استطاع الاتحاد الأفريقي أن يضع السودان على سكة التحول الديمقراطي، عندما ضغط على المجلس العسكري السوداني للقبول بوساطته، ووضع خطة تنفيذية، توافق عليها قوى إعلان الحرية والتغيير، وإلا فإن تجميد عضويته في الاتحاد باقية، لا بل سوف تكون هناك خطوات تصعيدية لاحقة. وتسجل هذه الخطوة المباركة للاتحاد الأفريقي الذي يتجه بخطوات رصينة وثابتة نحو عدم القبول بالانقلابات العسكرية داخل القارة السمراء التي أنهكتها خلال القرن الماضي، بالإضافة إلى الاستعمار الذي استغل ثرواتها الطبيعية، وأيضاً الاضطهاد العنصري لغالبية مواطنيها. وقد تراجعت سياسات التمييز العنصري كثيرا، بعد هزيمتها في معقلها في جنوب أفريقيا على يد حزب المؤتمر الأفريقي، وزعيمه التاريخي نيلسون مانديلا.

نجاح هذه الخطوة سوف يضع ديناميات جديدة، سواء على صعيد القارة الأفريقية، أو لدى الدول العربية التي تتطلع شعوبها إلى بناء دول ديمقراطية فاعلة في المجتمع الدولي. ملاحظة الحراك الشعبي المستمر في الجزائر، وعدم إجراء انتخابات رئاسية في موعدها، بسبب الضغط الشعبي، ونجاح المساعي الأفريقية في السودان، سوف يكون لهما تداعيات إيجابية في انتقال بلد المليون شهيد إلى ركب الدول الديمقراطية، فعلا لا لفظاً.

الديمقراطية قادمة إلى الدول العربية، وفشلت جامعة الدول العربية في أن تكون السباقة إلى ذلك، بدعم الشعوب العربية وأمانيها المتقدة بالحرية والعدالة؛ فوجود عدة نماذج ديموقراطية لدول عربية سوف يجعل الجامعة أمام تحد ليس سهلا، إن لم تستوعبه، وتقوم بمراجعة حقيقية لدى دولها، وإلا فإن عقد الجامعة سوف ينفرط، ويتم بناء تجمعات سياسية جديدة لدولٍ تتشابه أنظمتها سياسياً واقتصادياً، ما يؤدي إلى ضغوطٍ شديدة على الدول الممانعة لهذا المنحى، أو تدخل الجامعة في سبات شتوي، شبيه بمنظماتٍ كثيرة. وبإجراء مقارنة بين مساعي الاتحاد الأفريقي الحميدة في الملف السوداني، وأداء روسيا وإيران على صعيد الملف السوري يُلاحظ:
أولا، ما قامت به روسيا انحياز سافر لنظام الأسد، بكل ما يحتويه من قمع واستبداد ومجازر، لا بل قيادة ذلك الإجرام بشكل مباشر على السوريين، منذ قرارها بالتدخل العسكري في سبتمبر/ أيلول عام 2015.

كان في وسع روسيا أن تقوم بخطوة رائدة عالمياً، تجعلها أكثر قرباً من الشعوب، من خلال الضغط على نظام الأسد في مطلع الثورة عام 2011، وتطرح مخرجاً متوازنا يراعي مصالحها في المنطقة، بالإضافة إلى تحقيق تطلعات السوريين الذين ما يزالون يحنون إلى تجربتهم الديمقراطية قبل انقلاب حزب البعث 1963، إذ مهدت تلك الخطوة الانقلابية لمجيء عائلة الأسد إلى الحكم، وسيطرتها عليه نصف قرن.

لقد انحازت روسيا إلى نموذجها الشيوعي الديكتاتوري القمعي الذي أدى إلى تفكّك الاتحاد السوفييتي غير مأسوف عليه، وإلى تكرار تجربتها الفاشلة في أفغانستان حيث ما زال العالم يدفع ثمن تلك الخطوة الاستعمارية التي جعلت الشعوب بشكل عام تكره نموذجها الذي فشل فشلا ذريعاً، لا بل كانت مسببا رئيسا لانطلاق الأفكار المتطرّفة، وها هي الآن تعيد سيرتها الأولى، بدون أدنى مراجعة نقدية أو اتعاظ لبناء جسور تجعلها نموذجاً إيجابياً يُحتذى به. لقد خسرت فرصة نادرة للعودة من بوابة الوساطة النزيهة بين النظام والشعب، وبجعل سورية سلطة وشعباً بوابتها على المياه الدافئة في المتوسط، دولة حضارية غير منحازة دولياً، يختار شعبها من يحكمه بدون تدخل من أية قوى عالمية.

ثانياً، أما إيران فقد استثمرت في الشعوب طوال العقود الثلاثة الماضية، وبأن ثورتها هي ثورة الشعوب الفقيرة المضطهدة ضد المستبدين، وأيضاً ضد الاستكبار العالمي. كانت سردية الثورة الإيرانية متمحورة حول أنها جزء من ثورة الحسين، رضي الله عنه، ضد الظلم، وما إن حانت الفرصة في سورية، ودول أخرى، لتظهر تلك الأخلاقية الإسلامية في الانحياز للعدل والمساواة، حتى أسفرت عن وجهٍ آخر غير الذي كانت تروّجه بكل الوسائل الناعمة والخشنة.

لقد شاهد الجميع وجها طائفياً قمعياً راغباً بسفك الدماء وارتكاب المجازر، فقط لمجرد أن تكون لديها ورقة ضغط تحت السيطرة، يمكن أن تستخدمها على الساحة الإقليمية، فاستدعت محازبيها ومليشياتهم من باكستان وأفغانستان والعراق ولبنان وإيران، فقوضوا كل المبادئ التي نادى بها الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والحسين رضي الله عنه، وجعفر الصادق رحمه الله. وكانت نظرتها على هذا الصعيد قصيرة المدى، بدّدت ما استثمرت في الشعوب العربية والإسلامية من مناصرتها القضية الفلسطينيةً، ودعمها حزب الله مدافعا عن لبنان ومحررا أراضيه، فأصبح مجرد بيدق في يدهم لتنفيذ قراراتهم.

بإجراء مقارنة بين مبادرة الاتحاد الأفريقي وأداء روسيا وإيران، وحتى جامعة الدول العربية، نرى تفوقا كاسحا لصالح الاتحاد الأفريقي الذي يتم تصوير مجتمعات الدول الأعضاء فيه على الصعد كافة، بأنها ما بعد ثالثية. ولكنه عند الامتحان، سارع إلى نجدة السودانيين وثورتهم، وأرسل وفدا عالي المستوى، ممثلا برئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الذي يمثل ديمقراطية ناشئة حديثا في بلاده، وأرسل رسالة حازمة بضرورة الانحياز لرغبات السودانيين بإنشاء دولة ديمقراطية وعودة الجيش إلى الثكنات. وفي المقابل، تجاهلت روسيا وإيران ذلك كله، بل لا تزالان تقاومان تلك القيم لصالح الديكتاتورية والفساد؛ فالعودة الروسية إلى ممارسة دور فاعل على الصعيد الدولي، بعد انحسار لدور دولي فاعل، فاق العقدين، كانت من بوابة الانحياز إلى نظام استخدم السلاح الكيميائي ضد شعبه، وتجريب أسلحتها الحديثة على شعبٍ أعزل، وقصفها له بسلاح الطيران، بالنيابة عن نظام الأسد، وكذلك الأمر بالنسبة لإيران التي نراها فشلت في امتحان تطبيق المبادئ الإسلامية لصالح نموذج فرعون وهامان وكسرى الذين كانوا يضطهدون الشعوب، ويسومونهم سوء العذاب. وكذلك الأمر بالنسبة للمنظمات، عندما نقارن الاتحاد الأفريقي بجامعة الدول العربية التي أصبحت مجرد منظمة ورقية، ليس لها حول أو قوة في الملف السوري. لم تندّد الجامعة أو تحتج على ايِّ قصف روسي استهدف المشافي أو الأسواق، وقتل مدنيين، بل قامت، وبعض الدول، بدور سلبي لإعادة النظام إليها، في قمة تونس، لولا ضغوط أميركية.

لقد انحازت أفريقيا للسودانيين الذين عانوا من نظام فاسد، كما انحاز النجاشي لأتباع النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، فرفضت تسليمهم لجور المجلس العسكري واستبداده، وقال الأفارقة كلمتهم بوجوب محاصرة الأنظمة العسكرية الساعية إلى التسلط على شعوبها، عوضاً عن الدفاع عنها من كيد المعتدين، وتربّص المتربصين، وسجلت موقفاً سوف يسجله التاريخ لهم في لائحة الأخلاقيين والمنتصرين للشعوب، قولاً وعملاً، وليس نفاقاً وزوراً... وكما يقول أحمد شوقي:
إنَّما الأمم الأخلاق ما بقيت/ فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.