عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مرّة هاتفته بأسىً - بعد سنواتٍ قليلة من تحرير إرتريا - صديقي/ الشاعر/ الإرتري/ السوداني/ محمد مدني:
(يا محمد كم أنا حزين – حين تتحوّل الثورة إلى دولة..)
فما كان منه إلا أن أصلح من إعوجاج المقولة الشهيرة:
(بل قل يا عزيزي: حين تفشل الثورة في التحوّل إلى دولة..)

كان عليّ أن أضيف كلمة "مُستبدّة" للعبارة التي تبنَّيْتها دون تمحيص، ولم يكن عليه أن يضيف كلمة "مدنيّة" فلقد وصلني المعنى من خلال ضحكته الصافية/ المُجلجلة. كنّا نعدّد خيْباتنا، حيث أُجبرنا كلانا، من عدم "اللجوء" إلى أواطاننا البديلة - إرتريا/ السودان.. حيث تسيّس إسياس أفورقي إرتريا بحكم ديكتاتوريٍّ عضوض، وعمر البشير حوّل السودان إلى دويلةٍ تدين بدين الكيزان؛ فذهب كلٌّ منّا إلى بلاد لم نكن نحلم يوما بإرتيادها، ناهيك عن العيش فيها، وتبديد أجمل سنوات العمر بعيدا عن الأوطان.
فهل حقّاً أنّ "الثورة تأكل بنيها" حين تجوع..؟!

على ما يبدو، أنّنا في السودان، ما زلنا في خضمّ الثورة، وإن كنّا في إحدى وَهَداتها، مثل كلّ ثورة؛ ولم نصل بعدُ إلى حدّ المقولة الشهيرة الشائهة أو المعدّلة. وأنصع ما في حالتنا أنّ الذين يسعون إلى إقامة دولة مدنيّة يعرفون مَن هو عدّوهم الذي يقارعونه الآن، المتمثّل في المجلس العسكري الإنتقامي ومَن وراءه، وأخبث ما فيها أنّ أطرافاً من داخل قوى الحريّة والتغيير تعمل - بوعيٍ أو بدونه - مِن أنَّ الوصول إلى تلك الدولة سوف تسلبهم إمتيازاتهم التاريخيّة التي ظلّوا يتمتعون بها ويُريدون دوامها للأبد.
ولكيْ لا أكون خبيثاً - كما الصادق المهدي - الذي تحدّث بلؤم في ندوته بجامعة الأحفاد عن:
(أن أية محاولة لإبعاد الدين سيستغلها المتفلتون لأن التطرف العلماني يريد طرد الدين من الحياة، وكلما حاولوا ابعاد الدين نشطت الأصوليات المختلفة)
أوّلاً وأخيرا، إنّ "الصادق" يعلم علم اليقين بأنّ لا أحد في السودان، إن كان عاقلاً أو مجنونا، يسعى أو يُنادي بـ"طرد الدين من الحياة" فالدين يسكن الأفئدةَ والقلوبَ والعقول، فمَن الذين نادوا بذلك، ومن الذين "حاولوا" ولماذا لا يُسمّهم..؟ أمّا إن كان يروم الحقيقة، كان عليه القول: "من الحياة السياسيّة" فسنقول معه نعم، إنّ أيّ دولة مدنيّة تدعو إلى أنّ "الوطن للجميع والدين لله" وليس معنى ذلك أن تكون هذه الدولة متعدّدة الديانات والثقافات - كما هو حال السودان - بل لأنّ الدين الإسلامي (والذي يعنيه الصادق المتمهدي ولم يجرؤ على ذكره) فيه للسنّة مذاهب شتى، وللمتصوّفة مدارس وطوائف شتى، وللناس الذين يؤمنون به، فرداً فردا، آراءَ لا حصر لها. فمن الواضح أنّه يتحدّث عن بعض أطراف قوى الحريّة والتغيير، الذي هو طرف فيه، فهل وجَّه ممثلي حزبه بأن يطرحوا ذلك في حواراتهم داخل "قحت" فهل يعني بالعلمانيين الشيوعيين، الذين لم نسمع منهم غير "الدولة المدنيّة" ولماذا طرح ذلك الآن بالذات، فوقت ذلك لم يحن بعد، فميقاقته عند كتابة الدستور.. ولِمَ يريد تكريس الصراع بين دينيين يُدينون بدين الإسلام وعلمانيين متوهّمين؟!!
إنّ كلّ الذين حكمونا بإسم الدين، والمُتمهدي منهم، والذي حكمنا مرّتيْن، لم يفتح الله عليهم من الإسلام سوى قوانين الشريعة التي هي حدود الزنى والسارق وشارب الخمر واللباس الفاضح للنساء - الذين لهنَّ نصيب الأسد في العيب والحرام..! ولأنّ المُتمهدي يعلم علم اليقين أنّ في "الدولة المدنيّة" لا تقوم الأحزاب على أسسٍ طائفيّة، بل على البرامج السياسيّة، التي يفتقر إليها حزبه، ولذا سيحتاز على ماذا سيرتكز.
بعدين ده كلّو كوم، الزول ده قبل أيام قال إنّو سيتفرّغ للتفكير والتأمّل، الودّاهو جامعة الأحفاد شنو - عايز يتأمّل مع مَن هتفنّ ضدّه أو مَن وقفنَ معه؟!! إنّ الصادق، ومن ورائه أحبابه الكيزان هم ألدّ أعداء الدولة المدنيّة.

وفي هذه المسيرة التي تمرّ بها أحوال الثورة في هذه الوهاد، ربّما تنسلخ أحزابٌ وجماعات من "قحت" ولكنّ الكاسب الأكبر هو مَن له القدرة على المضي قُدماً، في أعقاب، أو مع الثوّار - الشباب والكنداكات الذين لم، ولن يبرحوا أو يبرحنَ أحلامهم وأحلامهنَّ بـ"المدنيّة" وبالشعارات التي طرحتها الثورة المجيدة.

فحين تفشل الثورة في التحوّل إلى دولة بالحوار مع أعدائها، فما لدى الثوّار والثائرات سوى الشوارع التي لاتخون، والميادين الوسيعة مثل الأحلام.