في الواقع ما اصطلح على تسميته بالمركزية الديمقراطية كان موجودا خارج إطار الماركسية-اللينينية، ولكنه انتقل إليها وصار أساسا للتنظيم الحزبي لدى كافة الأحزاب الشيوعية وغالبية أحزاب اليسار على مستوى العالم. كما أن أحزابا أخرى؛ مثل حزب البعث العربي الاشتراكي، كان يميل منذ البداية إلى أن يطلق عليها اسم الديمقراطية المركزية تأكيدا لمفهوم وممارسة الديمقراطية.

لكن لا يمكن فهم مراوغة لينين بين المركزية والديمقراطية التي تسمح بوجود تيارات داخل الحزب الشيوعي أحيانا، وترفض في أحيان أخرى وجود تيارات حزبية، ضمن ظروف أخرى متغيرة؛ إلا من خلال تقديراته الخاصة للتعامل مع الواقع الملموس وأيضا فهم ظروف ثورة 1917 وما قبلها، بل فهم ظروف روسيا ونشأة الاتحاد السوفيتي والمتغيرات العاصفة وطريقة القيادة في مجابهة تلك التحديات. هنا نشير إلى تطور آخر داخل المؤتمر ألـ 28 للحزب الشيوعي السوفيتي في سنة 1990 دعاه إلى التحول إلى اسم الديمقراطية المركزية، رغم أنه قد ثبت لاحقا، ومن خلال تجربتي الاتحاد السوفيتي والبعث العربي الاشتراكي وغيرهما؛ أن صلاحية المركزية الديمقراطية/الديمقراطية المركزية قد نفدت فعلا.

هذا يقودنا مباشرة إلى الهاجس الأساسي لدى المناصرين لنظرية التنظيم الحزبي المسماة بالمركزية الديمقراطية/أو الديمقراطية المركزية، ألا وهو هاجس تحقيق أعلى فعالية حزبية وأعلى تركيز للجهد وأمتن وحدة تنظيمية وأكبر حاجز امام الاختراقات ... إلخ ... من دوافع بناء تنظيم حديدي عبر تقديرات منبتة عن ظروف وواقع وثقافة معظم دول العالم الثالث، لا سيما في السودان وعموم العالمين العربي والافريقي. الأدهى أن كل ذلك يمرر عبر ديمقراطية صورية وشكلانية لا تستجيب إلى جدل العصر الحالي، ولو على طريقة مراوغة لينين المذكورة أعلاه.

الأمر الأول أن جدل وصراع المتناقضات، المقصود هنا، بين المركزية والديمقراطية، يؤدي عمليا إلى سيادة أحد المتناقضين: المركزية أو الديمقراطية، وذلك حسب التحديات المطروحة وطريقة استجابة القيادة لها، مما يفرز حاجة إلى توجيه دفة الحزب إلى أحدهما، حيث تشكل قيادة الحزب أو سكرتيره العام، حصرا، عاملا حاسما ووحيدا في توجيه دفة الحزب. الوقائع التاريخية ذات الصلة بالمركزية الديمقراطية تعكس خللا بارزا في تلك الأوجه عبر تاريخ هذا النوع من الأحزاب، كما تعكس أيضا حقائق مخجلة.

والأمر الآخر أن ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات ومعطياتها قد اتاحت تواصلا لحظيا مع القضايا المطروحة، كما أتاحت في نفس الوقت، القدرة على التواصل السريع واتخاذ القرار حول القضايا محل النقاش لمواطنين عاديين، دع عنك أحزاب لها هيئاتها وترتيباتها.

بالنتيجة فإن تطبيق وممارسة المركزية الديمقراطية، يجعل الوضع الحزبي برمته خاضعا لأمزجة ومستوى وعي الهيئات القيادية، بل مصالح تلك الهيئات القيادية العليا، خاصة في ظروف النضال السلبي التي لا تكفل حتى مستوى الممارسة الديمقراطية الشكلانية عبر قوائم المرشحين المحددة، من النوع الذي يجب أن تتم إجازته أولا من الهيئات القيادية. قد يؤدي ذلك ايضا إلى تحويل الحزب اليساري المعتمد للمركزية الديمقراطية من تنظيم ثوري مناضل، إلى منظمة أمنية يصعد فيه الحزبيون إلى الهيئات القيادية على أساس عدد ونوعية البلاغات والتقارير الحزبية التي يرفعونها، وليس على أساس الكفاءة والقدرات القيادية الشخصية.

يسهم إلقاء نظرة على قواعد المركزية الديمقراطية في استكشاف وتوضيح أوجه ضعفها، بداية من النقد التقليدي حول استحالة الجمع بين رؤيتي ومفهومي المركزية والديمقراطية، إلى النقد الذي يرتكز على عدم صلاحيتها وتناقضها مع مفهوم ورؤية النضال ضد الأنظمة الشمولية من أجل تحقيق دولة المواطنة والحريات والحقوق المتساوية لكل المواطنين. وهو نقد يكسب كل يوم أراض جديدة على أساس من تقدم وتطور معطيات ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات. ويمكن تلخيص قواعد المركزية الديمقراطية حسب السائد في الأحزاب الشيوعيىة اللينينية في النقاط التالية:

1. انتخاب كل الهيئات القيادية، من الأدنى للأعلى،
2. التقارير الدورية للهيئات القيادية لمنظماتها الحزبية والهيئات العليا،
3. الانضباط الحزبي الصارم وخضوع الأقلية للأغلبية،
4. الطبيعة الملزمة لقرارات الهيئات العليا على الهيئات الأدنى،
5. الروح الجماعية في عمل جميع المنظمات والهيئات الحزبية القيادية والمسؤولية الشخصية لكل شيوعي/ة عن أداء الواجبات والتكليفات الحزبية.

كل تلك المواد المذكورة آنفا تنفي روح التنافس الإيجابي الخلاق وتقمع روح الابتكار. حيث أن التنافس الايجابي داخل الاتحاد السوفيتي في كل المجالات والقطاعات، كان ضعيفا للغاية وساهم بشكل كبير في تقليص الحافز الإنساني الطبيعي لدى إنسان الاتحاد السوفيتي في التنافس والسعي للتفوق على الآخرين كأحد أهم قوانين تطور البشرية. كما قلص أيضا تنافسه الخارجي إلى محض تنافس بقاء تفرضه غريزة البقاء الإنساني الطبيعية، وجعل منه تنافسا مقتصرا على السلاح وتكنولوجيا السلاح والصواريخ. دعا هذا البعض للقول بأنه هنا يكمن السبب الرئيسي وراء تخلف كل/ إن لم يكن غالب قطاعات الصناعات المدنية السوفيتية. فالاتحاد السوفيتي قد طبق المركزية الديمقراطية على جهاز الدولة السوفيتية وكل قطاعاتها المتنوعة دون اهتمام جدي بتنوع ثقافات شعوب الاتحاد السوفيتي وتنوع وسائل انتاجها. يفسر ذلك في واقع آخر مختلف، هروب بعض عضوية الأحزاب التي تعتمد المركزية الديمقراطية في العالم العربي والافريقي، لا سيما العضوية المستنيرة، إلى منظمات المجتمع المدني. بل إنكار بعض عضويتها العلني لأي علاقة تنظيمية بتلك الأحزاب. بلا شك، فإن هذا التسرب يسهم عبر ميكاميزم التناسب الطردي في ازدياد مركزية تلك الأحزاب وازدياد المشاكل الناجمة من اعتماد المركزية الديمقراطية وتمتد تداعياته إلى تحالفات تلك الأحزاب مع القوى الأخرى.

يمكن فهم ذلك وقراءة التأثير الضخم له من خلال مناقشة وتحليل المواد من "1" إلى "5". فالمادة الأولي يكون الانتخاب فيها من الهيئات الدنيا للهيئات العليا، أي أن لعضو الحزب قيادة واحدة منتخبة في الواقع، هي قيادة هيئته أو منظمته الحزبية المباشرة، والتي تصعد إلى أعلى لتنتخب قيادة هيئتها الأعلى، وهكذا دواليك...هذا يعني أنه كلما كانت الهيئة القيادية في مستوى قيادة أعلى، كلما بعدت شقتها عنك ولم تكن لديك قدرة على اختيارها، بعبارة أخرى أن أعلى هيئة قيادية مركزية في الحزب لم تنتخبها أنت ...

والمادة الثانية، تعكس نظاما للمتابعة والمراقبة الدورية، كما تعكس أيضا لمعان سيف العقوبات، وإرهابا تنظيميا وفكريا يبدأ من دور وصلاحيات الهيئات القيادية الدنيا وينتهي إلى دور وصلاحيات الهيئات القيادية العليا...

والمادة الثالثة تجعل من إمكانية نقاش أي قضايا أو تقديم أي نقد داخل الهيئات الحزبية محفوفا بمخاطر عدم الخضوع لرأي الأغلبية؛ ناهيك عن أنه رأي قد تمت مصادرته مسبقا على أساس حساب بسيط يقول بأن كل هيئة قيادية أعلى تمثل عدد عضوية أكبر من عضوية هيئتك أو منظمتك الحزبية التي تنضوي تحتها، وبالتالي يجب أن تخضع لقرار هيئتك القيادية الأعلى.
يتضخم مفهوم وممارسة الانضباط الحزبي الصارم وخضوع الأقلية للأغلبية مع عدم السماح بسياج حام لأفكار تيار أو تيارات الأقلية ضمن الحزب أو الهيئات والمنظمات الحزبية عبر السماح بوجود أكثر من تيار داخل الحزب الواحد. حينها قد يتحول مفهوم الانضباط الحزبي الصارم، مع تفاقمه، إلى تجسيد حي بأشخاص بعينهم يؤشر عليهم، ليصيروا، جراء قابلية بعضهم للتشكل مثل مادة خام أو كشخص ساذج naive غير واع؛ إلى مادة للسخرية والتهكم بين أندادهم أو قياداتهم الحزبية في جلسات الصفاء والأنس. بل قد يقع أمثال هؤلاء القابلين للتشكل بسهولة في فخ مغامرات غير محسوبة لحزبيين في هيئات قيادية عليا، ممن قد يستطيعوا التنصل من أفعالهم بحكم وجودهم في هيئات قيادية عليا؛ بل قد يعمد بعضهم عند تطور الأمور إلى قطع الطريق أمام وصول ممارساتهم السلبية إلى قيادات حزبية أعلى...إلخ...

والمادة الرابعة تقول بـ "الطبيعة الملزمة لقرارات الهيئات العليا" وهي صيغة فضفاضة للغاية وتكفل صلاحيات ضخمة للغاية وتستمر لأوقات طويلة للغاية في ظروف النضال ضد أنظمة ديكتاتورية وشمولية، كما هو عليه الحال في العالمين العربي والأفريقي أو فيما اصطلح على تسميته بالعالم الثالث. لا تحد من تلك الصلاحيات المهولة بعض مباديء النقد والنقد الذاتي أو لوائح وقواعد المحاسبة الحزبية المفصلة لصالح الهيئات العليا والقيادية، بما يجعل الكثيرين يأثرون السلامة على الجهر بآراء تعرضهم للوصم بالعمالة والخيانة وسوء السلوك الأخلاقي والتعرض للعزل الاجتماعي، أو حتى مخالفة الدستور واللوائح على أقل تقدير. إلى ذلك، أنها تعمل على تحجيم أو توسيع القدرة على الخلق والابتكار (حسب نوع القيادات العليا) وليس على أساس دستوري ولائحي. وبالتالي تؤثر في عملية تطوير أو تخلف الحزب. ناهيك عن أنها لا تليق بالأحزاب اليسارية والتقدمية خاصة تلك التي تقول أنها تحارب الطائفية والقبلية والجهوية، ثم لا تستنكف أن تبني أحزابها تنظيميا وإداريا على أساس أن تكون عضويتها مثل "الميت بين يدي الغاسل" حسب آداب المريد مع شيخه، أو بالأحرى، استلاب المريد أمام شيخه (قيادة حزبه) ... مما قد تجاوزه بعض الشيوخ والمريدون معا.

أما المادة الخامسة عن الروح الجماعية للعمل الحزبي مقروءة مع المواد الأربعة السابقة لها، يحق القول هنا أنها كلمة حق أريد بها باطل، فهي تكرس لروح القطيع عبر الفصل غير العلمي بين الروح الجماعية والمسؤولية الشخصية لكل شيوعي/ة، وأيضا تعمل على تكريس سيادة عقلية تحقيق النقاط والأهداف في مرمى الخصم وليس الابتكار وتجويد العمل والانتصار للحق والحقيقة ... إذ كما نوهنا من قبل، كلما كانت الهيئة القيادية أعلى مرتبة، كلما كانت تلك الهيئة بعيدة عن تفويضك المباشر لها ...فأنت لم تنتخبها بشكل حر ومباشر، ومع ذلك عليك أن تثبت لها أنك تمارس انضباطا صارما وأنك خاضع لرأي الأغلبية ولست مخالفا لروح الجماعة وأنك تؤدي واجباتك وتكليفاتك الحزبية على أكمل وجه، خاصة إن كانت القضايا محل الواجبات والتكليفات الحزبية منشورة ومطروحة للنقاش أمام عامة الجماهير.

جدير بالذكر أن نقاش مسألة تمثيل الشعب التي طرحت في ديمقراطية اليونانيين مثلا، كانت حجة مناصريها الرئيسية استحالة جمع الناس من أماكن بعيدة ومتفرقة وشاسعة في مكان واحد. أما وقد أنجزت الإنسانية الثورة الزراعية والثورة الصناعية وثورة المعلومات وتكنلوجيا الاتصال التي ما زالت مستمرة وتطرح ثمارا جديدة كل يوم، فإن أي تمثيل عبر انتخاب من هيئات دنيا لهيئات عليا، ينبغي ان يكون لصالح تجسير فجوة التمثيل غير المباشر بالانتقال إلى ديمقراطية الواقع الملموس الجاري، وذلك عبر تمثيل حر ومباشر أكثر فأكثر. خاصة مع ازدياد مفاهيم وممارسات المقاربات التكاملية في آليات صنع القرار والسياسات وتناقص الحاجة يوما إثر آخر لتركيز السلطات.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.