(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)

سبتمبر ٢٠١٩

مقدمة
السودان على مفترق طرق. يوفر نجاح ثورة ٢٠١٨/ ٢٠١٩ فرصة فريدة لإطلاق نهضة جديدة تنطلق نحو تحقيق تطلعات الشعب السوداني المشروعة. غالبًا ما تطمح المجموعات السياسية في السودان في اطروحاتها إلى تحقيق رؤى كبيرة وعظيمة ذات أبعاد إقليمية وكونية. هنالك حاجة إلى مقاربة واقعية جديدة لتطوير رؤية وطنية بسيطة، واقعية، وقابلة للتحقيق في شكل "أمة سودانية حرة ومزدهرة تعيش في سلام مع نفسها، مع المنطقة والعالم، مقيمة للعدل تحت سيادة حكم القانون، وملبية للاحتياجات الحيوية لكل جماهير شعبها، ومساهمة في الحضارة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين."

هذه الرؤية متجذرة في قيم الثورة السودانية الاصيلة المتمثلة في العدالة والسلام والحرية، والتي تشكلت على مدى مئات السنين، معبرة عن كل ما هو جميل في التراث السوداني، ومتأثرة بقيم الإسلام المتسامح والمعتدل الذي مورس على هذه الأرض لوقت طويل قبل ظهور الإيديولوجيات المعاصرة في القرن العشرين.

الهدف يجب ان يكون متواضع، ومشابه لأهداف الأسر السودانية في ربوع الوطن. إنه ببساطة " إنشاء مجتمع في السودان، يجد فيه كل الشابات والشبان فرص التعليم المناسبة، ومن ثم الالتحاق بمهن ملبية للطموحات، والتمتع بحياة أسرية سعيدة وكريمة داخل بلادهم".

هنالك حاجه إلى نهضة سودانية جديدة من اجل تحقيق هذه الرؤية وهذا الهدف. ثورة ٢٠١٨/ ٢٠١٩ تقدم فرصة نادرة لإطلاق هذه العملية التاريخية.

من أجل نجاح مشروع النهضة السودانية، على الأمة أن تسجل في الاول تقدماً كبيراً على أربعة محاور: الديمقراطية وسيادة حكم القانون، المصالحة الوطنية، عقد اجتماعي سوداني جديد، والعمل على استقرار الاقتصاد المنهار في أوائل عام ٢٠١٩.

الديمقراطية وسيادة حكم القانون
يتم تعريف الديمقراطية هنا على أنها النظام الذي يتميز بانتخابات حرة ونزيهة، سيادة حكم القانون، وفصل السلطات. هذه هي المعايير المتحضرة لكيفية إدارة المجتمعات لاختلافاتها الداخلية في القرن الحادي والعشرين. السودان ليس استثناء. تمثل هذه المبادئ حلاً "تقنياً" لكيفية حكم الناس لأنفسهم، غير ملون بأي أيديولوجية. هذا الحل تم تبنيه من قبل الدول المتحضرة حول العالم، وبنفس المنطق تتبني هذه الدول المتحضرة السفر باستخدام الطائرات لأنه الحل "التقني" لكيفية حركة الأشخاص حول العالم في القرن الحادي والعشرين!

الانتخابات الحرة شرط ضروري ولكنه غير كاف لتحقيق الديمقراطية. يجب أن تكون الانتخابات نزيهة، ومعترف بها من الجميع على أنها نزيهة، بحيث لا يتم منح أي مرشح ميزة غير عادلة على الآخرين بسبب علاقتهم بالأنظمة الحاكمة السابقة. هذا المبدأ مهم لأن البلاد تخرج في هذه الايام من ثلاثة عقود من الحكم غير الديمقراطي والذي عمل على تركيز الثروة والسلطة في أيدي أنصار جماعة سياسية واحده.

خلال العقود الأخيرة، عانى السودان بشكل كبير من غياب سيادة حكم القانون. بدلاً من ذلك، ابتلي السودان بحكم رجل واحد! في كثير من الحالات، كانت القوانين المطبقة في البلاد تتعارض مع دستور البلاد، مما يحد من الحريات وينتهك حقوق الإنسان الأساسية. لم يتم إنفاذ العديد من القوانين الأخرى، أوتم إنفاذها بطريقة غير عادلة. سيتعين على السودان أن ينتقل سريعا إلى دولة تحترم سيادة حكم القانون، المطبق من قبل قضاء مستقل ومحترم.

في غياب سيادة حكم القانون، تم إضعاف المؤسسات السودانية في الهيئات القضائية (المحكمة الدستورية)، والتنفيذية (الوزارات)، والتشريعية (البرلمان) بشكل كبير، وفقدت استقلاليتها، من أجل تمهيد الطريق أمام حكم الرجل الواحد. سوف يحتاج السودان إلى إعادة بناء هذه المؤسسات مرة أخرى للعب دور مهم في المجتمع تحت سيادة حكم القانون، والعمل على استعادة تقاليدها الرزينة.

بينما يخرج السودان من ثلاثة عقود من الديكتاتورية، فإن إنشاء سلطة قضائية مستقلة هو خطوة ضرورية ومهمة. يجب إنشاء مفوضية حكومية للتحقيق في أي جرائم ارتُكبت خلال العقود الثلاثة الماضية وملاحقتها قضائياً من أجل رفع دعاوى مبنية على الحقائق والادلة أمام القضاء المستقل والمهني. يجب أن تتم هذه العملية بدرجة عالية من الاحترافية والنزاهة والدقة، من أجل تقديم نموذج حي لكيفية تحقيق العدالة في مجتمع ديمقراطي تحت سيادة حكم القانون.

إن إرساء سيادة حكم القانون في المجالين الاقتصادي والاجتماعي أمر لا يقل أهمية عن المجال السياسي. يجب سن قوانين جديدة وتطبيقها بصرامة لضمان الشفافية والمهنية والنزاهة في جميع المعاملات المالية والتعاقدية من قبل الحكومة. يجب أن تتضمن هذه القوانين إطارًا قانونيًا قويًا لمنع ومكافحة الفساد في التجارة والأعمال الاقتصادية. خلق بيئة اقتصادية صحية وعادلة أمر ضروري لأي تقدم اقتصادي حقيقي في السودان.

السلام والمصالحة الوطنية: تحقيق التنمية المتوازنة
منذ الاستقلال، لم يعش السودان في سلام مع نفسه. استمرت الحروب الأهلية في الجنوب، ثم امتدت إلى الغرب والشرق. التهميش والتقاسم غير العادل للسلطة السياسية بين المناطق، والتنمية الاقتصادية غير المتكافئة بين جميع أنحاء البلاد هي الأسباب الجذرية لهذه الصراعات.

التقدم الحقيقي في محور المصالحة الوطنية سيتحقق عندما تتحول معالجة قضية التهميش من مطلب تنادي به الحركات الثورية المسلحة في أطراف السودان الي هم أساسي تتبناه الحكومة المركزية في الخرطوم وتبذل الجهد الصادق والمؤثر لتغيير الحقائق على الأرض ولتزيل الظلم عن قطاعات واسعة من الشعب. الحكومة الانتقالية يجب ان تعطي الفرصة الكاملة في المرحلة القادمة لمعالجة هذه المشكلة المزمنة.

للمضي قدمًا، قد يوفر نظام الحكم الديمقراطي إطارًا مرضيًا لتقاسم السلطة والمصالحة السياسية. ومع ذلك، فإن التهميش هو في المقام الأول مسألة تنمية اقتصادية متفاوتة استمرت لفترة طويلة مما أدى إلى خلق الكثير من المشاكل الاجتماعية والسياسية. بالتالي، هنالك حاجة إلى نموذج مبتكر للتنمية الاقتصادية من أجل معالجة جزور المشكلة ومخلفات عقود من الإهمال والحروب، ولنشر الفرص الاقتصادية في جميع أنحاء البلاد، وخاصة المناطق المهمشة.

هنا، اود ان أقترح مبادرة لمواجهة تحدي التنمية الاقتصادية غير المتكافئة بتكوين "مفوضية وطنية لتحقيق التنمية الاقتصادية المتوازنة" للإشراف على المهام التالية:
• يجب إجراء دراسة استقصائية مهنية من قبل خبراء دوليون محايدين بالتعاون مع ممثلين للسكان المحليين لإعداد خريطة مفصلة توصف مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية في جميع المحليات. يجب أن تغطي هذه الخرائط مدي توفر الخدمات الصحية والتعليمية والمياه والكهرباء ومقاييس المساواة في التعليم بين البنات والأولاد، بالإضافة إلى مدي توفر الفرص الاقتصادية وفرص العمل في تلك المحليات.
• يمكن بعد ذلك ترجمة الخريطة نفسها إلى قائمة أولويات تعكس ترتيبًا موضوعيًا للمحليات لكي تستخدمه الحكومة المركزية لاستهداف استثمارات جديدة في التنمية الاقتصادية.
• أقترح استخدام جميع إيرادات الحكومة المركزية من النفط والذهب والمعادن الأخرى لإنشاء صندوق تنمية يستهدف المناطق الأقل نمواً بناءً على التصنيف والمعايير المحددة أعلاه، وبغض النظر عن الموقع الجغرافي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لجميع المانحين الدوليين الذين لديهم مصالح ورغبة في استدامة الاستقرار في السودان وأفريقيا المساهمة في هذا الصندوق الإنمائي. تخصيص جميع عائدات النفط، المقدرة بسعر السوق، لهذا الصندوق سوف يؤثر بشكل كبير على الميزانية المركزية.
• يجب أن يستجيب تخصيص الأموال لمقترحات محددة صغيرة مقدمة من السلطات المحلية من مستوي المحليات في جميع أنحاء البلاد. هذه الطريقة في تخصيص الاموال من شأنها تمكين مختلف المحليات والاقاليم على حساب سلطة المركز.
• يجب أن تستهدف استثمارات التنمية المستقبلية توصيل امدادات المياه النظيفة والصرف الصحي والخدمات الصحية (خاصة الأمهات والأطفال) والخدمات التعليمية (المتساوية للبنات والاولاد) والكهرباء، وبرامج التدريب لخلق فرص العمل، والاستثمار في التكنولوجيا الزراعية.
• يجب تنفيذ هذه المبادرة بأعلى مستوى من الشفافية بما في ذلك المسوحات الميدانية الأولية، والتقييم المهني، والتصنيف، ومصادر التمويل، ومعايير تخصيص الاستثمارات والعطاءات، وتفاصيل العقود، ومقاييس النجاح.

في تقديري، فان خلق توازن في التنمية الاقتصادية هو المدخل الأساسي لتحقيق العدالة بين أقاليم السودان مما يؤدي، مع مرور الوقت، للسلام المستقر. إذا أردنا سلاما مستقرا في السودان فلنوفر قدرا اوفر من العدالة الاقتصادية والاجتماعية. لدفع ثمن هذا السلام، تحتاج النخب السياسية والاقتصادية في السودان، وبشكل أساسي في المركز، ان تقدم طوعا تنازلات مهمة خصما على امتيازاتها التاريخية، تناسقا مع قيم العدالة والسلام والحرية. ولكن الفوائد التي سوف تعود على كل اهل السودان، في المدي البعيد، من الاستقرار والسلام سوف تفوق أي ثمن يدفع في المدي القريب.

عقد اجتماعي سوداني جديد
التهميش ليس هو المشكلة الوحيدة التي يجب معالجتها من أجل تحقيق المصالحة الوطنية في السودان. تشكل الطبيعة المتضاربة للأيديولوجيات المتنوعة التي توجه الطبقة السياسية في السودان تحديًا كبيرًا. تغطي هذه الأيديولوجيات أطروحات فلسفية وسياسية تمتد من أقصى اليمين الي أقصى اليسار، من السلفية إلى الإخوان المسلمين والقومية العربية والإفريقية والماركسية.

بينما يجب ضمان حرية التعبير والانتماء السياسي لجميع السودانيين، هناك حاجة ملحة للاتفاق على مجموعة مشتركة من الحقائق والمبادئ التي يمكن ان تشكل الأساس للتعايش السلمي لجميع هذه الأيديولوجيات المتنوعة داخل الأمة نفسها، جنبا إلى جنب مع غالبية السكان الذين لا يؤمنون باي من هذه الإيديولوجيات. والهدف من ذلك الاتفاق هو تفادي النكسات المستقبلية في التطور الديمقراطي السوداني، وتجنب تكرار تجارب عامي ١٩٦٩ و١٩٨٩.

هناك حاجة للاعتراف الصريح بميثاق موحد مشترك يحترمه جميع السودانيين، جميع الأطراف، وجميع المجموعات. قد يوفر هذا الميثاق إطارًا لعقد اجتماعي سوداني جديد يتفق عليه صراحةً من قبل جميع المجموعات السياسية والأفراد. هنا محاولة لتقديم مثال لهذا الميثاق المشترك الذي قد يجمع غالبية السودانيين:

• احترام التراث الإنساني المشترك القائم على العلوم والتكنولوجيا والابتكار، والذي يقوم بتشكيل ودفع الاقتصاد في عالمنا في القرن الحادي والعشرين، وتسخير هذا التراث لتحقيق تحول السودان إلى مجتمع حديث.
• ضمان المساواة والكرامة والاحترام والتمثيل العادل في السودان لجميع الأفراد والجماعات، نساء ورجالا، بغض النظر عن خلفيتهم الإقليمية أو دينهم أو أشكال التعبير الثقافي أو الأصول العرقية.
• الشرط الوحيد لكي يتمتع أي سوداني بكامل الحريات الأساسية والحقوق هو القبول بنفس الحريات والحقوق لجميع أفراد المجتمع الآخرين.
• الديمقراطية الممارسة من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وسيادة حكم القانون، وفصل السلطات هي الطريقة المتحضرة لكيفية إدارة المجتمعات لاختلافاتها الداخلية في القرن الحادي والعشرين. السودان ليس استثناء.
• في أي مجتمع حر، تعكس القوانين قيم الناس بشكل طبيعي. سوف تنعكس القيم السودانية في القوانين السودانية المصاغة والمجازة من قِبل ممثلي الشعب السوداني المنتخبين بطريقة عادلة وحرة من خلال عملية ديمقراطية، تحت سيادة حكم القانون. إرادة الشعب الحرة هي المرآة التي تعكس القيم الحقيقية للشعب مما يقود لصياغة قوانين مقبولة للجميع.
• النسخة المتسامحة والمعتدلة للإسلام هي العامل الرئيسي الذي شكل وصاغ قيمً الشعب السوداني من خلال أكثر من ألف عام. الأديان والتقاليد الأخرى تحترم وتمارس من قبل قطاعات مهمه من الشعب السوداني. يجب حماية حق الافراد في ممارسة أي من الاديان.

هذه المجموعة من الحقائق والمبادئ تشكل مثالًا للعناصر التي يجب إدراجها في أي عقد اجتماعي مقبول في السودان. بالطبع فانه لا يمكن الصياغة الناجحة لهذا العقد من قبل أي فرد واحد، ولكن يمكن ذلك من خلال مشاركة وتفاعل جاد ومتواصل من قبل مجموعات تمثل مختلف الأطياف السياسية.

الاقتصاد السوداني: من الأزمة إلى الاستقرار
إليكم بعض الأفكار والمقترحات المحددة والمفصلة التي اطرحها لتشجيع حوار بين الشباب السوداني حول: كيف يمكن للسودان تجاوز الأزمة الاقتصادية والمالية الحادة في أوائل عام 2019 نحو الاستقرار الاقتصادي، لكي يمهد الطريق للتنمية المستدامة؟ أقدم هذه المقترحات العامة، ليس من منظور خبير اقتصادي، بل من منظور فردي، منظور شخص حادب على مصلحة الوطن، ومعني بعمق الأزمة الاقتصادية في السودان.

السياسات المالية: العودة إلى الأساسيات
١. تعزيز الإنتاج الاقتصادي المحلي في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات هو هدف أساسي يمكن تحقيقه من خلال تهيئة بيئة اقتصادية عادلة وشفافة وتنافسية ويمكن التنبؤ من خلالها، وخالية من الفساد الحكومي والضرائب المفرطة وجميع التدخلات الحكومية الأخرى التي من شأنها أن تقلل من القدرة التنافسية في الاقتصاد السوداني بالنسبة إلى بقية العالم. إجتثاث جذور الفساد على المستوي الفردي والمؤسسي يمثل أولوية قصوى. إشاعة الشفافية هي ضرورة في المرحلة القادمة. هذه الخطوات تخلق المناخ الملائم لمجموعة سياسات مالية جديدة وضرورية في المرحلة القادمة.
٢. سعر صرف العملة الموحد الذي تحدده قوى السوق الحرة هو سمة من سمات جميع الاقتصادات المستقرة. قانون العرض والطلب هو المحدد الأساسي لسعر العملة الحقيقي، وبالتالي يجب علي الدولة ان لا تتدخل في تحديد سعر العملة مباشرة بل تركز في التأثير على العوامل الاقتصادية (وليس الاجراءات الأمنية) التي ترفع العرض وتخفض الطلب، فيستقر السعر. بشكل عام، يجب أن تشجع سياسات الحكومة السودانية تدفق العملة الصعبة إلى البلاد، وأن تثبط تدفق العملات الي خارج البلاد، وبالتالي تساعد على استقرار سعر العملة. يجب تبني سياسات معقولة لتشجيع الإنتاج المحلي والتصدير، وتثبيط الواردات والاستهلاك خصوصا السلع المستوردة. يجب الترويج للمنتجات المحلية على حساب السلع المستوردة.
٣. الإدارة الذكية لأنشطة الاستيراد والتصدير ضرورية. جميع عائدات العملة الصعبة من الصادرات يجب إعادتها إلى البلاد، وتحويلها الي العملة المحلية.
٤. يجب أن تنظم سياسات الاستيراد لضمان الأولوية للاحتياجات الأساسية مثل القمح والوقود والأدوية، ثم تنظيم استيراد قائمة محدودة من السلع الأقل أهمية، وبحجم يتوقف على مستوى الصادرات.
٥. في حين يجب أن يكون الأفراد قادرين على تحويل أموالهم والاحتفاظ بها داخل السودان كعملات محلية أو صعبة، يجب تنظيم تصدير العملة الصعبة والسماح بذلك بهدف تمويل الواردات الأساسية فقط، بما في ذلك تمويل استيراد المعدات والمدخلات الأخرى التي تعزز الإنتاج المحلي.
٦. يجب أن تسهل السياسات تحويل الأموال من قبل المغتربين السودانيين إلى السودان، وتشجع عودة السودانيين من الشتات واستقرارهم في البلاد من خلال توفير الحوافز المغرية لأولئك الذين يستثمرون في أعمال تجارية إنتاجية جديدة في السودان، ويشرعون في استيراد المعدات والتكنولوجيا، وتوظيف الشباب.
٧. لأسباب اقتصادية بحتة، يجب تطوير السياسات ومتابعتها لوقف التصدير النشط للعملة الصعبة من قبل كل الأجانب المقيمين في السودان. في ظروفه الحالية، السودان غير قادر علي تحمل تكاليف هذه التحويلات إلى الخارج.
٨. بدلاً من استيراد الكهرباء، ينبغي أن تركز الجهود الحكومية على توليد الكهرباء على المستوى المحلي مما يؤدي إلى الاكتفاء الذاتي مع التركيز على مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية. تخفيض واردات الكهرباء يوفر العملة الصعبة.
٩. لا ينبغي الاستعانة بشركات أجنبية لتقديم خدمات الموانئ او أي خدمات شبيهة لان هذه الشركات بعد تحقيق الأرباح السريعة سوف تصبح مشتر للعملة الصعبة، في المستقبل القريب، من أجل تصدير أرباحها.

إنصاف، وتعديلات، من اجل تحقيق الاستقرار
١. مراجعة هيكلة وتقييم الوظائف والأجور هو امر ضروري وخطوة أولي. رفع الحد الأدنى للأجور، عشرة اضعاف أو نحو ذلك، هو بداية جيدة لضمان مستوى معيشة كريمة للجميع.
٢. تحديد النسبة بين أعلى إلى أدنى راتب في الحكومة، إلى حوالي العشرين ضعف أو نحو ذلك، هي خطوة متقدمة من أجل ضمان العدالة الاجتماعية وتقليل التفاوت في مستويات الدخل.
٣. يجب إيلاء اهتمام خاص لرفع مرتبات المعلمين ورجال الشرطة والممرضات والممرضين والمساعدين الطبيين، لجعل هذه المهن المهمة أكثر جاذبية.
٤. إزالة جميع أشكال الدعم، بما في ذلك دعم الخبز والبنزين والكهرباء، تدريجياً وبخطوات محسوبة. يجب أن تؤدي إزالة الدعم في نهاية المطاف إلى تقليل التهريب بشكل كبير، والقضاء على التباين بين الأغنياء والفقراء في مقدار الدعم الذي قد يتلقونه. في الوقت الحالي، تُستخدم الموارد المركزية التي يستحقها الفقراء في أطراف البلاد، لدعم الأغنياء ( نسبياً) في الخرطوم.
إن مسألة الدعم، التي كثيراً ما تناقش في سياق السياسات التي تفرضها وكالات التمويل الأجنبية، هي في الواقع مسألة عدالة اجتماعية واقتصادية من الدرجة الاولي. هذا النقاش يحدث في بلد يدرس فيه الأطفال في فصول يفترشون ارضها بدون كراسي في الأطراف، ويموتون بسبب أمراض يمكن الوقاية منها، في حين يتمتع الأغنياء نسبياً في الخرطوم بغرف مكيفة الهواء بفضل الكهرباء المدعومة من الحكومة، ويستمتعون بركوب سياراتهم المسرفة في استهلاك البنزين المدعوم. يجب تصحيح هذه الأوضاع في السودان الجديد.
٥. استخدام المال المدخر من إلغاء الدعم لإنشاء نظام ضمان اجتماعي شفاف وفعال لدعم ذوي الدخل المنخفض اقتصاديًا، وتدريبهم للحصول على وظائف ذات دخول مجزية.
٦. يجب إدخال تسعيره تدريجيه للكهرباء والبنزين، والمياه بحيث يزيد السعر كلما زاد الاستهلاك. الاسراف في الاستهلاك هو آفة اقتصادية واجتماعية بالنسبة للسودان، وآفة بيئية للسودان والعالم!
٧. تحويل الموارد الحكومية الكبيرة المخصصة حالياً لأغراض عسكرية غير ضرورية بعد تحقيق السلام، واغراض أمنية غير متناسبة مع طبيعة النظام الديمقراطي، لاستخدامها في تمويل قطاعي الصحة والتعليم. يجب أن تكون الأولوية القصوى في السودان دائمًا هي الاستثمار في صحة وتعليم شعبه. هذه هي أهم وظيفة للحكومة.
٨. إنشاء برنامج جديد للتدريب مصمم بعناية لاستيعاب العدد الكبير من الشباب السودانيين الذين تتمثل مهاراتهم وخبراتهم الوحيدة في الجندية والقتال، (الحكومة والحركات المسلحة)، من اجل تسهيل اندماجهم في الأنشطة الاقتصادية المنتجة من خلال اكتساب مهارات جديدة، والتمويل البنكي لأعمالهم التجارية الصغيرة.
٩. استخدام الموارد العسكرية الحالية لتأمين الحدود ووقف تهريب البضائع والأشخاص، يجب على الجيش السوداني التركيز على حماية الحدود.

إصلاح السياسة الضريبية
١. اعتماد سياسة ضريبية تدريجية تعتمد بشكل رئيسي على ضريبة الدخل وأقل اعتمادا على ضريبة الاستهلاك، يجب أن يزيد معدل ضريبة الدخل مع زيادة دخل الفرد بطريقة مماثلة للعديد من البلدان الأخرى، ينبغي إعفاء المواطنين ذوي الدخل المنخفض من ضرائب الدخل.
٢. ربط فئات الضرائب بخدمات حكومية محددة على جميع المستويات الحكومية، حتى يتمكن المواطنون من التعرف على الخدمات التي تقدمها الحكومة ويتم تمويلها مباشرة من تلك الضرائب.
٣. فرض ضرائب جديدة على العقارات (حوالي 1٪من قيمة العقار)، كما هو الحال في معظم مدن العالم، على العقارات ذات القيمة العالية بشكل رئيسي في الأحياء الغنية من الخرطوم والمدن الكبيرة لتمويل الخدمات التعليمية والأمنية وصحة البيئة على المستوى المحلي وبالتالي توفير المزيد من التمويل الحكومي للخدمات في الأحياء الأقل حظًا.
٤. يجب فرض تحصيل ضريبي صارم، مع عدم وجود إعفاءات على الإطلاق.

مبادرات التنمية المستدامة
بعد تحقيق تقدم كبير على المحاور الأربعة: الديمقراطية وسيادة القانون، المصالحة الوطنية، العقد الاجتماعي السوداني الجديد، واستقرار الاقتصاد المنهار في أوائل عام ٢٠١٩، ستكون الأمة على استعداد لإطلاق مبادرات تحويلية متميزة من شأنها أن تصيغ وتشكل نهضة سودانية، على طريق التنمية المستدامة، وتقرب البلاد من الرؤية والهدف المذكور أعلاه. فيما يلي أمثلة لثلاثة عشر مبادرة مهمة:

١. التنمية المستدامة المؤسسة علي العلم والتكنولوجيا والابتكار
هناك حاجة ملحة للسودان للانضمام مرة أخرى إلى مجموعة الدول المتحضرة التي تقدر الدور الهام للعلم والتكنولوجيا والابتكار في حل المشكلات المجتمعية. يجب التخطيط لاستثمارات كبيرة ومتكاملة على جميع المستويات، بدءًا من دعم تعليم العلوم في المراحل المبكرة التي تبدأ قبل المدرسة الابتدائية، إلى تعليم مهارات التفكير العلمي في المدارس الابتدائية والثانوية، والالتزامات الجادة نحو تمويل البحوث حول المشكلات المجتمعية الحرجة في الجامعات ومراكز البحوث.

أدعو لمبادرة مهمة وكبيرة لتطوير تعليم الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية في المدارس الابتدائية والثانوية السودانية. يجب أن تنسق الجهود في (١) تدريب المعلمين وتحفيز مجهوداتهم بشكل أفضل، (٢) تطوير مناهج متقدمة وجديدة مماثلة لتلك المتبعة في بلدان متفوقة في هذا المجال مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، و (٣) وضع معايير وتوقعات عالية المستوي.

حماية البيئة والوقاية من المشاكل البيئية هي أولوية مهمة. يجب متابعة تطبيق اللوائح البيئية الجديدة والقائمة لحماية المياه والهواء والتربة والصحاري والغابات السودانية. يعتبر منع التلوث وتجنب التدهور البيئي أكثر جدوى عمليا، وأكثر فاعلية من الناحية الاقتصادية من أي محاولة لعلاج المشكلات البيئية بعد حدوثها. أدعو إلى إصدار وإنفاذ قوانين جديدة تنشئ مناطق محمية جديدة في الصحاري والغابات والسواحل في السودان.

يمثل تغير المناخ تحديا للسودان. هناك حاجة إلى تصميم خطط جادة لتكيف السودان مع آثار تغير المناخ. تتطلب درجات الحرارة الأكثر دفئًا تدابير تكيف مهمة في التخطيط الحضري وتكنولوجيا البناء المبتكرة. هناك حاجة إلى تدابير تكيف أخرى في قطاعات المياه والنقل والكهرباء. إن الاستثمارات الجديدة في الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية، ستضع البلد في طريق التفاعل الإيجابي مع عالم يتحرك بسرعة نحو اقتصاد منخفض الكربون.

هناك حاجة لإصلاحات كبرى في صناعات النفط والذهب للحفاظ على المصلحة الوطنية وتحديث التكنولوجيا، حماية البيئة، وحماية صحة العمال في هذا القطاع. هناك حاجة ماسة إلى المساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون لتطوير هذه القطاعات الوطنية المهمة. يجب الاستثمار في تطبيقات التكنولوجيا المتقدمة مثل "الحفر الأفقي" لتعزيز معدل استرداد النفط والغاز. استخدام تطبيقات تقنية أكثر تطوراً سيحسن كفاءة تعدين الذهب.

٢. ثورة السودان الخضراء
السودان، مثله مثل العديد من البلدان الأفريقية، يتخلف عن العالم في الإنتاجية الزراعية (كمية المحصول المنتج من فدان واحد)، بسبب عدم اعتماد تكنولوجيا زراعية مهمة مثل استخدام البذور المحسنة والأسمدة المناسبة، وطرق الري المتطورة.
تحتوي هذه المبادرة على ثلاثة عناصر:

أولاً، يجب اعتماد التكنولوجيا الحديثة في استخدام البذور المحسنة، وزيادة استعمال الأسمدة المناسبة، والتمويل للتوسع الرأسي للزراعة بدلاً من التوسع الأفقي. هناك حاجة ماسة لتجميع المعلومات ورسم خرائط خصوبة التربة، ولاستثمارات كبيرة وجديدة في البنية التحتية للبحوث الزراعية في السودان وفي التمويل الزراعي وتسويق المنتجات.
ثانياً، إطلاق صناعة الأسمدة السودانية لبدء وزيادة الإنتاج المحلي خاصة الأسمدة النيتروجينية، مع إمكانية استخدام الغاز الطبيعي السوداني من المواقع القليلة التي تم اكتشافه فيها. هنا، أقترح إنشاء مصنع كبير للأسمدة في منطقة الجزيرة أو حولها باستخدام الغاز الطبيعي المكتشف في المنطقة.


معدلات استخدام السماد وعلاقتها بالإنتاجية الزراعية

ثالثاً، ينبغي أن تشجع هذه المبادرة المعالجة الصناعية للصادرات السودانية الزراعية التقليدية مثل الصمغ العربي والسمسم والفول السوداني والقطن وغيرها لإضافة قيمة اقتصادية قبل تصديرها. وبالمثل، ينبغي أن تهدف أنشطة الإنتاج الحيواني إلى تصدير منتجات اللحوم بدلاً من تصدير الحيوانات أو علف الحيوانات، والاستفادة من قرب السودان من أسواق الشرق الأوسط.

ربما كان إطلاق الثورة الخضراء في السودان هو أهم مبادرة في هذه القائمة. هناك إمكانية كبيرة لزيادة إنتاجية الزراعة في السودان بشكل كبير كنتيجة لحزمة استثمارات متواضعة في التكنولوجيا الزراعية (زيادة استخدام الأسمدة وأصناف البذور الجديدة).

٣. الصحة العامة قبل الخدمات العلاجية
اقتصاد "المرض" مزدهر في السودان كما هو واضح في الانتشار الكثيف للعيادات الخاصة، وفي الطوابير الطويلة في المستشفيات العامة. يعاني الناس، وما زال الكثيرون يموتون بسبب أمراض يمكن الوقاية منها في السودان. على الرغم من ندرة الإحصاءات، فإن الإنفاق على العلاج الطبي والأدوية يتجاوز الاستثمارات في الصحة العامة بهوامش واسعة. إهمال الصحة العامة والوقاية من الأمراض هو السبب الجذري لأزمة الرعاية الصحية في السودان. هناك حاجة ماسة إلى مبادرة جديدة تستثمر في الصحة العامة للوقاية من الأمراض وتقليل النفقات الطبية الضخمة من قبل الجمهور في علاج الأمراض التي يمكن الوقاية منها! تحتاج الاولويات التي تحدد مخصصات الميزانية للصحة العامة والعلاج الطبي إلى تعديل كبير، يعكس الأولويات السائدة.

يجب فرض ضرائب جديدة على العيادات الخاصة والخدمات الطبية الخاصة، مع توجيه العائدات مباشرة لتمويل استثمارات في الصحة العامة مع التركيز على التثقيف الصحي والصحة البيئية.

يجب أن تكون الأولوية القصوى في السودان دائمًا هي الاستثمار في صحة وتعليم شعبه. هذه هي أهم وظيفة للحكومة. يجب ألا يكون القطاع الخاص المزود الرئيسي للخدمات الصحية، وعلى الحكومة أن تثبط استثمارات القطاع الخاص الهادفة للربح التجاري في القطاعات الصحية التي تستغل وتستفيد من أوجه القصور في المستشفيات العامة، والتي تستفيد من قلة الاستثمارات الحكومية في الصحة العامة.

٤. التعليم، من اجل الوظائف، ولدعم ريادة الأعمال
توسع التعليم العالي بشكل كبير في السودان خلال العقود القليلة الماضية. ولكن للأسف، تم هذا التوسع الكمي على حساب الجودة. موارد الجامعات الحكومية، بما في ذلك المحاضرين، غير كافية والتعليم المقدم ضعيف المحتوي. أصبحت الجامعات الخاصة تتفشى بعد أن أصبح التعليم العالي عملية تجارية تسعى لتحقيق أرباح سريعة من قبل المستثمرين الوطنيين والأجانب!

هناك حاجة ملحة لإعادة الهيكلة الأساسية لنظام التعليم العالي مع هدفين رئيسيين: (١) دمج الجامعات الحكومية في عدد أقل من الجامعات وتخصيص تمويل إضافي لتحسين جودة التعليم، (٢) تقليص الأعمال التجارية الهادفة للربح من التعليم العالي. يجب أن تدار الجامعات الخاصة كمؤسسات غير ربحية.

هناك مشكلة رئيسية أخرى في نظام التعليم العالي الحالي في السودان وهي الفصل الواضح بين المناهج التعليمية واحتياجات سوق العمل. هناك حاجة إلى إصلاح كبير للتأكد من أن الشباب السوداني يتعلمون ويتدربون على اكتساب مهارات إنتاجية قابلة للتسويق، وخاصة المهارات التي من شأنها أن تعد الشباب وتدربهم على بدء الأعمال التجارية الخاصة وإدارتها بدلاً من الاعتماد على الوظائف الحكومية.

نتيجة لسياسات الدولة في مجال التعليم العالي، تخرج عدد كبير من الشباب السوداني خلال العقد الماضي من جامعات سودانية فشلت في إعدادهم لأي مهنة متوفرة في السودان. هناك حاجة إلى برنامج طوارئ اسعافي جديد لإعادة التدريب من اجل تحويل هذا الجيش من الشباب العاطلين عن العمل إلى قوة عاملة منتجة تقود التحول الاقتصادي المرجو في البلاد. أقترح إنشاء برنامج وطني لتدريب الشباب يقدم الدبلومات والشهادات بعد الانتهاء من برامج التدريب العملي القصيرة والمكثفة في الجامعات السودانية (من ٣ إلى ١٢ شهرًا). يجب أن تكون الخطوة الأولى هي دراسة سوق مصممة لتحديد فرص العمل الموجودة حاليا والمتوقعة في المدي القريب. يجب ان تكون البداية هي قائمة الوظائف التي يشغلها الأجانب في السودان. يجب تصميم مناهج ومحتوى البرامج التدريبية لتناسب الوظائف المتاحة في سوق العمل. يجب توجيه اهتمام خاص لرفع مستوى هذه البرامج حتى يشعر الخريجون بتحسن كبير في اكتساب مهارات جديدة قابلة للتسويق، ومنحهم سمعة طيبة بين أصحاب العمل المحتملين. من أمثلة الموضوعات المحتملة لهذه الشهادات والبرامج: مهارات اللغة الإنجليزية ؛ إدارة المشاريع والمحاسبة؛ مهارات الكتابة والتواصل؛ مبادئ الإنتاجية الزراعية والاقتصاد الزراعي؛ المهارات المرغوبة في صناعة البناء؛ أساسيات ريادة الأعمال ، إلخ

في المدي البعيد، يجب أن يركز تعليم العلوم والتكنولوجيا في الجامعات السودانية على الفرص الجديدة الناشئة في الصناعات المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية والوقود الحيوي والطاقة الشمسية، والتي تربط بين البحوث التطبيقية وجيل جديد من رواد الأعمال السودانيين الشباب.

٥. نحو استغلال أمثل لموارد المياه
يتلقى السودان كميات كبيرة من المياه من نهر النيل. ومع ذلك، لم يستغل بالكامل حصته من مياه النيل المخصصة وفقًا لاتفاقية مياه النيل لعام ١٩٥٩ بين السودان ومصر. ونتيجة لذلك، تتدفق بشكل طبيعي إلى مصر بلايين الأمتار المكعبة من المياه غير المستغلة. استمر هذا الإهدار في مياه السودان كل عام لمدة ٦٠ عامًا، دون أي تعويض للسودان. يجب وضع خطط محددة للاستفادة من حصة السودان الكاملة من مياه النيل، وتنفيذها خلال فترة قصيرة.

الماء هو مورد استراتيجي وينبغي تحسين استخدامه لصالح الأمة. هنا، أقترح أن يدرس السودان فرص نقل المياه إلى ساحل البحر الأحمر لدعم تنمية المنطقة الساحلية. يمكن تصميم خط أنابيب مناسب لنقل المياه من النيل إلى ساحل البحر الأحمر. من أجل نقل المياه من النيل إلى بورتسودان، يجب ضخ المياه الي اعلي فوق مرتفعات البحر الأحمر في شرق السودان. ومع ذلك، يمكن استعادة جزء كبير من هذه الطاقة من خلال توليد الطاقة الكهرومائية حينما تتدفق المياه إلى أسفل قرب بورتسودان. يجب استخدام المياه المنقولة إلى بورتسودان لتلبية الطلب المحلي في تلك المدينة، وتطوير ساحل البحر الأحمر.

تطوير استراتيجية سودانية جديده وشفافة لاستخدام مياه النيل، تحقق المصالح الوطنية، وتثمن التعاون بين دول الحوض نحو استخدام عادل ومستدام لمياه النيل يجب ان يكون أولوية في المرحلة القادمة. إن موقع السودان بين إثيوبيا ومصر هو موقع جغرافي معقد، وسيقوم بالضرورة بإملاء استراتيجية مائية أكثر تعقيدًا من أي من البلدين. وبعبارة أخرى، فإن الموقف الاستراتيجي الذي يتم فيه عرض المصالح السودانية على أنها متوافقة تمامًا مع مصالح مصر، أو تتماشى تمامًا مع مصالح إثيوبيا، لا يتوافق مع حقائق الجغرافيا. على عكس هذه الصورة، فأن استراتيجية المياه للسودان في العقود القليلة الماضية باتت تتأرجح بين المواءمة التامة مع المواقف المصرية والتوافق التام مع المواقف الإثيوبية، اعتمادًا على اتجاه الرياح السياسية. المصلحة الوطنية للسودان هي في استراتيجية "التثليث" التي تحدد دائمًا مجموعة فريدة من المصالح الوطنية للسودان في مياه النيل.

كما هو موضح بالتفصيل في الباب الخاص بالثورة الخضراء اعلاه، سيستفيد السودان بشكل كبير من التوسع الرأسي للزراعة بدلاً من التوسع الأفقي، وبذلك يستخدم المياه بكفاءة أكبر. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يجعل السودان أولوية قصوى للاستثمار في تحسين كفاءة استخدام المياه من خلال اعتماد تقنيات الري المتقدمة. هذا التوفير سيمكن السودان من التوسع في مساحة الأراضي الزراعية وزيادة الإنتاج.


٦. ثورة الخدمات اللوجستية في السودان
يتمتع السودان بموقع فريد في أفريقيا محاط بأربع دول غير ساحلية: إثيوبيا وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد. جميع هذه البلدان غير ساحلية، وليس لديها أي موانئ بحرية لاستخدامها في تصدير واستيراد البضائع. يبلغ إجمالي عدد سكان هذه البلدان ١٣٥ مليون نسمة (أي أكثر من ٣ أضعاف عدد سكان السودان)، ويبلغ إجمالي الناتج المحلي الإجمالي ١٠٠ بليون دولارًا أمريكيًا. حتى وقت قريب، كان النشاط الاقتصادي الرئيسي بين السودان وهذه الدول هو تهريب السلع المدعومة! هنا، أقترح مبادرة تجارية ولوجستية كبرى تركز على الموقع الاستراتيجي للسودان وعلى تحويل السودان إلى مركز أفريقي للوجستيات والتجارة.

يجب أن تبني هذه المبادرة على الروابط الاجتماعية والتاريخية الراسخة والخبرات المحلية في تجارة الحدود وينبغي تشجيع التجارة القانونية لتحل محل التهريب! يجب على الحكومة الاستثمار في بناء البنية التحتية مثل الموانئ والسكك الحديدية والطرق السريعة. سيكون القطاع الخاص هو الفاعل الرئيسي في هذه المبادرة.

إحدى المزايا الاستراتيجية لهذه المبادرة تنبع من حقيقة أن الاقاليم السودانية المتاخمة لهذه البلدان الأربعة هي مناطق تم إهمالها تاريخياً، وبالتالي فإن هذه الاقاليم بحاجة إلى عمل إيجابي لتحفيز التنمية الاقتصادية.

٧. السودان كمركز أفريقي للخدمات المهنية
هذه المبادرة تسعي لتشجيع اقتصاد خدمات جديد في السودان، قائم على المعرفة. اقليميا، هناك فرصة لتحويل السودان إلى مركز أفريقي للخدمات الطبية والهندسية والتعليمية والقانونية. تعتمد هذه المبادرة على الميزة النسبية للسودان في هذه المجالات المهنية مقارنة بجيرانه الأفارقة.

يمكن اختيار مدن سودانية مختلفة كمراكز لأنشطة الخدمات المهنية المختلفة لتكون بمثابة نقطة جذب للسياحة الخدمية الأفريقية. ينبغي لهذه المراكز الجديدة أن ترحب بالزائرين المقتدرين من الطبقة الوسطى من الدول المجاورة الذين يبحثون عن خدمات مهنية متميزة في المجالات الطبية والقانونية والتعليمية والهندسية.

٨. السياحة: اكتشف السودان
يجب إطلاق مبادرة سياحية لتطوير الفرص في فصل الشتاء عندما يكون الطقس في السودان ألطف مقارنة بالطقس القاسي في الصيف. ينبغي استكشاف فرص تطوير صناعة السياحة مع التركيز على الآثار في الشمال، والمنتجعات البحرية في الشرق على طول البحر الأحمر، والصيد المستدام للحياة البرية في المناطق الصحراوية الواسعة، وتطوير منتجعات سياحية جذابة جديدة في جبل مرة وجبال النوبة.

يجب أن تتكامل السياحة الناشئة في المناطق الشمالية من السودان مع أنشطة مماثلة في صعيد مصر، وخاصة في هذه المرحلة المبكرة من تطور صناعة السياحة في السودان.

٩. نماذج جديدة ومبتكرة للتنمية الاقتصادية في السودان
السودان في حاجة ماسة لاستكشاف أنماط ونماذج جديدة للتنمية الاقتصادية. أحد النماذج التي يجب أخذها في الاعتبار هو النموذج المختلط الذي تكون فيه الشركات مملوكة جزئيًا للقطاع الخاص ومملوكة جزئيًا للحكومة. يناسب هذا النموذج القطاعات الاستراتيجية الوطنية مثل النفط والتعدين والنقل والاتصالات السلكية واللاسلكية. إنه يضمن أن تستفيد الأمة على النحو الأمثل من استخدام مواردها الطبيعية، مع الاستفادة من الكفاءة المحتملة في نهج القطاع الخاص في قطاع الأعمال. على سبيل المثال، يمكن إعادة إطلاق الخطوط الجوية السودانية الجديدة كشركة مساهمة عامة ربحيه، مملوكة جزئياً من قبل الحكومة بينما تدعو المواطنين والمغتربين لدعم شركة النقل الوطنية عن طريق شراء أسهم في الشركة الجديدة.

يجب أن تشجع السياسات واللوائح استثمارات السودانيين في الاقتصاد السوداني (المواطنين والمغتربين) وتثبط الاستثمارات الأجنبية القصيرة الأجل التي تسعى في النهاية إلى تصدير أرباح سريعة في شكل عملة صعبة (تجربة شركات الاتصالات). يجب تحفيز المغتربين السودانيين لتشكيل شركات جديدة تستثمر في مشاريع التنمية وتقوم بتحويل مدخرات هذا القطاع الهام من السودانيين للمساهمة في نهضة وطنهم الأم.

١٠. إعادة ترويج اسم السودان
عانى السودان في العقود القليلة الماضية من التغطية الإخبارية السلبية في وسائل الإعلام الدولية. هذه التغطية التي كانت دقيقة إلى حد كبير اضرت بالصورة العامة للسودان. هناك حاجة ملحة لتصميم وتنفيذ حملة إعلامية منسقة لإعادة ترويج اسم السودان بالتركيز على جميع الجوانب الإيجابية للسودان من تاريخه الغني، وتنوع السكان، والمناظر الطبيعية الجميلة. إن الثورة السلمية الأخيرة، والنضال الناجح للشعب السوداني من أجل الحرية، يمكن تقديمهما إلى العالم كمثال لإنجاز مشرف حققته هذه الأمة الخاصة. يمكن تسليط الضوء على النسخة المتسامحة للإسلام التي يمارسها السودانيون، والطبيعة السلمية والسخية للثقافة السودانية لتغيير الصور النمطية الراسخة عن السودان وشعبه. أخيرًا، يمكن تقديم الموسيقى السودانية التي تحظى بإعجاب عبر منطقة واسعة في إفريقيا إلى العالم كمثال على مساهمات السودان الثقافية في الحضارة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

١١. مواجهة التحدي السكاني
تواجه قارة إفريقيا أزمة سكانية. بحلول عام ٢٠٥٠، من المتوقع أن يرتفع عدد سكان العالم بمليارين. وستكون نصف هذه الزيادة في إفريقيا، مما يضاعف حجم السكان الأفارقة من مليار إلى ملياري نسمة. السودان لا يختلف عن محيطه الافريقي. من المتوقع أن يتضاعف عدد سكان السودان خلال الثلاثين عامًا القادمة. من الواضح أنه لا السودان ولا إفريقيا لديهما القدرة الاقتصادية على استيعاب هذه الإضافات الكبيرة في مثل هذه الأوقات القصيرة، وفي الوقت نفسه تحقيق التقدم المرجو في مستويات المعيشة لتقليل معدل الفقر. إذا لم يتم التعامل معها بشكل صحيح، فمن المحتمل أن تكون الزيادة السكانية سببًا رئيسيًا ثابتًا لعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي في السودان وافريقيا في القرن الحادي والعشرين.


توقعات الزيادة في عدد السكان، الأمم المتحدة

الحديث عن السياسة السكانية ليس موضوعًا محببا في إفريقيا. كيفية توصيف طبيعة ونطاق المشكلة أمر مثير للجدل. ومع ذلك، فإن النهج الأكثر كفاءة لمعالجة مشكلة السكان ليس مثير للجدل. تعليم الفتيات حتى الانتهاء من المرحلة الثانوية هو السياسة الأكثر فاعلية لمعالجة مشكلة السكان. من البديهي، أنه لا ينبغي لأحد أن يعارض تعليم الفتيات أو الأولاد في السودان أو في أي مكان آخر! يجب إطلاق مبادرة مهمة لتعليم جميع الفتيات السودانيات في جميع أنحاء البلاد، وخصوصا الأقاليم المهمشة، حتى يتلقين شهادة التعليم الثانوي السودانية. هذا مثال جيد على الكيفية التي ستساعد بها المساواة بين الجنسين على معالجة مشكلة مجتمعية مهمة.

في حين أن الزيادة في عدد السكان في بلد به بنية تحتية اساسية متطورة لتمكين الإنتاج الاقتصادي، مثل ألمانيا واليابان، قد تعزز الاستهلاك والطلب الاقتصادي وتحرك النمو الاقتصادي، فإن الحجة نفسها ليست صالحة بالنسبة للبلدان التي لم يتم تطوير هذه البنية التحتية فيها بعد. في مثل هذه البلدان، كما هو الحال في إفريقيا،ربما لا يرتفع معدل النمو الاقتصادي كنتيجة لأي زيادات في عدد السكان. بالإضافة إلى ذلك، لا تؤدي إضافة الأشخاص ذوي الدخل المنخفض إلى تعزيز الطلب الاقتصادي بشكل كبير بسبب قوتهم الشرائية المنخفضة. بدلاً من ذلك، فإن الزيادة في عدد السكان في ظل هذه الظروف سوف تثقل كاهل الدولة بسبب زيادة الطلب على الخدمات الصحية والتعليمية، وزيادة الطلب على الوظائف والفرص الاقتصادية. نتيجة لذلك، تصبح عملية التنمية الاقتصادية التي تهدف إلى بناء وتطوير بنية تحتية جديدة لتمكين الإنتاج الاقتصادي صعبة إن لم تكن مستحيلة. مثل هذه الظروف من المرجح أن تؤدي إلى عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي.


الاهرام السكانية

الهرم السكاني الذي يوصف التركيبة السكانية السودانية لمختلف الاعمار ينذر بمشاكل مستقبلية حادة، فعدد السكان في شريحة العشرينات يفوق ضعف عدد السكان في شريحة الخمسينات!. أي تحليل علمي لأحداث ثورة ٢٠١٨/٢٠١٩ لا بد ان يتطرق الي هذه الحقيقة الموضوعية، كواحدة من عدة عوامل اخري تشكل الاحداث في السودان. في حالة عدم مواجهة التحدي السكاني في السودان، فليس من المستبعد ان تقوم الثورة الشعبية القادمة في السودان ضد نظام ديمقراطي، لعجزه عن تحقيق الطلب المتزايد وبوتيرة متسارعة، على الخدمات الضرورية والحيوية التي تطالب بها الجماهير.

١٢. مؤسسات الأمن القومي السودانية الحديثة
يتطلب النظام الديمقراطي المستدام في السودان مؤسسات قوية للأمن القومي مصممة لحماية الأمة، ولحماية النظام الديمقراطي. هناك حاجة إلى مبادرة مهمة لإعادة هيكلة مؤسسات الجيش والشرطة والأمن لتتوافق مع طبيعة النظام الديمقراطي الجديد، وللاستثمار في تحسين الكفاءة التقنية لهذه المؤسسات من أجل خلق قوى حديثة وفعالة.

يجب تقاسم عبء وشرف الخدمة في القوات المسلحة السودانية من قبل جميع السودانيين، من مختلف الأقاليم، وجميع الخلفيات. الوضع الحالي حيث الخدمة كجنود في المؤسسات العسكرية، هو عبء يتحمله لدرجة كبيرة الشباب من المناطق والاقاليم المهمشة، لا يتفق مع قيم الثورة السودانية خصوصا العدالة، ويجب تغييره.

بالإضافة إلى أي استثمارات ضرورية في البنية التحتية المادية، هناك حاجة إلى بذل جهود كبيرة لتدريب وتثقيف الأفراد حول مبادئ النظام الديمقراطي، ومفاهيم سيادة القانون، وقواعد الفصل بين السلطات، ودور هذه المؤسسات المهم في المنظومة الديمقراطية المدنية. ينبغي أن تضع أي مؤسسة أمنية سودانية حديثة بروتوكولات للتثقيف حول أساسيات الحقوق المدنية، وللتدريب المستمر على قواعد التعامل مع السكان المدنيين.

١٣. نحو دور فاعل للصحافة في السودان
يجب أن تلعب الصحف دورًا مهمًا في أي نهضة سودانية، كمنافذ للمشاركة العامة ولتنوير الجماهير وتثقيفهم حول القضايا المهمة التي تواجه الأمة. تواجه الصحف في السودان وحول العالم ظروفا صعبة. شكل ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي تحديات كبيرة للنموذج المالي التقليدي للصحف وهدد مقدرتها على إستدامة التقاليد القديمة للصحافة. بالإضافة إلى ذلك، تضرر النموذج التقليدي لكيفية عمل الصحف بشكل كبير بسبب سياسات الحكومة في السودان خلال العقود الثلاثة الماضية.

يصعب إيجاد حلول لمشاكل الصحف الخاصة في السودان لتداخل العوامل المحلية مع تعقيدات ازمة الصحافة العالمية، ولذا اختار عدم الخوض في هذا الجانب من ازمة الصحافة السودانية. لكن ربما يكون هنالك فرصة لتطوير صحف عامة جديدة تدار بطريقة حيادية ومهنية. للمضي قدماً، أود أن أقترح مبادرة لإطلاق ودعم صحف سودانية جديدة (٢ أو ٣ صحف)، يتم نشرها ورقيا وإلكترونياً، تحت إشراف هيئة غير ربحية ومستقلة عن التدخل الحكومي المباشر، ولكن مع اعتماد نموذج مالي مماثل للنموذج الذي تتبعه هيئة الإذاعة البريطانية (من بين عدة مؤسسات أخرى شبيهة). يتم دعم هيئة الإذاعة البريطانية من خلال رسوم ترخيص التلفزيون التي تدفعها كل أسرة في بريطانيا. نظرًا لاختلاف الظروف في السودان، يمكن دعم هذه الهيئة المقترحة في السودان برسوم رمزية يتم فرضها بتشريع حكومي على كل مستخدم إنترنت، تضاف الي رسوم استخدام الإنترنت الخاصة بهم. يمكن تبرير هذه الرسوم بحقيقة أن المحتوى الذي تنتجه هذه الصحف سوف يتم الوصول إليه بحرية ومجانا عبر الإنترنت من داخل السودان. قد تتقاضى نفس الهيئة رسومًا صغيرة مقابل تصفح الصحف من قبل مستخدمي الإنترنت من خارج السودان، هذا بالإضافة إلى المصادر التقليدية للإيرادات من بيع النسخة الورقية والاشتراكات والإعلانات.

يمكن أن تدار هيئة الصحف السودانية الجديدة بواسطة مجلس ادارة معين من صحفيين وقادة مجتمع مدني محترمين من مختلف الأطياف السياسية. قد يختار مجلس الإدارة إطلاق ودعم عدد قليل (٢ إلى ٣) من الصحف الجديدة، مما يعكس تنوع الآراء الفكرية والسياسية، مع فرض درجة عالية من الاحترافية والنزاهة. لنجاح هذا النموذج المقترح، يجب اختيار رؤساء تحرير الصحف بعناية، من الاكفاء الذين يحترمون القيمً المهنية الراسخة. أقدم هذا الاقتراح مع دعوة صادقة لمزيد من التدقيق والإثراء من جميع أولئك الذين يؤمنون بالدور المهم للصحافة في تشكيل مستقبل السودان.


الواقعية (البراغماتية) الرشيدة في السودان
من سيقود النهضة السودانية؟ يبدو أن الجواب هو منظمة سياسية جديدة تعتمد على طريقة تفكير جديدة. ليس ايدولوجية جديدة بل طريقة تفكير جديدة، تقبل الواقع الموضوعي كما هو وتتعامل معه من خلال حيثياته، وليس عن طريق اسقاط الواقع واجباره على ان يطابق نموذج نظري تفرضه وتتوقعه نظرية سياسية وفكرية. طريقة تفكير جديدة تستشف الدروس من الماضي ولكن قبل ذلك تنهمك في دراسة تجارب الشعوب الأخرى في القرن الحادي والعشرين للتزود من التجارب الناجحة بالزاد المجرب الذي سوف يعين النهوض بالسودان الي افاق جديدة.

يتم تعريف الواقعية (البراغماتية) هنا على أنها النهج التجريبي الذي يسعى إلى دفع عجلة التنمية الاجتماعية والاقتصادية في السودان من خلال تبني حلول ثبت نجاحها في مكان آخر من العالم، دون قيود من أي فلسفة أو أيديولوجية سياسية تقليدية. يتم تشخيص المشكلات بدقة من خلال المسح الميداني وجمع البيانات ذات الصلة، ويتم تطوير الحلول وتطبيقها بالاستفادة من التجارب الشبيهة وقصص النجاح التي تم توثيقها في التعامل مع المشكلات المماثلة من جميع أنحاء العالم. يجب تفصيل هذه الحلول وتعديلها لتناسب الظروف المحلية للسودان. علاوة على ذلك، يجب أن تكون الواقعية (البراغماتية) في السودان رشيدة، غير مطلقة الحدود، بل مقيدة بقيم العدالة الاجتماعية والاقتصادية، ومسترشدة بمجموعة القيم السودانية الأخرى المضمنة في العقد الاجتماعي السوداني.

تأثرت الأحزاب السياسية السودانية القديمة (التقليدية والحديثة)، وفي الوقت نفسه تشكلت من خلال، دائرة الحكم الفاشل التي سادت في السودان خلال العقود الستة الماضية. ومع تقديري لإسهاماتهم السياسية الإيجابية وتضحياتهم والأعمال الوطنية من قبل العديد من أعضاء وقيادات هذه الاحزاب، إلا أن الظروف السياسية القاسية في البلاد اعاقت أي ابتكارات وقيدت أي جهود تحديث داخل هذه المنظمات لأكثر من نصف قرن. من أجل تفادي العودة الي دائرة الفشل السياسي هذه، سيتعين على جبهة سياسية عريضة، أن تظهر الي السطح تحت قيادة شباب ثورة ٢٠١٨/ ٢٠١٩، مكونة من افراد وجماعات سياسية تتحد حول برنامج تغيير ونهضة جديد، لتدير عملية التحول المطلوب بكفاءة، فبنود برنامج التغيير السياسي في السودان إلى حد كبير غير مثيرة للجدل.

تمتد الأيديولوجيات السياسية في السودان عبر كل ألوان الطيف السياسي من السلفية إلى الإخوان المسلمين والقومية العربية والإفريقية والماركسية. كل هذه الإيديولوجيات كانت متجذرة في ظروف القرن العشرين. لم تكن موجودة في القرن التاسع عشر، ولا أحد يعلم إذا كانت سوف تبقى مؤثرة حتى نهاية القرن الحادي والعشرين. لقد عانى الشعب السوداني خلال نصف القرن الماضي من خلال تجربتان فاشلتان تميزتا بالحكم الديكتاتوري والقمع في أعقاب انقلابين عسكريين، من اليسار في ١٩٦٩ ومن اليمين في ١٩٨٩. تشير الأدلة التجريبية إلى أن هاتين التجربتين، بالإضافة الي معظم التجارب الشبيهة التي قادتها الإيديولوجيات الثورية في القرن العشرين في مختلف دول العالم، كانت قصيرة ومحدودة العمر، وفي معظم الحالات انهارت ضحية لهياكلها الجامدة، او نتيجة لانتفاضة مشروعة في وجه القهر والظلم.

ومن ناحية اخري، اتبعت جميع البلدان التي حققت تقدماً اقتصادياً واجتماعياً جيداً، في التاريخ الحديث، سياسات إنمائية عملية تتبنى نسخة من اقتصاد السوق الحر ومقيدة بدرجات متفاوتة من سيطرة الحكومة على الاقتصاد الوطني. الميزة الرئيسية لهذا النظام هي المستوى العالي من المرونة، والذي يسمح بسيادة نظام اقتصادي وسياسي مناسب من بين خيارات متعددة تتراوح من الرأسمالية الخالصة التي تتميز بالحد الأدنى من الضمانات والقيود، إلى الاشتراكية الخالصة عندما يتم توسيع نطاق هذه الضمانات والقيود لتتيح للحكومة السيطرة الكاملة على الاقتصاد، وكذلك كل خيار آخر بين هذين الخيارين. افراد الشعب، من خلال ممثليهم في نظام ديمقراطي حر، يحتلون موقع القيادة في هذا النظام ويعدلون طبيعة الاقتصاد وشخصية الدولة الحديثة لتعكس إرادتهم الحرة، وفي نهاية المطاف لتعكس القيم والمصالح الحقيقية للأمة.

تشير الأدلة التجريبية إلى أنه يمكن تحقيق مستويات عالية من العدالة الاجتماعية والاقتصادية من قبل الدول التي تدار بحكمة ودرجة عالية من الواقعية (البراغماتية) مع الحفاظ على الحريات الاقتصادية والسياسية. في أعقاب ثورة ٢٠١٨/ ٢٠١٩ في السودان، يبدو أن الوقت قد حان للسودان للقفز نحو الامام، بقلب الصفحة على كل منتجات القرن العشرين السياسية، واعتماد نهج واقعي (براغماتي) رشيد، تدعمه الأدلة التجريبية المتراكمة من جميع أنحاء العالم، لتحقيق تنمية مستدامة تحقق التوازن بين الاقتصاد القائم على السوق الحر والقيود والضمانات اللازمة لتحقيق مستوي عالي من العدالة الاجتماعية والاقتصادية في السودان.


* الأفكار المقدمة في هذا المقال لا تهدف إلى تقديم حلول نهائية ومحددة لأي من المشاكل المعقدة التي تواجه السودان في هذا المنعطف المهم. هذه مجرد أفكار أولية تُقدم كمساهمة متواضعة في حوار افكار وطني، يحتاجه السودان، بشكل مفتوح وبأسلوب صريح وشفاف، وبمشاركة واسعة من جميع أولئك الذين يهمهم مستقبل السودان. جميعنا مواجهون في هذا الظرف بفرصة تاريخية نادرة لا نملك أن نضيعها.

 

 


Elements of Sudanese Renaissance*
Elfatih A. B. ELTAHIR
(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)
September 2019

Preface
Sudan is at a crossroads. The aftermath of the 2018/2019 revolution offers a unique opportunity for the launch of a renaissance in order to achieve the legitimate aspirations of the Sudanese people. Often political groups in Sudan aspired to achieve grand visions with regional and even global dimensions. A new realistic approach is needed towards a simple and achievable national vision for “a free and prosperous Sudanese nation in peace with itself, with the region and the world, establishing justice under the rule of law, satisfying the vital needs of all its people, and contributing to human civilization in the 21st century.”

This vision is rooted in the values of the Sudanese revolution of justice, peace, and freedom, reflecting the best of the heritage of the people of Sudan, and shaped over hundreds of years, guided by a tolerant brand of Islam practiced on this land long before the emergence of contemporary ideologies of the 20th century.

The goal should be modest and capture the essence of the goals of Sudanese families everywhere. This simple goal should aim “to create a society in Sudan where all young women and men would enjoy great educational opportunities, find rewarding careers, and lead a happy family life with dignity in their own country.”

A Sudanese Renaissance is needed to achieve this vision. The 2018/2019 revolution offers a rare opportunity to launch this historical process.

In order for a Sudanese Renaissance to succeed, however, the nation has to score significant progress along four axes: democracy and rule of law, national reconciliation, a new Sudanese social contract, and stabilization of the collapsing economy of early 2019.


Democracy and Rule of Law
Democracy is defined here as the system characterized by free and fair elections, rule of law, and separation of powers. These are the civilized norms of how societies should manage their internal differences in the 21st century. Sudan is no exception. These principles represent a “technical” solution for how people rule themselves that is not colored by any ideology. This solution has been adopted by civilized nations around the world; just as travel using airplanes is the “technical” solution for how to move people around the world adopted by civilized nations in the 21st century!

Free elections are a necessary but not sufficient condition to achieve democracy. Elections have to be fair, and recognized to be fair, such that no candidate is given unfair advantage over others due to their participation in or support of previous governments or relationship to the past ruling regimes. This principle is important since the country is emerging from three decades of non-democratic rule that worked to concentrate wealth and power into the hands of supporters of one political group.

During the recent decades, Sudan suffered significantly from absence of the rule of law. Instead, Sudan had the rule of one man! In too many instances, the laws applied in the country were inconsistent with the country’s constitution, limiting freedoms and violating basic human rights. Many other laws were not enforced, or enforced in an ad-hoc subjective manner. Sudan will have to evolve into a state that respects rule of law as enforced by an independent and respected judiciary.

In absence of the rule of law, Sudanese institutions in the judicial (judiciary and constitutional court), executive (ministries and agencies), and legislative (parliament) branches were weakened significantly, and lost their independence, in order to pave the way for a one-man rule of the country. These institutions will need to be rebuilt with clear guidelines, re-erected to stand tall again and play an important role in society under the rule of law, in order to gain back their sound traditions.

As Sudan emerges from three decades of dictatorship, establishment of an independent judiciary is a necessary step. Creation of a government commission to investigate and prosecute any crimes committed during the last three decades should be pursued in order to bring charges in front of an independent and professional judiciary. This process should be carried with a high degree of professionalism, fairness, and rigor in order to offer a model for how justice can be served in a democratic society under the rule of law.

Establishment of the rule of law in economic and social spheres is as important as in the political sphere. New laws should be legislated and enforced consistently to insure transparency, professionalism, and fairness in all financial and contractual dealings by the government. These laws should include a strong legal framework for prevention and fighting of corruption in commerce and business. Creation of a healthy and fair economic environment is necessary for any real economic progress in Sudan.

Peace and National Reconciliation Through Development
Since independence, Sudan has not been at peace with itself. Civil wars persisted in the south, then spread to the west and the east of the country. Marginalization, unfair sharing of political power between the regions, and uneven economic development across the country are the root causes of these conflicts.

The real progress along the axis of national reconciliation will be achieved when the issue of marginalization is transformed from a demand championed by armed revolutionary movements in the Sudanese regions into a fundamental concern for a central government that is making a sincere and effective effort to change the facts on the ground, and to address injustice suffered by large sections of the people. The transitional government should be given the full opportunity to address this chronic problem.

In moving forward, a democratic system of governance may provide a satisfactory framework for power-sharing and political reconciliation. However, marginalization is primarily a matter of uneven economic development that persisted for too long resulting in a myriad of social and political problems. Therefore, there is a need for an innovative model of economic development in order to address the root cause of the problem and the consequences of decades of neglect and war and to spread economic opportunities into all corners of the country, especially marginalized regions.

Here, I propose an initiative for addressing the challenge of uneven economic development. A “National Commission for Even Economic Development” can be created to supervise the following tasks:
• A professional survey carried out by independent international experts in collaboration with local representatives should be commissioned to produce a detailed map describing the level of economic and social development in all localities of each region in the country. These maps should cover access to health, education, water and electricity services, as well as access to economic opportunities and jobs, and measures of gender equality, within those localities.
• The same map can then be translated into a priority list that reflects an objective ranking of different localities to be used for targeting investments in economic development by the central government.
• I propose that all the income of the central government from oil, gold, and other minerals should then be used to create a development fund that targets the least developed districts based on the ranking and criteria established above, but irrespective of region. In addition, all international donors with interest and desire in seeing stability and development in Sudan and Africa may contribute towards this development fund.
Allocation of all proceeds from oil, estimated at market price, for this fund will impact the central budget significantly.
• The allocation of funds should respond to specific small-scale proposals submitted by local authorities from different localities around the country. Such process should empower the different localities and regions at the expense of the center.
• The future development investments should target access to clean water, sanitation, health (especially for mothers and children), equal educational services for girls and boys, and electricity supply, as well as training and job creation programs.
• This initiative will have to be carried out with the highest level of transparency, including the initial field surveys, professional assessments, rankings, sources of funding, investment allocation criteria, biddings, details of contracts, and measures of success.

In my view, insuring even economic development is the key to achieving justice between the regions of Sudan, which, over time, leads to stable peace. If we would like to secure a stable peace in Sudan, let us provide more economic and social justice for all. To pay for this peace, Sudan's political and economic elites, primarily at the center, need to voluntarily make important concessions against their historic privileges, in line with the values of justice, peace and freedom. However, the benefits that will accrue to all the people of Sudan, on the long term, from stability and peace will exceed any price paid in the near term.


New Sudanese Social Contract
Marginalization is not the only problem that needs to be addressed in order to achieve national reconciliation in Sudan. The conflicting nature of the extremely diverse ideologies guiding the political class in Sudan is a significant challenge. Theses ideologies span the full spectrum from Salafism, to Muslim brotherhood, Arab nationalism, Africanism, and Marxism.

While the freedoms of expression and political affiliation have to be guaranteed to all Sudanese, there is an urgent need for identifying and acknowledging a shared set of facts and principles to form the basis for the peaceful coexistence of all these diverse ideologies within the same nation, together with a majority of the population that do not follow any of these ideologies. The objective is to prevent future conflicts and setbacks in the Sudanese democratic evolution, and to avoid repeating the experiences of 1969 and 1989. There is a need for identification, and explicit acknowledgment, of a common unifying thread respected by almost all Sudanese, all parties, and all groups. Such a thread may offer a framework for a new Sudanese social contract to be explicitly endorsed by all political groups and individuals. Here is an attempt to describe such a common thread that may unite all Sudanese:
• The shared human heritage based on science, technology and innovation, which is shaping and driving the economy in our 21st century world, will be respected, engaged and harnessed to guide the transformation of Sudan into a modern society.
• Equality, dignity, respect, and fair representation are guaranteed in Sudan for all individuals and groups, women and men, irrespective of their regional background, cultural expressions, religious beliefs, or ethnic origins.
• The only condition for any Sudanese to enjoy their full range of freedoms and human rights is to accept the same freedoms and rights for all other members of society.
• Democracy defined by free and fair elections, rule of law, and separation of powers is the civilized norm for how societies manage their internal differences in the 21st century. Sudan is no exception.
• In any free society, laws naturally reflect people’ values. Sudanese values will be reflected in Sudanese laws as conceived and legislated by fairly and freely elected representatives of the people through a democratic process under the rule of law. The free will of the people is the mirror that reflects real Sudanese values leading to acceptable and legitimate laws.
• A tolerant and moderate version of Islam has been the main factor shaping values of the Sudanese people for more than a thousand years. Other religions and traditions are respected and practiced, and should be protected by law.

This set describes an example of the elements that need to be included in a viable social contract. Successful formulation of such a contract cannot be articulated by a single individual but could only come from a serious and sustained engagement by representative groups from across the political spectrum.

Sudan Economy: from Crisis to Stability
Here are some specific, discrete proposals offered to seed a broad dialogue between young Sudanese that is urgently needed to address the question: How may Sudan move forward from the current economic and financial crisis of early 2019 towards stabilization, paving the way for sustainable development? These general proposals are presented, not from the perspective of an economic expert, but from the perspective of an individual closely observing conditions on the ground, and concerned with the depth of the economic crisis in Sudan.

Financial Policies: Back to Basics
1. Enhancement of local economic production in the agriculture, industry and service sectors is a basic objective that can be reached by establishing a fair, transparent, predictable, and competitive economic environment, free of government corruption, excessive taxation and all other government interventions that would lower competitiveness in the Sudanese economy relative to the rest of the world. Eradicating corruption at the individual and institutional level is a top priority. Promoting transparency is absolutely necessary. These steps should create an environment conducive to a set of new and necessary fiscal policies that are needed in the near future.
2. A single currency exchange rate determined by free market forces is a feature of all stable economies. The law of supply and demand is the basic determinant of the real currency rate, and therefore the government should not interfere in determining the currency rate directly, but focus on influencing the economic factors (not security factors) that raise supply and reduce demand, and hence stabilize the price. In general, Sudanese government policies should encourage the flux of hard currency into the country, and discourage the flux out. Sensible policies should be adopted to encourage local production and export, and discourage imports and consumption of imported goods. Local products should be promoted.
3. Smart management of import/export activities is essential. All hard currency proceeds from exports are to be channeled back into the country, and exchanged into local currency.
4. Imports should be regulated to insure priority for essential needs such as wheat, fuel, and medicines, then potentially a list of less essential items, depending on the level of exports.
5. While individuals should be able to exchange and keep their money in local or hard currency, export of hard currency should be regulated and only allowed for financing essential imports including equipment and other inputs that enhance local production.
6. Policies should facilitate transfer of funds by Sudanese expats into Sudan, and encourage return of Sudanese from the diaspora and their relocation into the country by providing attractive incentives to those starting productive businesses in Sudan, importing equipment and technology, and employing the youth.
7. For purely economic reasons, policies should be developed and pursued to stop the active export of hard currency by all foreigners living in Sudan. Under current economic conditions, Sudan cannot afford to support such transfers.
8. Instead of importing electricity, government efforts should focus on local generation of electricity leading to self-sufficiency emphasizing renewable sources of energy such as solar energy, and hydropower. Reducing imports of electricity should save hard currency.
9. Port services, or any similar services, should not be outsourced to foreign companies that are likely to become buyers of hard currency in order to export their profits.

Equity, Adjustment, and Stability
1. A structural review of jobs and reevaluation of their wages is essential first step. Raising the minimum wage (by a factor of 10 or so) is a good start in order to insure a dignified standard of living for all.
2. Limiting the ratio between the highest to the lowest salary in government and private sector (to about 20 or so) is a progressive step in order to insure equity and to reduce disparity in income levels.
3. Special attention should be given for reasonable compensation of teachers, policemen, nurses, and medical assistants, in order to make these professions more attractive.
4. Removal of all subsidies including bread, gasoline, and electricity, should be implemented gradually and in measured steps. Eventual removal of subsidies should reduce smuggling significantly, and eliminate the large disparity between rich and poor in how much subsidy they may receive. Currently, central resources that should be used to support the poor in the peripheries of the country, are used to subsidize the relatively rich living in Khartoum.
The issue of subsidies, which is too often discussed in the context of policies imposed by foreign funding agencies, is in fact a matter of social and economic justice. This is especially true in a country where children living in the peripheries study in classrooms without chairs and die from preventable diseases, while the relatively rich in Khartoum live in air-conditioned rooms powered by government-subsidized electricity, and enjoy the ride of their SUVs powered by government-subsidized gasoline. This disparity needs to be addressed in the new Sudan.
5. Use of money saved from elimination of subsidies to establish a transparent, effective, and efficient social security system to support the poor economically and train them for more rewarding jobs as needed.
6. A steep progressive pricing of electricity and gasoline should be introduced so that rates increase with consumption. Overconsumption is an economic and social scourge for Sudan, and an environmental scourge for Sudan and the world!
7. Slow, systematic, and persistent transfer of large government resources currently allocated to military (the expenditures that are not needed in times of peace) and security purposes (the expenditures that are inconsistent with the nature of a democratic regime) into financing the health and education sectors. The top priority for Sudan should always be investments in the health and education of its people. This is the most important function of government.
8. Carefully designed job training is essential for the large number of young Sudanese whose only skills and experiences are in military and fighting, (government and armed groups), facilitation of their integration into productive economic activities by acquiring new skills, and micro-financing their small businesses.
9. Use of existing military resources to secure the borders and stop smuggling of goods and people; the military should refocus on border protection.

Tax Policy Reform
1. Adoption of a progressive tax policy based mainly on income and less on consumption; the income tax rate should increase significantly with income similar to many other countries; low income citizens should be exempt from income taxes.
2. Linking of tax categories to specific government services at all government levels, so that citizens may see which of the services provided by the government are funded directly by their tax payment.
3. Introduction of significant taxes on real estate (~1% of the real value of the property), similar to most cities, collected from every owner of a high value property mainly in affluent neighborhoods of Khartoum and large cities to fund education and policing at the local level, and hence free up more government funding for similar services in less fortunate neighborhoods.
4. Rigorous tax collection should be enforced, with absolutely no exemptions.

Initiatives Leading to Sustainable Development
After achieving significant progress along the four axes: democracy and rule of law, national reconciliation, the new Sudanese social contract, and stabilization of the collapsing economy of early 2019, the nation will then be ready to launch transformative initiatives that would constitute a Sudanese renaissance adopting a sustainable development pathway and bringing the country closer to the vision and goal stated above. Here are brief examples of thirteen important initiatives:

1. Sustainable Development Rooted in Science, Technology and Innovation
There is an urgent need for Sudan to rejoin the community of civilized nations that appreciate the important role of science, technology, and innovation in solving societal problems. Significant and integrated investments should be planned at all levels, from support of science education at early stages starting before elementary school, to introduction of scientific thinking skills at elementary and secondary schools, to serious commitments towards funding research on critical societal problems at universities and research centers.

Here, I call for a major initiative to revolutionize the K-12 education of mathematics, science, and English language in Sudan. Coordinated efforts in (i) training and better reward system for teachers, (ii) development of new strong curricula similar to those followed in leading countries such as South Korea and Singapore, and (iii) setting of high standards and expectations, should all be important elements of this initiative.

Environmental protection and prevention of environmental problems is an important priority. Enforcement of new and existing environmental regulations protecting the Sudanese water, air, soils, deserts, and forests should be vigorously pursued. It is fundamentally more effective and economically more efficient to prevent pollution and avoid environmental degradation than any attempt to treat and remediate environmental problems after these are created. I call for issuing and enforcing new laws creating environmentally protected areas in the deserts, coasts, and forests of Sudan.

Climate change poses a challenge to Sudan. Serious plans are needed to design how Sudan will adapt to the impacts of climate change. Warmer temperatures will require significant adaptation measures in urban planning and innovative building technology. Other adaptation measures are needed in the water, transportation, and electricity sectors. New investments in renewable energy, especially solar energy and hydropower, will position the country to engage a world that is moving quickly towards a low-carbon economy.

Major reforms in the oil and gold industries are needed to preserve national interest, modernize technology, protect the environment, and protect the health of the workers in this sector. Accountability, transparency, and establishment of the rule of law are badly needed to transform this important national sector. Applications of advanced technology such as “horizontal drilling” should enhance the recovery rate of oil and gas. More advanced technology applications will optimize the efficiency of gold mining.

2. Sudan’s Green Revolution
Sudan, just like many African countries, lags behind the world in agricultural productivity due to the lack of adoption of important agricultural technology such as the use of better seeds, fertilizers, etc. This initiative has three components:

First, it emphasizes adoption of modern technology using better seeds, and more use of targeted fertilizers, and financing for vertical expansion of agriculture instead of horizontal expansion. Soil fertility mapping, and new significant investments in agricultural research infrastructure are critically needed, in addition to new investments in targeted agricultural financing and marketing.

Second, it should promote the launch of a Sudanese fertilizer industry to start and increase local production, specifically nitrogen fertilizers, potentially utilizing Sudanese natural gas from the few sites where it was discovered. Here, I propose the creation of a large-scale fertilizer factory in or around Gezira utilizing natural gas discovered in the region.

Third, this initiative should encourage industrial processing of traditional agricultural Sudanese exports such as gum Arabic, sesame, peanuts, cotton, etc., to add value before exporting them. Similarly, animal production activities should have the objective of exporting meat products instead of exporting animals or animal feed, capitalizing on the close proximity to Middle East markets.


Rates of Fertilizer Application and Agricultural Productivity


The launching of a green revolution in Sudan is probably the most important initiative in this list. There is a great potential for increasing productivity of agriculture in Sudan significantly with modest investments in agricultural technology (increased use of fertilizers and new seeds varieties).

3. Public Health before Medical Treatment
A “disease” economy is flourishing in Sudan with profitable private clinics and long lines in public hospitals. People suffer, and many still die of preventable diseases in Sudan. Although statistics are scarce, expenditure in medical treatment and medicines exceeds investments in public health by wide margins. The neglect of public health and disease prevention is the root cause of the health care crisis in Sudan. A new initiative investing in public health to prevent disease and reduce huge medical expenses by the public in treating preventable diseases is urgently needed! The relative magnitudes of the budget allocations to public health and medical treatment will need to be adjusted significantly.

New taxes should be imposed on private clinics and private medical services, with the proceeds directly channeled to fund public health investments with emphasis on public health education and environmental health management.

The top priority for Sudan should always be investments in the health and education of its people. This is the most important function of government. The private sector should not be the main provider of health services. The government should discourage the for-profit private sector investments in health that exploit and benefit from deficiencies in the public hospitals as well as under-investments in public health.

4. Education, for Jobs, and in Support of Entrepreneurship
Higher education has expanded dramatically in Sudan during the last few decades. However, that expansion emphasized quantity at the expense of quality. The resources of public universities, including lecturers, are inadequate and the quality of education received is rather poor. Private universities mushroomed since higher education has become a business pursued for quick profits by national and even foreign investors!

There is an urgent need for fundamental restructuring of the higher education system with two main objectives: (i) consolidation of public universities into fewer universities and allocation of additional funding to improve quality of education, (ii) scaling back of the for-profit business activity in higher education. Private universities should be run as not-for-profit institutions.

Another major problem with the current higher education system in Sudan is the clear disconnect between the educational curricula and the needs of the jobs market. Significant reform is needed to make sure that young Sudanese are educated and trained to acquire marketable productive skills, in particular entrepreneurial skills, that would equip the youth and train them to start and run businesses instead of relying on government employment.

As a result of recent policies of higher education, a large number of young Sudanese graduated from Sudanese universities during the last decade with education and training that failed to prepare them for any feasible career in Sudan. There is a need for an emergency retraining program to transform this army of unemployed youth into a productive working force that will lead the economic transformation of the country. Here, I propose establishment of a National Program for Youth Training that offers diplomas after completing short and intensive hands-on training programs at Sudanese universities (3 to 12 month). The first step should be a market survey that would identify existing job opportunities. A starting point would be the list of jobs occupied by foreigners in Sudan. The curricula and content of the training programs should be designed to match available jobs. Special attention should be directed to elevate the standard of these programs so that graduates would experience significant improvement in acquiring new marketable skills, and to give them a good reputation among potential employers. Examples of potential topics for these diplomas include: English language skills; project management and accounting; writing and communication skills; agricultural productivity modules; careers in construction industry; basic entrepreneurship skills, etc.

Science and technology education in Sudanese universities should also emphasize new emergent opportunities in industries related to information technology, biotechnology, biofuels, and solar energy, linking targeted applied research and a new generation of young Sudanese entrepreneurs.

5. Enabling Better Use of Water Resources
Sudan receives significant amounts of water from the Nile river. However, it does not fully utilize its share of the Nile water allocated according to the 1959 Nile Water Agreement between Sudan and Egypt. As a result, billions of cubic meters of unused water flow naturally to Egypt. This loss of water has been going on every year for 60 years, without any compensation for Sudan. Specific plans should be developed to utilize Sudan’s full share of the Nile water, and implemented within a short period.

Water is a strategic resource and its use should be optimized for the benefit of the nation. Here, I propose serious consideration of the transport of water to the Red Sea coast to support development of the coastal region. A pipeline can be properly designed to transfer water from the Nile to Red Sea coast. In order to transport water from the Nile to Port Sudan, water has to be pumped uphill over the Red Sea mountains in Eastern Sudan. However, a significant fraction of that energy can be reclaimed through hydropower generation of electricity as water flows downhill to Port Sudan. The water transported to Port Sudan should be used to meet local demand in that city, and economic development of the Red Sea coast.

The development of a new and transparent Sudanese strategy for the use of Nile water, emphasizing national interests, and supporting cooperation between the basin countries towards equitable and sustainable use of the Nile water should be a priority. Sudan’s location between Ethiopia and Egypt is a more complex geographical position, and would necessarily dictate a water strategy that is more complex than that of either of the two countries. In other words, a strategic position where Sudanese interests are presented as perfectly aligned with those of Egypt, or perfectly aligned with those of Ethiopia, is not consistent with the facts of geography. Contrary to this picture, the water strategy for Sudan in the last few decades seemed to oscillate between being fully aligned with Egyptian positions and being fully aligned with Ethiopian positions, depending on the direction of political winds. What would be in the national interest of Sudan is a “triangulation” strategy that would always identify and maintain a distinct set of national interests for Sudan in the Nile water.

As detailed in the section about the green revolution, Sudan would benefit significantly from vertical expansion of agriculture instead of horizontal expansion, and in doing so use water more efficiently. In addition, Sudan should make it a top priority to invest in improving efficiency of water use through adoption of advanced irrigation technology.
Such savings would enable Sudan to expand agricultural land area and production.

6. Sudan’s Logistics Revolution
Sudan has a unique position in Africa surrounded by four land-locked nations: Ethiopia, South Sudan, Central African Republic, and Chad. All these countries are land-locked, and do not have any sea ports to use in export and import of goods. The combined population of these countries is 135 million (more than 3 times the population of Sudan), and their combined GDP is about $100 billion. Until recently, the main economic activity between Sudan and these countries was smuggling of subsidized goods! Here, I propose a major trade and logistics initiative emphasizing the strategic location of Sudan and transforming Sudan into an African hub for logistics and trade.

This initiative should build on old established social and historical links and local border- trade expertise. Legal trade should be encouraged to replace smuggling! The government should invest in building the infrastructure, such as ports, railways, and highways. The private sector will then be the main actor in this initiative.

One strategic advantage of this initiative stems from the fact that Sudanese states bordering these four countries are areas that have historically been neglected and hence these states are in need for affirmative action to spur economic development.

7. African Hub for Professional Services
A knowledge-based service economy initiative is proposed to transform Sudan into an African hub for medical, engineering, educational, and legal professional services. This initiative builds on the relative advantage of Sudan in these professional fields compared to its African neighbors.

Different Sudanese cities can be designated as hubs for different professional service activities to act as a magnet for African service tourism. These new hubs should welcome wealthy and upper middle-class visitors from surrounding countries seeking distinguished professional services in the medical, legal, and engineering fields.

8. Tourism: Discover Sudan
A tourism initiative should be launched to develop opportunities in the winter season when the weather in Sudan is more pleasant compared to the harsh weather of summer. Opportunities for development of the tourism industry should be explored with a focus on archaeology in the north, sea resorts and sports in the east along the Red Sea, camping and sustainable hunting of wild life in the extensive desert regions, and developing new attractive touristic resorts in Jebel Mara and the Nuba Mountains.

The emerging tourism in northern regions of Sudan should be integrated with similar activities in upper Egypt, especially at this early stage of tourism industry development in Sudan.

9. Innovative Models of Economic Development in Sudan
Sudan is in dire need for exploring new modes and models for economic development. One model to be considered is the hybrid model in which corporations are partly owned by the private sector and partly owned by the government. This model fits national strategic sectors such as oil, mining, transportation, and telecommunication. It insures that the nation would optimally benefit from the use of its natural resources while harnessing the potential efficiency in the private sector approach to business. As an example, a new Sudan Airways can be relaunched as a publicly-traded, for-profit corporation, partly owned by the government while inviting Sudanese expats and locals to support the national carrier by buying shares in the new corporation.

Policies and regulations should encourage investment in the Sudanese economy by Sudanese (locals and expats) and discourage short-term foreign investments that eventually seek to export quick profits in the form of hard currency (see the experience with telecommunication companies). Sudanese expats should be incentivized to form new corporations that would invest in development projects. Such corporations would channel savings by this important section of the Sudanese population to contribute towards the renaissance of their home country.

10. Rebranding of Sudan
Sudan has suffered in the last few decades from extremely negative news coverage in the international media. This coverage, which was largely accurate, damaged the international image of the country. There is an urgent need for designing and implementing a coordinated media campaign to rebrand Sudan, drawing from all the positive aspects of the country, includng its rich history, diverse populations, and beautiful landscape. The recent peaceful revolution, and the successful struggle of the Sudanese people for freedom can be presented to the world as a proud achievement of this special nation. The tolerant brand of Islam practiced by Sudanese, and the peaceful and generous nature of Sudanese culture can all be highlighted to change established stereotypes about Sudan and its people. Finally, the Sudanese music admired across a broad region of Africa can be presented to the world as one example of Sudan’s cultural contributions to human civilization in the 21st century.

11. Addressing the Population Challenge
The continent of Africa is facing a population crisis. By 2050, the world population is projected to increase by about two billion. Half of that increase will be in Africa, effectively doubling the African population size from one to two billion. The trend in Sudan is not different. The population of Sudan is likely to double in the next 30 years. Clearly, neither Sudan nor Africa has the economic capacity to absorb these large additions in such short time, and at the same time achieve the badly-needed improvements in standards of living for the relatively poor existing populations. If not addressed properly, population increase will likely be a persistent root cause for social and political instability.

 

UN Projections of Population Increase


Talking about population policy is not a popular topic in Africa. How to characterize the nature and extent of the problem is controversial. However, the most efficient approach for addressing the population problem is not controversial. Education of girls through completion of secondary school is probably the most effective policy to address the population problem. Obviously, no one should oppose education for girls or boys in Sudan or anywhere else! A significant initiative should be launched to educate all Sudanese girls in all corners of the country till they receive the Sudan Certificate of Secondary Education. This is one good example for how gender equality would help to address a critical societal problem.

While an increase in population taking place in a country with well-developed economic production infrastructure such as Germany and Japan may enhance consumption and economic demand and in doing so drive economic growth, the same argument is not valid for countries where such infrastructure is not developed yet. In such countries, like many in Africa, economic growth is not as sensitive to increases in population. In addition, adding low-income people does not enhance economic demand significantly due to their low purchasing power. Instead, the increase in population under such conditions would burden the state due to increased demand for health and education services, and increased demand for jobs and economic opportunities. As a result, the economic development process aiming to build and develop new economic production infrastructure is made difficult if not impossible. Such conditions would likely lead to social and political instability.


Population Pyramids


The population pyramid, which describes the Sudanese population structure for different ages, would predict acute future problems. The population in their twenties is more than double the population in their fifties! Any scientific analysis of the 2018/2019 revolution must recognize this objective fact as one of several contributing factors. If the population challenge in Sudan is not addressed, it is not unlikely that the next popular revolution in Sudan will be against a democratic system, unable to meet the growing and accelerating demand for the necessary and vital services by the masses.

12. Modern Sudanese Institutions of National Security
A sustainable democratic regime in Sudan requires strong institutions of national security designed for protecting the nation against all adversaries, and for protecting a healthy democratic regime. A significant initiative is needed to restructure the institutions of the army, police, and security to match the nature of the democratic regime, and to invest in improving the technical efficiency of these institutions in order to create modern and effective forces.

The burden and honor of service in the Sudanese armed forces should be shared by all Sudanese from all regions and all backgrounds. The current situation where military service, as soldiers, is a burden shouldered disproportionately by young men from marginalized regions is neither sustainable, nor consistent with the value of justice emphasized by the Sudanese revolution.

In addition to any necessary investments in physical infrastructure, major efforts are needed to educate and train individuals on the principles of democracy, rule of law, separation of powers, and civilian control of the military. A modern security institution should establish protocols for continuous training on the fundamentals of civil rights, and on how to interact with the civilian population.

13. New Model for Journalism in Sudan
Newspapers will have to play an important role in any Sudanese renaissance, offering forums for public engagement and media for informing and educating the masses about the critical issues facing the nation. Unfortunately, these are not good times for journalism, nationally and internationally. The advent of the internet and social media posed significant challenges for the traditional financial model of newspapers and questioned sustainability of the old traditions of journalism. In addition, the traditional model of how newspapers operate was damaged significantly due to interventions by the government in Sudan during the last three decades.

It may be difficult to find solutions to the problems of private newspapers in Sudan because of the overlap of local factors with the complexities of the global press problems, so I choose not to discuss these problems. However, there may be an opportunity to develop new public newspapers that are managed in an impartial and professional manner. In moving forward, I would like to propose an initiative for launching and sustaining a few new newspapers (2 to 3), published in paper and electronic formats, overseen by a corporation independent of direct government intervention, but adopting a financial model similar to the one followed by the British Broadcasting Corporation (among others). BBC is supported through a television license fee paid by each and every household. However, since conditions in Sudan are different, this Sudanese corporation can be supported by a small fee, legislated by the government, applied to every internet user in Sudan proportional to their internet use charges. This fee is justified by the fact that the content created by these newspapers will be available for free access by all users of the internet in Sudan. The same corporation may also charge a small fee for newspapers access by internet users from outside Sudan, in addition to traditional sources of revenues from selling the paper, subscriptions, and advertising.

The “Sudanese Newspapers Corporation” should be governed by a board selected from respected journalists and civil society leaders, representative of the broad political spectrum. The board may choose to launch and support a few (2 to 3) new newspapers, reflecting the diversity of intellectual and political views in Sudan, while enforcing a high degree of professionalism and integrity. For the success of this model, editors of the newspapers should be selected carefully, favoring those upholding deep professional values. This proposal is offered for further scrutiny and enrichment from all those who believe in the important role of journalism in shaping the future of Sudan.


New Principled Pragmatism in Sudan
Who will lead the Sudanese renaissance? A new political organization based on a new way of thinking seems to be the answer. Not an ideology similar to those of the past, but a new way of thinking that accepts the objective reality as it is, and deals with it through its own merits, not by forcing reality to conform to a theoretical model required and expected by political or social theory. A new way of thinking that learns lessons from the past, but before that analyzes the experiences of other nations in the twenty-first century, is needed to help Sudan advance into new horizons.

Pragmatism, as advocated here, is defined as the empirical approach that seeks to advance social and economic development in Sudan by adopting solutions that were proven to work and succeed elsewhere in the world, without constraints from any traditional political philosophy or political ideology. Problems are diagnosed accurately by surveying the situation and collecting relevant data, and solutions are developed and applied to maximize the likelihood of success by drawing from all proven successes in dealing with similar problems around the world. These solutions should be tailored and adjusted to suit the local conditions of Sudan. Further, pragmatism in Sudan has to be principled: guided by the values of social and economic justice and constrained by the system of Sudanese values outlined in the section above about the social contract.

The old Sudanese political parties suffered from, and were shaped by, the cycle of failed governance that played out in Sudan during the last six decades. While recognizing their positive political contributions, and the sacrifices and patriotic acts by many of their members, the harsh political conditions in the country stifled any innovation and limited any modernization efforts within these organizations. In order to break away from this cycle of failure, a new political body in the form of a broad front consisting of individuals and political groups, led by the young generation of the 2018/2019 revolution, and united by commitment to the agenda for change, will have to emerge and lead the urgently needed transformation. The essential agenda items for political change in Sudan are largely non-controversial.

The popular political ideologies in Sudan span the full spectrum from Salafism, to Muslim brotherhood, Arab nationalism, Africanism, and Marxism. All these ideologies were rooted in the context of the 20th century. They did not exist in the 19th century and nobody knows if these will remain relevant through the 21st century. The Sudanese people suffered through the last half century subjected to two failed experiments characterized by dictatorship and oppression following military coups, one from the left in 1969 and one from the right in 1989. Empirical evidence indicates that both of these experiments, as well as most similar experiments triggered by the revolutionary ideologies of the 20th century elsewhere around the world, were short lived and in most cases collapsed, victims of their own rigid structure, and as a result of the people’s legitimate rise in face of oppression.

On the other hand, all countries that have made healthy economic and social progress, in recent history, followed pragmatic development policies adopting a version of the free market doctrine constrained by varying degrees of government control on national economy. The main advantage of such a system is the high level of flexibility, that would allow for the development of a suitable economic and political system, with options ranging from pure capitalism characterized by minimal safeguards and constrains, to almost pure socialism when such safeguards and constraints are expanded to exert significant government control on the economy, as well as every other option between these two extremes. The people, through their representatives in a democratic system, are in the driver seat developing and implementing new laws, adjusting the nature of the economy and the character of the state to reflect their free will, and ultimately to reflect the underlying values and vital interests of the nation.

The empirical evidence indicates that high levels of social and economic justice can be achieved by wisely governed nations while maintaining economic and political freedoms. Following the 2018/2019 revolution, the time seems ripe for Sudan to leap forward, turn the page on 20th century politics, and adopt a new principled pragmatic approach, supported by accumulated empirical evidence from around the world, to achieve sustainable development, striking a balance between a free market driven economy and the necessary constraints and safeguards that are needed to achieve a high level of social and economic justice in Sudan.


*The ideas presented in this article are NOT meant to provide specific final solutions to any of the complex problems facing Sudan at this important juncture. These are only initial thoughts offered as a modest contribution into a badly-needed “brain-storming” session, to be carried at the national level, openly, in a frank and transparent fashion, and with broad engagement from all those who deeply care about the future of Sudan. We are all presented with a rare opportunity. We cannot afford to waste it.