قلنا إن حديث نائب المراجع العام مهمٌ وقيِم لما افاض فيه من تفصيلات فنية عن حجم التجاوزات واهدار المال العام الذي كان تحت بصر السلطات الرسمية وعلمها وكذلك الاجهزة العدلية التي علمت بهذا الفساد من خلال الملفات التي رفعت اليها فجنحت الى التسوية في كثير من القضايا حتى أنها اغلقت بعضها وباسباب قد قدرتها النيابة -وهي من الاجهزة القائمة على مثل هذه المعاملات - مع رصيفتها ديوان المراجع العام الذي لم يكن مقتنعا بالمعطيات التي قامت على اساسها هذه التسويات و لم يكن مقتنعا بالذرائع ولا بالحجية القانونية التي قامت علي اساسها هذه التسويات ولا بالطريقة التي فندت بها النيابة الادلة المقدمة اليها من ديوان المراجع العام بخصوص هذه التجاوزات ...اذن القضايا التي رفعت وتمت تسوياتها بها الكثير من التحفظات وعليها العديد من الملاحظات وهذا بحد ذاته مشكلة وأن لا تتوافق اجهزة الدولة الرقابية وهي القائمة على حفظ وحماية المال العام وتمنع عنها الاعتداء أن لا تتناغم فيما بينها وتنعدم الثقة المهنية في التعامل بينها في ترجيح البراهين والادلة الموضوعية المقدمة من ديوان المراجع العام وهو يمارس مهام اصيلة وأن يجرد من الارادة المستقلة في ممارسة مهامه بتأثيرات من النفوذ السياسي الذي لا ترغب بعض الأطرافٍ فيه وهي من النافذين الرسميين للدولة وتمنع القائمين بالمراجعة من استرداد أو حفظ المال العام وهذا يبين غياب استقلال المؤسس وسلطانه على دائرة اختصاصه وبالتالي عجزه المبين في محاربة الفساد وعدم قدرته على محاكمة الافراد والمؤسسات التي انتهبت المال العام وانتهكت القانون المنظم للتعاملات المالية العامة مما اوجد ضررا بليغاً في جسد الاقتصاد القومي وعدم جبر الضرر الناتج من ذلك إذن ما جدوى هذه الاجهزة إن هي غير قادرة على تحقيق الاهداف التي من اجلها قد انشئت..

وإن مثل هذه التصرفات تؤكد علي وجود خلل كبير ٍ في المنظومة التي تقول أن واجباتها الاساسية قائمة على حفظ المال العام الان وقد تبين رسمياً عدم تجانس الاطراف التي تراقب وتحافظ على المال العام وإنعدام الارادة السياسية والتنفيذية لدعم الاجهزة الرقابية وتمكينها ووبان عدم جديتها ورغبتها في مكافحة هذا الفساد القائم بل وفرت لها حماية من المسائلة وهذا يعني ضمنياً بأن هذه الارادة السياسية التنفيذية هي اجهزة متواطئة وشريكة في الجرم والفساد وهي فاسدة من جهة أنها قد علمت بالفساد وتسترت عليه أوسكتت عنه بأقل تقدير ومثل هذا السكوت بموقف كهذا هو التواطؤ المخل والمعيب والعائق الحائل في تحقق العدالة وتقصيراً معيب في حماية المال العام من الإهدار ..إذن فقد كانت هنالك تدخلات عاقت حماية المال العام هيأت لعدم تمكين العدالة من الإقتصاص بمساعدة المنتهكين ووفرت لهم دعماً وغطاء بهدف عدم ردعهم ووفرت لهم وسيلة للإفلات من المساءلة القانونية .. ولا يشك أحد بأن هذه الجهات صاحبت مثل هذا النفوذ الذي يمكنها من فرض تأثيرها على المؤسسات العدلية المناط بها حفظ المال العام وحمايته هي جهات نافذة إذن من هم هؤلاء النافذين ؟؟ ومن هم اولئك المتعدين على المال العام ومن شخوصهم و ما هي مؤسساتهم ؟!؟ وبالطبع هم جهات معلومة رسماً وسمتاً ومكاناً وعنوانا وإلا كانت القضية ستدون ضد مجهولين وبما أننا نتحدث عن شخصيات اعتبارية لهم وسجلات وعناوين لدى المسجل التجاري ولهم مدراء معروفين بشخوصهم وعناوينهم أوكلت لهم مهام ادارة هذه المؤسسات وهم مسؤولون عن ادارتها والقيام عليها لذا فلا غموض في تحديد هؤلاء المسؤولين عن هذه التجاوزات وبهذا يمكن ان نحدد المسؤوليات القانونية عن هذه التجاوزات إذ كما قيل بالمؤتمر (ان المدراء هم من يستمتعون بريع هذه المؤسسات ومداخيلها التي لم تساهم في تغذية الايرادات العامة ببنك السودان ولم توفر لها المال من عائدات الارباح التي جنتها هذه الشركات الحكومية) وبهذا لم يكن من الصعب التعرف على هذه الاداراة واسماء القائمين على ادارتها وبالتالي معرفة من هم اولئك المتنفذين الذين استخدموا نفوذهم وتسخيره ليتمكن ناهبي المال العام من الافلات و عدم التعقب والعقاب بل وتمكينهم من الإستيلاء على المال العام دون وجه حق و بذلك قد تساووا في الجرم مع المجرم وأصبحوا شركاء بل لعلهم اشد جرماً منه اذ انهم خانوا الامانة التي كلفوا بصيانتها وحفظها.
إن المؤتمر الصحفي ينبئنا بإعادة فتح الملفات التي اغلقتها الاجهزة الرقابية العدلية وبالتحديد نيابة الثراء الحرام ونادت بضرورة مراجعة ومحاسبة التجاوزات القديمة في المال العام وإعادة فتحها من جديد وهذا يؤكد ما ذهبنا اليه ولربما قد تمت هذه الاجراءات بسبب تغير الادارة السياسية والمناخ الذي فرضه المشهد السياسي الراهن وبشعارته المطالبة بالعدالة والشفافية والمطالبة بمحاسبة المتسببين في ذلك واذن الارادة السياسية القديمة والتي كانت تعيق تحقيق العدالة وتمنع من استرداد المال المنهوب وما تم الإستيلاء عليه بدون وجه حق تغيرت لارادة جديدة تريد استرداد هذه الحقوق ولا ادري الى اي مدى ستصل مصداقية الارادة السياسية الجديدة في ملفات التجاوزات والفساد بالمال العام والشركات الحكومية جزء منها وهل ستمكن ديوان المراجع من السلطة التي يمكنها من المضي في مكافحة التجاوزات ونهب المال العام وإن كنت لا احسب الامر الا تكتيك وورقة سياسية فقط لشغل الرأي العام .إن الحديث الذي سمعته من خلال المؤتمر الصحفي وما ادلي به نائب المراجع العام يتناغم في كلياته مع مطالب الشعب السوداني بضرورة تقديم كل الذين افسدوا الحياة العامة واستولوا على المال العام بإستخدام النفوذ والمحسوبية من دون وجه حق ووجوب تقديمهم الى القضاء والعدالة واسترداد هذه الاموال المنهوبة ..
إن النتائج المعلنة والتي تمخضت عن هذه المراجعة ماهي إلا عينة صغيرة جداً من الجسد الاقتصادي العليل للدولة ولكم أن تتخيلوا أن هذ العينة تغطي فقط 866 شركة حكومية وقد تقلصت الي 435 شركة عاملة ان 435 شركة تم حذفها بناءاً على افاد به مكتب المسجل التجاري ومكتب المراجع العام يفيدنا بأن عدد الشركات التي خضعت للمراجعة والتدقيق قد تم فقط لعدد 238 شركة حكومية وانهم لا يعلمون اي معلومات وبيانات عن عدد 193 شركة حكومية قد اعلموا بوجودها من خلال ديوان المسجل التجاري إبان فترة التحقيق وهو امر اثار عجبي أن لا تكون المعلومة متوفرة لدي ديوان المراجع العام وهذه ثغرة كبيرة في ادارة المعلومات وتنظيمها بين الجهات الحكومية بالدولة المرتبطة بادارة اجهزتها وعدم ترابطها فليس بالمقبول أن لا يمتلك ديوان المراجع العام الممسك بملفات الشركات الحكومية اي معلومات عنها اذاً كيف له أن يقوم بمراقبتها و ضبط تعاملاتها المالية وكشف التقرير الصحفي بأن 97% من الشركات التي تمت مراجعتها لم تساهم في رفد الخزينة العامة وأن المستفيدين من ريعها هم ادارات هذه الشركات في 419 شركة وأن الشركات التي ساهمت بالايرادت في خزينة بنك السودان بنسبة تقريبية تعادل 3% بعدد 12 شركة حكومية ولكم بذلك أن تتخيلوا حجم الفساد المالي بمؤسسات الدولة الاخرى ومفاصل الايرادات القومية كالجمارك والبنوك والزكاة والضرائب والطرق والجسور وكل المواعين الايرادية ..ولنا عودة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.