مقدمة

للتفريق بين التغيير السياسي political change، والتحول الديمقراطي political transition، يذهب الفقهاء السياسيون إلى تعريف الأول بأنه استبدال نظام حكم بنظام حكم آخر. ويظل هذا الاستبدال، في حالة التغيير السياسي، وفي أحايين كثيرة، تغييرًا فوقيًا لا يمس التركيبة أو الطبيعة الاجتماعية للسلطة السياسية القائمة للنظام الاجتماعي في بلد ما. بل هو عبارة عن تغيير للرموز في قمة الهرم السياسي. ولربما هو أيضًا تغيير لا يمس شكل وهياكل الحكم القديمة بل يُبقي نفس قواعد اللعبة السياسية.

أما الثاني (التحول الديمقراطي) فيعرف بأنه مجموعة من الإجراءات والإصلاحات والسياسات التي تهدف إلى تغيير أسلوب الحكم نحو فتح المجال أمام المشاركة السياسية وفسح المجال أمام التنافس السياسي. وعند صامويل هنتنغتون، يعرّف التحول الديمقراطي بأنه محاولة تبني النهج الديمقراطي في الحكم، والذي يتضمن تبني الانتخابات الحرة والتداول على السلطة بين الأحزاب، في ظل تكافؤ فرص بين الأحزاب السياسية وحرية الاختيار بالنسبة إلى الناخبين ومؤسسات سياسية مستقرة وثابتة ترعى هذا التحول.

إن مقارنة سريعة بين دلالات المفهومين وعلاقاتهما، يمكن أن يستشف منها أن الأول (التغيير السياسي) هو مقدمة سابقة ولازمة للمفهوم الثاني (التحول الديمقراطي)، ولكن الثاني قد لا يكون نتيجة حتمية للأول. فقد يحدث التغيير السياسي ولكنه يظل تغييرًا فوقيًا، لا يقود إلى تحول ديمقراطي حقيقي ومستدام للنظام السياسي السائد. بل قد يقود، في عديد من الحالات المشاهدة، إلى نظام سياسي أكثر عجزًا من النظام الأول في تلبية تطلعات الجماهير والمجموعات المحكومة للتحول الديمقراطي.

في ضوء ما سبق، وبالنظر إلى معطيات الراهن السوداني، يتبادر إلى الذهن سؤال: هل ما يحدث في السودان الآن يمثل تغييرًا سياسيًا فقط في قيادة الدولة أم هو مقدمة لتحول ديمقراطي حقيقي؟ وعلى الرغم من أن المشهد لم يتكشف حتى الآن، والأحداث لم تبح بجميع أسرارها، فإن ذلك لا يمنع، من خلال الشواهد والدلالات ومقارنة الحاضر بالماضي، أن نحاول أن نستشف اتجاه الأحداث الجارية.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تزاح فيها حكومة عسكرية من سدة الحكم في السودان على يد القوى السياسية المدنية، فقد فعلت ذلك، من قبل، مرتين. غير أن سيرورة التحول الديمقراطي سواء بعد "ثورة أكتوبر" عام 1964 أو بعد "ثورة أبريل" عام 1985، لم تكتمل يومًا؛ إذ دائمًا ما تفشل القوى السياسية المدنية في استدامة الديمقراطية والتأسيس لنظام حكم مدني فعال يقود ويكمل مشروع بناء الدولة القومية في ذلك البلد المضطرب.

بل إن من غرائب السياسة في السودان أن مجيء العسكر للسلطة، وفي الفترات الثلاث في تاريخ دولة ما بعد الاستقلال، قد تم إما بإيعاز ومباركة، أو بتخطيط ومشاركة، أو بتخطيط وتبنٍّ من لدن إحدى القوى السياسية الكبرى، وهي القوى نفسها التي قد تصطف، في ظل عهد عسكري آخر، كداعية إلى التغيير والتحول الديمقراطي.

إن أهم ما يفهم، في ضوء الحقائق السابقة أن مسألة التحول الديمقراطي في السودان أعمق من مجرد إنهاء حكم عسكري دكتاتوري، بل إن جوهر ومراحل التحول الديمقراطي تبدأ مع تنصيب الحكومات المدنية، فالثورات الكبرى الثلاث على الحكام العسكريين عبرت فيما عبرت عنه عن رغبة تجمع أشتاتًا سياسية، اتفقت مرحليًا وتلاقت مصالحها على ضرورة إزاحة الحكومة العسكرية القائمة، أكثر من اتفاقها على ثوابت وطنية أو حتى ملامح برنامج حد أدنى للحكم والمشاركة السياسية.

وكذلك الحراك الشعبي الحالي الذي أطاح حكومة الرئيس عمر البشير، من دون أن يمس بقواعد حكمه كثيرًا، يمثل قفزة في الظلام. فحجم التحديات التي تواجه إنجاز التغيير في مرحلة أولى ومن ثم تحول ديمقراطي حقيقي ومستدام في مرحلة ثانية، كبير جدًا. فالثورة الحالية تأتي في ظل ظروف داخلية وخارجية بالغة الصعوبة والتعقيد. فداخليًا تغيرت البيئة السياسية كثيرًا عما كانت عليه في نيسان/ أبريل 1985، تاريخ إطاحة حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري، وعرفت السنوات الثلاثون من حكم الإنقاذ بروز قوى سياسية جديدة، وتراجع أخرى ونشوء تحالفات جديدة وانفراط أخرى قديمة ظلت قائمة ومسيطرة ردحًا من الزمان. وقد ساهمت سياسات النظام الذي ظل يحكم البلاد منذ 30 حزيران/ يونيو 1989، وحتى نيسان/ أبريل 2019، في هذه التغيرات بشكل كبير.

أما خارجيًا، فقد تغيرت البيئة الإقليمية والدولية كثيرًا، ومن المؤكد أن قائمة الحلفاء المحتملين وكذلك الأعداء سوف تشكل متغيرًا بالغ الأهمية في مسألة سهولة أو صعوبة إنجاز التحول الديمقراطي في السودان، وذلك وفقًا لطبيعة المصالح السياسية والاستراتيجية المتقاطعة لدول الإقليم ومن خلفها القوى الكبرى.

إن ثورات الماضي في عام 1964، وفي عام 1985، وإن قادت إلى تغيير أنظمة حكم عسكرية شمولية بأخرى مدنية، فإن الحصيلة النهائية لم تكن تحولًا ديمقراطيًا؛ إذ سرعان ما عاد العسكر إلى السلطة. حدث ذلك بعد خمس سنوات من "ثورة أكتوبر" عام 1964، وبعد أربع سنوات فقط من "ثورة أبريل" عام 1985، ومن ثم لم تتعد كونها تغييرًا سياسيًا كان يمكن أن يقود إلى تحول ديمقراطي مستدام لو حَسُن استغلالها.

وفي ضوء المعطيات السابقة، تتمثل الإشكالية التي تسعى هذه الدراسة للإجابة عنها، في محاولة معرفة إلى أي مدى تتطابق أو تختلف "ثورة 19 ديسمبر" الحالية في السودان عن سابقتيها؟ وهل يمكن أن تقود إلى تحول ديمقراطي حقيقي ومستدام؟ وفي سبيل مناقشة موضوعها، تستعرض أزمة دولة ما بعد الاستقلال في السودان، وأبرز تحديات بنائه الوطني.

يأتي ذلك كمقدمة لازمة وإطار، لفهم دوافع الثورات الشعبية في السودان، وخصوصًا في عامي 1964 و1985؛ ما أسبابها؟ وكيف انتهت إلى مآلاتها؟ أي لماذا لم تفض تلك الثورات إلى تحول ديمقراطي مستدام؟ ثم ينصب تركيز الورقة على "ثورة 19 ديسمبر" الحالية ومناقشة البيئة السياسية، وتوازنات القوى السياسية في إطارها. وفي النتيجة، يتم النظر بالمقارنة والتحليل، في فرص هذه الثورة بين أن تكون محض تغيير سياسي لا غير، وأن تكون مقدمة حقيقية لتحول ديمقراطي أشدّ رسوخًا.

//////////////////