المعارضة أمر هام بل وأساسي لأنها الجناح المكمل للحكومة في لوحة الديمقراطية ... إلخ ، ورغم أن بعض المعايير في تكوين الحكومة غير صحيحة (في اعتقادي) على المدى البعيد ، إلا أن ضرورات المرحلة وظروف التعافي الوطني تجعل منها أمراً مقبولاً مرحلياً .. اذ في الظروف الطبيعية لا معنى للتمثيل الجغرافي الجهوي أو الجندري النوعي إذا كانت الكفاءة هي معيار الاختيار ، فقد تكون أعلى الكفاءات من إقليم معين أو إقليمين ، وقد تكون في النساء أو الرجال ، وقد تكون من حزب أو حزبين ، فلماذا نحرم الوطن من الكفاءة الأعلى التي نتفق عليها وعلى جدارتها ؟؟ ، سنأتي على مثل هذه الرؤى في خطوات لاحقة من التطور والنماء والاندماج الوطني ..

نعم ، قفز السودان قفزات واسعة في طريق التطور الديمقراطي بثورته ، ثورة ديسمبر ٢٠١٨ الجارية حتى الآن بفضل أسلحته العبقرية : السلمية والمحبة التي لمعت وتجلت في وقائع الثورة وفي وقائع المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء عشية اعلان الحكومة الانتقالية .. ففي السلمية والمحبة تتجلى الديمقراطية في أعذب ألحانها وسيادة حكم القانون في وجهها البهي ..